( صفحه 5 )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلوة على أشرف خليقته محمّد وأهل بيته الطاهرين واللّعن على أعدائهم إلى يوم الدّين.
وبعد، فقد سبق أن نشر منّا أجزاء في مجال فقه المسائل المعاصرة والّتي حدث الإبتلاء بها بعد ما لم يكن وقد وفّق الله تهيئة عدد آخر فيما يتعلّق بمسائل الحج وأسئله تعالى أن يُديم عليّ التوفيق في نشر أجزاء اُخرى في مسائل المعاملات المعاصرة نعدّه بعد ما كتبناها.
وقد شاءت الأقدار أن ترى هذه الأجزاء المتأخرة النشر بعد وفاة المرجع الغالي فقيد الطائفة آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني تغمّده الله برحمته وزاد في علوّ درجاته وقد كان سماحته يولي اهتماماً خاصّاً فيما يتعلق بالمسائل الحديثة والمعاصرة حتّى خصّ في المركز الفقهي المؤسّس برعايته قسماً لدراسة هذه المسائل ولعمري إنّ دراسة مثل هذه المسائل تستدعي إهتماماً بالغاً ونهضة شاملة وعناية خاصّة من مراجع الدين وذوي الكفاءة بما يتيسّر لهم مع ما في القيام بهذه المهمّة من بعض الصعوبات لا يذللها إلاّ الوقوع فيها ولا يحلّها إلاّ القيام بها والله المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد قام بشؤون إدارة المركز المزمع إليه ولده البار وأخونا سماحة الشيخ الفاضل اسماً ووصفاً الشيخ محمّد جواد سلّمه الله تعالى ولم يترك ثلمة فيما يتعلّق بهذا المركز الجليل إلاّ سدّها خلفاً عن والده (قدس سره) . أسئله تعالى أن يوفّقه على درب سلفه ويسدّد خطاه ويحرسه بعينه كما وأسئله تعالى أن يمنّ علينا بدوام التوفيق والسّداد وأن يأخذ بأيدينا إلى ما فيه رضاه ويتفضّل علينا بالعافية والبركات إنّه قريب مجيب وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه اُنيب وهو حسبي ونعم الوكيل.
ولا يفوتنى أن أشكر من ساهم في نشر هذه الموسوعة وتقديمها بهذه الحلّة أصحاب السماحة حجج الإسلام والمسلمين: الشيخ محمّد رضا الفاضل الكاشاني والشيخ خالد الغفورى الّذي ساعدني في تقويم النصّ وإيراد العلائم المساعدة على القراءة والسيّد جواد حسيني خواه كما وأشكر مباشر نضد الحروف وطباعتها على صعوبتها بسبب خطّي، الأخ ابو النور الكاظمي وغيرهم، والله المسدّد والمشكور.
كتبته بجوار عتبة مولاتنا فاطمة بنت موسى بن جعفر (عليهم السلام)
مستجيراً بذمة مولــنا صاحب العصر والزمان وأنا الآثم
محمّد بن محمّد الحسين القائني
شوال 1429
( صفحه 6 )
الحمد لله وصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن على اعدائهم الى يوم الدين وبعد فهذه جملة من مسائل تتعلق بالحجّ والعمرة مما يعم الابتلاء به وربما لا تكون منقحة في كلمات الاصحاب كتبتها اثناء القاءها تذكرة لنفسى وعسى أن ينتفع به غيرى فينفعنى في حشرى وارجو ان يكون الله من وراء القصد عليه توكلت واليه انيب.
( صفحه 7 )
مسألة: في حكم العمرة المفردة بالنسبة إلى النائي الذي فرضه حجّ التمتّع; وفيها فروع
حكم العمرة المفردة بالنسبة إلى النائي
من المسائل التي يعمّ الابتلاء بها وجوب العمرة على النائي الذي فرضه حجّ التمتّع عند الاستطاعة فهل تجب عليه العمرة عند استطاعتها وإن لم يستطع الحجّ؟
وهل يكون وجوبها على تقديره فوريّاً كالحجّ ـ على ما هو المعروف المدّعى عليه الإجماع من فوريّة الوجوب شرعاً فيه ـ بحيث لو استطاع للحجّ في أوّل السنة وكان متمكِّناً من العمرة قبل الحجّ لم يجز له تأخير العمرة والاكتفاء بعمرة التمتّع بعد ذلك; سيما مع احتمال عدم تمكّنه من الحجّ لموت أو غيره؟
وهل تستقرّ العمرة مع الإهمال بعد الاستطاعة كالحجّ حتّى انّه يجب قضاؤها عن الميّت بعد موته وتجب على المكلّف المباشرة بها حتّى بعد انعدام الاستطاعة؟
وهل الواجب هو خصوص العمرة المفردة أو الجامع بين عمرة التمتّع والعمرة المفردة حتّى أنّ مستطيع العمرة المفردة لو حجّ تسكّعاً وأتى بحجّ التمتّع أجزأ عن العمرة؟
ثمّ لو فرض مساعدة الأدلّة اللفظية على وجوب العمرة فهل يمكن رفع
( صفحه 8 )
اليد عنها بالسيرة والارتكاز المتشرّعي على عدم الوجوب مع عدم عموم الابتلاء بها في الأعصار السابقة التي كانت تستلزم الاستطاعة للعمرة ـ عادةً ـ الاستطاعة للحجّ ـ بخلاف هذه الأزمنة في بلادنا؟
ثمّ هل يشترط في وجوب العمرة ما يشترط في وجوب الحجّ من الاستطاعة بمعنى الزاد والراحلة أو يكفي فيه التمكّن من العمرة بغير حرج ملازم لنوعها وأصلها؟
ثمّ على تقدير الوجوب هل تجب بالبذل كما يجب الحجّ، إمّا لإطلاق نصوص البذل أو لكون الوجوب بالبذل حكماً على القاعدة بلا حاجة إلى دليل خاصّ; لكون المبذول له مستطيعاً للحجّ وإن لم يكن واجداً لما يشترط في الاستطاعة غير البذليّة من ملك نفقة أهله ودار سكنى ونحو ذلك، أو لا تجب؟
هذه جملة من المسائل المتعلّقة بالعمرة المفردة والتي تتطلّب البحث والتحقيق.
مفهوم «الحج» وشموله للعمرة
وممّا تجدر الإشارة إليه بل ينبغي تحقيقه هو البحث عن المعنى الاصطلاحي للفظ الحجّ وأنّه على تقدير وضعه لغةً فيما يعمّ العمرة ـ لكونه بمعنى القصد أو الزيارة ـ فزيارة البيت لحجّ أو عمرة يعدّ حجّاً فهل هو في عرف المتشرّعة واستعمال الروايات كذلك، فما لم تقم قرينة على إرادة الحجّ
( صفحه 9 )
المقابل للعمرة يكون اللفظ مطلقاً؟
هذا بالغضّ عن دعوى ثبوت اصطلاح شرعي للحجّ في خصوص الحجّ
المقابل للعمرة.
ويترتّب على ما أشرنا إليه من عموم الحجّ للعمرة وعدمه ثمرات مهمّة:
منها: شمول نصوص بذل الحجّ وعرضه للعمرة.
ومنها: وجوب الاستنابة في العمرة لمن استطاع لها مالاً ولكنّه عجز عن مباشرتها لمرض ونحوه.
ومنها: استقرار العمرة على من استطاع ثمّ انعدمت استطاعته.
ثمّ إنّ الكلام في المفهوم من لفظ الحجّ حيث يطلق; ـ وأمّا إذا اُضيف ـ أو ما هو بحكمه ـ كما في الآية ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (1) فلا يبعد شموله للعمرة; لأنّه بمعنى الزيارة أو القصد أو ما يتضمّنهما، وهو شامل للنسكين إلاّ مع القرينة كما في قوله تعالى: ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ) (2).
ثمّ إنّ المتيقّن من مفاد لفظ الحجّ هو الحجّ المقابل للعمرة، وقد تكرّر إطلاق اللفظ بهذا المعنى كما في قوله تعالى: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـتٌ ) (3) وكذا الروايات. وبهذا الاعتبار تطلق الحجة ويراد بها العام والسنة، فيقال: مضى عليه عشر حجج، يراد سنون، فلا يبعد ثبوت وضع خاص له بهذا المعنى، وإنّما الكلام في شأن العمرة، فإمّا أن يكون اللفظ موضوعاً لها بوضع خاص
(1) آل عمران: 97.
(2) البقرة: 158; ومثلها ( وَأَتِمُّوا ْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ): 196.
(3) البقرة: 197.
( صفحه 10 )
فيكون مشتركاً لفظيّاً، أو يكون استعماله فيها كناية ومجازاً; ويحتمل أن يكون اللفظ موضوعاً للجامع بينها وبين الحجّ المقابل للعمرة. ومع الترديد بين هذه الاحتمالات ينبغي حمل اللفظ على الحجّ المقابل للعمرة حيث يطلق ولم تقم قرينة.
ولا موجب لحمل اللفظ على العمرة أمّا على تقدير المجاز فظاهر.
وأمّا على تقدير الجامع فلأنّ الحجّ المقابل للعمرة مصداق للجامع قطعاً، وأمّا العمرة فصدق الحجّ عليها موقوف على ثبوت هذا الاحتمال بنحو الجزم، وبدونه فالمتيقّن هو غيره.
وأمّا على تقدير الاشتراك اللفظي فقد يقال بأنّ اللفظ يكون مجملاً لتردّد المعنى المراد كما في سائر المشتركات.
وفيه: أنّ المتكلّم إذا كان في مقام البيان لا الإجمال ومع ذلك أطلق هذا اللفظ ولم تقم قرينة على إرادة معنى خاصّ فلا مناص من اعتماده على تعيّن المعنى في نفسه، فلو لم يكن اللفظ ظاهراً في ذلك المعنى فلا أقلّ من كون تعيّنه الخارجي منشأ لحمل اللفظ عليه. وللحجّ المقابل للعمرة نحو تعيّن خارجاً في قبال العمرة بحيث لا يحتمل ظهور اللفظ أو حمله على خصوص العمرة اعتماداً على إطلاقه.
وهذا نظير ما اُفيد من حمل الجمع المحلّى على الاستغراق والعموم لكون ما عداه من المراتب غير متعيّنة، فمع كون المتكلّم في مقام البيان يكون معتمداً على ذلك التعيّن لا محالة. ونظيره ما ذكره المحقّق الخراساني في الكفاية من حمل الجمل الخبرية على الوجوب بعد وجود القرينة على
( صفحه 11 )
عدم إرادة المعنى الحقيقي لها; لكون مناسبتها مع الوجوب موجبة لتعيّن هذا الاحتمال الموجب لحمل اللفظ عليه حيث يطلق في مقام البيان.
فقد تحصّل ممّا تقدّم قصور لفظ الحجّ حيث يطلق عن شمول العمرة.
هذا بالغضّ عن قصور الحكم عن شمول العمرة حيث يشكّ في ذلك أحياناً; لكون المدرك مثل الإجماع، كما في وجوب الفور في الحجّ; بناءً على وجوبه الشرعي في قبال الوجوب العقلي وقصور الأدلّة اللفظية عن الدلالة عليه وكون المدرك هو الإجماع التعبّدي.
ثم إنّه بناءً على كون وجوب الحجّ بالبذل حكماً على القاعدة يسري ذلك إلى العمرة بناءً على دلالة الآية ـ وهي قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (1) ولو بضميمة النصّ المفسّر لها ـ على وجوب العمرة.
كون البذل محقّقاً للاستطاعة حقيقة
وقد يتوهّم أنّ البذل لا يحقّق الاستطاعة المعتبرة في الوجوب على القاعدة; والوجه في ذلك: أنّ المعتبر في الوجوب بالبذل هو بذل نفقة الحجّ خاصّة، مع أنّه لا يكفي في صدق الاستطاعة ـ لولا نصوص البذل ـ أن يكون للمكلّف مقدار نفقة الحجّ إذا كان مديوناً بقدر ذلك أو أقل أو كان فاقداً لنفقة أهله مدّة سفره أو كان فاقداً للمسكن الذي هو بحاجة إليه عرفاً
(1) آل عمران: 97.
( صفحه 12 )
فإنّه لا يعدّ مع ذلك مستطيعاً للسفر إلى حجّ أو غيره مع وجود الحاجة إلى مثل نفقة المسكن وغيره للتعيّش.
وبالجملة: فنفقات التعيّش والحاجات العرفية من أداء الدَّين وغيره هي مقدّمة في نظر العرف بحيث لا يعدّ الشخص معها متمكِّناً ومستطيعاً لمثل السفر إلى حجّ وغيره. وعلى هذا فكون الشخص واجداً لكلّ ذلك شرط في الاستطاعة; مع أنّه لا يشترط في صدق نصوص البذل شيء من ذلك، بل العبرة بخصوص بذل نفقة الحجّ وإن كان الشخص موظّفاً بصرف أضعاف ذلك في دين وغيره.
ولكن يلوح لي أنّ الحكم في نصوص البذل يتمّ على القاعدة، وليس فيها ما يخالف القاعدة.
بيان ذلك: أنّ العبرة في وجوب الحجّ إنّما هو بالاستطاعة للحجّ لا غير. ثمّ إذا وجد الشخص مقدار ما ينفقه في الحجّ فحيث يكون موظّفاً شرعاً أو عرفاً بصرف ذلك أو بعضه في بعض الجهات كأداء الدَّين أو شراء المسكن أو نحو ذلك من الحاجات العرفية والشرعية لا يعدّ مستطيعاً; لكون الاستطاعة هي وجدان نفقة السفر زائداً على بعض الحاجات الشرعيّة بل والعرفيّة.
وأمّا إذا لم يكن موظّفاً بل ولا مرخّصاً في صرف ذلك المال في سائر النفقات غير السفر للحجّ لم يكن وجود بقيّة الحاجات منافياً لصدق الاستطاعة للحجّ.
وعلى هذا الأساس لو وهب الباذل مقدار نفقة الحجّ، لا يجب الحجّ حتّى
( صفحه 13 )
بعد قبول الهبة إذا كان للشخص حاجات لا يفي بها البذل; وكذا إذا كان المال مباحاً للصرف لا في خصوص الحجّ. وهذا بخلاف ما لو كانت الإباحة للصرف في خصوص الحجّ; فإنّه حيث لا يجوز صرف المال في سائر المصارف وتعيّن شرعاً وعرفاً صرفه في خصوص الحجّ عدّ المبذول له مستطيعاً للحجّ; كما لو اُخذ المكلّف قسراً وقهراً إلى المشاعر فإنّه يصير بالوصول إلى المشاعر متمكِّناً من الحجّ إذا كان واجداً للنفقة المتعارفة للأكل واللبس وما شاكل ذلك، بل وبدون ذلك وإن كان مديوناً بكثير لم يعد معها مستطيعاً لو كان في بلده.
ومن هنا ظهر أنّ وجوب العمرة ببذل نفقتها لا يحتاج إلى شمول نصوص البذل للعمرة بعدما كان الحكم في الحجّ على طبق القاعدة.
القول بوجوب العمرة المفردة على النائي
ثمّ إنّه قد وقع الخلاف بين الفقهاء في الحكم بوجوب العمرة المفردة على النائي الذي فرضه على تقدير الاستطاعة التمتّع بالعمرة.
وقد نسب إلى المشهور ـ بل قد تكرّرت النسبة في كلماتهم ـ القول بعدم الوجوب، كما ونسب إلى جمع القول بالوجوب; واحتاط في ذلك بعضهم، ويظهر منهم التوقّف في المسألة.
وتحقّق الشهرة القديمة في المسألة غير واضح لو لم يظهر من كلماتهم القول بالوجوب.
( صفحه 14 )
وكيف كان فلا يظهر كون الشهرة على تقديرها تعبّدية، بل ربّما كانت مستندة إلى المدارك والنصوص الواصلة إن لم يدّع القطع بذلك. وعلى أيّ تقدير فالمتّبع في المقام هو ما تقتضيه ظواهر الأدلّة، ما لم يكن هناك ما يوجب رفع اليد عنها.
أدلّة الوجوب
وما يمكن الاستدلال به لوجوب العمرة المفردة وجوه نتعرّض لها، وسنتبعها بذكر ما يمكن دعوى معارضتها لتلك الوجوه، فنقول: ما يمكن الاستدلال به للوجوب عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (1).
بناءً على ما استظهرناه سابقاً من كون الحجّ المضاف إلى مثل البيت ظاهراً في معناه اللغوي من القصد أو الزيارة أو ما يناسبهما من المعنى فتعم العمرة. بعد القطع بأنّ زيارة البيت لا تجب مجرّداً عن نسك الحجّ والعمرة.
ثمّ لو فرض التردّد في دلالة الآية فيكفي لتثبيتها النصّ المفسّر:
ففي صحيح عمر بن اُذينة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ، يعني به الحجّ دون العمرة؟ قال: «لا; ولكنّه يعني الحجّ والعمرة جميعاً;
(1) آل عمران: 97.
( صفحه 15 )
لأنّهما مفروضان»(1).
وفي صحيحه الآخر قال: كتبت إلى أبي عبدالله (عليه السلام) ... إلى أن قال: فجاء الجواب بإملائه: «سألت عن قول الله عزّ وجلّ: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ، يعني به الحجّ والعمرة جميعاً لأنّهما مفروضان»، الحديث(2).
الوجه الثاني: قوله تعالى ( وَأَتِمُّوا ْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) (3).
بناءً على أنّ المراد من الأمر بالإتمام هو فعلهما تامّين نظير قوله تعالى: ( وَكُلُوا ْ وَاشْرَبُوا ْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا ْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ ) (4); إن لم يكن المراد من آية الصوم الإتمام بمعنى الإنهاء ويكون أصل وجوب التلبّس مفهوماً من سابقه.
وكيف كان فلا ريب في صحّة استعمال الأمر بالإتمام في وجوب الأداء زائداً على وجوب الإنهاء بعد التلبّس، إمّا كناية أو لكون إطلاق الأمر بالإتمام يستدعي وجوب التلبّس مقدّمة للتمكّن من الإنهاء; فإنّ فرض اختصاص وجوب الإتمام بالمتلبّس تقييد لإطلاق الأمر لا محالة، ولا موجب له; فإنّ نفس الإتمام موقوف على التلبّس لا وجوب الإتمام.
نعم، ربّما كان المنصرف من الأمر بالإتمام هو إيجابه على خصوص من
(1) الوسائل 10: 236، الباب 1 من أبواب العمرة، الحديث 7.
(2) الوسائل 8 : 3، الباب 1 من وجوب الحجّ، الحديث 2.
(3) البقرة: 196.
(4) البقرة: 187.
( صفحه 16 )
تلبّس لا إنشاء وجوبه مطلقاً. وعلىّ أي تقدير فيكفي لتتميم دلالة الآية النصّ.
ففي معتبرة ابن اُذينة قال: كتبت إلى أبي عبدالله (عليه السلام) بمسائل فجاء الجواب بإملائه ـ في حديث ـ وسألت عن قول الله عزّ وجلّ: ( وَأَتِمُّوا ْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ; قال: يعني بتمامهما أداءهما واتّقاء ما يتّقي المحرم فيهما، الحديث(1).
وظاهر الخبر إرادة الأمرين من الآية أعني الأداء ورعاية الوظيفة حال الأداء من اجتناب التروك، إمّا من جهة استعمال اللفظ في المعنى المتعدّد أو لغير ذلك.
وفي معتبرة الفضل أبي العبّاس عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله: ( وَأَتِمُّوا ْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ; قال: هما مفرضان(2).
والرواية وإن لم تدلّ بنفسها على فرض العمرة على النائي لكون فرضها أعمّ من فرضها على النائي ولكن الآية سيما بعد دلالة النص على كون
النسك في الحجّ والعمرة مفروضاً لا مجرّد وجوب الإنهاء على تقدير التلبّس واضحة الدلالة; لعموم الخطاب في الآية وعدم اختصاصه بالمكّي; بل لعلّ المتيقّن من المخاطب بالآية هو الآفاقي كما يأتي في النصّ من أنّ العمرة نزلت في المدينة.
الوجه الثالث: النصوص والروايات
منها: صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «العمرة واجبة
(1) الوسائل 8 : 3، الباب 1 من وجوب الحجّ، الحديث 2.
(2) المصدر السابق: الحديث 1 و 3.
( صفحه 17 )
على الخلق بمنزلة الحجّ على من استطاع; لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: ( وَأَتِمُّوا ْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ; وإنّما اُنزلت العمرة بالمدينة».
قال: قلت له: فمَن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ أيجزي ذلك عنه؟ قال: «نعم»(1).
وقوله (عليه السلام) : «على من استطاع» إمّا هو متعلّق بالحجّ أو الظرف المقدّر عنده، والمعنى: بمنزلة الحجّ الكائن على المستطيع. أو هو بدل من «الخلق» والمعنى وجوب العمرة على المستطيع.
ثمّ قوله: إنّما اُنزلت العمرة بالمدينة لا يبعد كونه دفعاً لدخل مقدّر وهو احتمال كون العمرة في الآية إشارة إلى عمرة التمتّع المشرّعة في حجّة الوداع بمكّة على ما ورد في النصّ من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعد فراغه من السعي أمر من لم يسق الهدى أن يُحلّ ويخرج من الإحرام مشيراً إلى أنّ جبرئيل عنده يأمره بذلك.
فتكون الرواية كالنصّ في وجوب العمرة المفردة. ويؤكّد ذلك ما في ذيل الخبر من سؤال الراوي عن كفاية عمرة التمتّع عن العمرة المفروضة حسب الآية.
ويؤكّد ما ذكرناه من ظهور ذكر نزول العمرة بالمدينة في دفع الشبهة، ـ مضافاً إلى الدلالة على وجوب العمرة المفردة ـ صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الذي يلي الحجّ في الفضل؟ قال: «العمرة المفردة ثمّ تذهب (يذهب ـ ظ) حيث شاء». وقال: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ; لأنّ الله تعالى يقول: ( وَأَتِمُّوا ْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
(1) الوسائل 8 : 4، الباب 1 من وجوب الحجّ، الحديث 5; و10: 235، الباب 1 من وجوب العمرة، الحديث 3.
( صفحه 18 )
لِلَّهِ ) ; وإنّما نزلت العمرة بالمدينة»(1).
ثمّ إنّ المتفاهم من إصرار النصوص على وجوب العمرة هو التعريض بالعامّة حيث يظهر من جمع منهم إنكار وجوب العمرة وكونها نافلة. وقد تكرّر منّا أنّ تكرّر النصّ عادةً والتوسّل بالاستدلال والتأكيد يكشف عن وجود قول مقبول ومعروف للعامّة أو بعضهم بخلاف مذهب أهل البيت، وأنّ الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) سيرتهم على صيانة الأحكام ممّا وقع فيها من الدسّ والتحريف ومن أظهر مصاديقه الأحكام العامّية إذا لم تطابق الواقع; وقد جرت السيرة العملية من الأئمّة (عليهم السلام) على عدم السكوت على المذاهب المعروفة لأهل السنّة.
ثمّ إنّ المتفاهم من مثل صحيح معاوية وزرارة سيما الثاني هو وجوب العمرة المفردة خصوصاً. نعم، الدلالة على وجوبها على النائي بالإطلاق أو العموم.
فلا يحتمل انطباق ما في صحيح زرارة على خصوص عمرة التمتّع، بمعنى عدم انطباقه إلاّ عليها واختصاصه بها.
وأمّا دلالة الصحيح على ثبوت العمرة المفردة على النائي فهي وإن كانت بالإطلاق أو العموم ولكنّه مع ذلك اختصاص وجوبها بغير النائي بعيد عن مساق النصّ جدّاً; فإنّ إطلاق وجوب العمرة المفردة على الخلق وإرادة المكّي من الخلق، سيما بعد تنزيلها منزلة الحجّ الواجب على كلّ الخلق ـ بعيدهم وقريبهم ـ ممّا لا يتحمّله النصّ جدّاً، فلا تكون دلالته بالإطلاق
(1) الوسائل 10: 235، الباب 1 من وجوب العمرة، الحديث 2; وصدره في 1: 2.
( صفحه 19 )
القابل للتخصيص بما عدا النائي.
وأوضح من ذلك في منع التقييد لو كانت الدعوى: دلالة النصّ على وجوب العمرة المفردة على النائي بالعموم ـ بدل الإطلاق ـ لكون لفظ الخلق اسم جمع محلّى باللام.
ومنها: عدّة من النصوص تضمّنت أنّ عمرة التمتّع تجزي عن العمرة المفروضة; فإنّها تفيد المفروغيّة عن وجوب العمرة وكونها فريضة وإنّما تجزي المتعة عن العمرة ولو لكونها مصداقاً للعمرة لا عملاً مغايراً مجزياً عن الواجب. وربّما كانت المقابلة بين العمرتين في النصوص سيما كلمات الرواة تفيد كون العمرة المفروضة هي المفردة:
ففي معتبرة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة»(1).
وفي رواية العلل الصحيحة: «من فريضة المتعة»(2). والظاهر أنّه سهو.
وفي قويّة البزنطي ـ وليس في سنده من يتوقّف فيه سوى سهل ـ قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «نعم»، قلت: فمن تمتّع يجزي عنه؟ قال: «نعم»(3).
وظهور هذه النصوص في كون مورد السؤال العمرة المفردة ممّا لا مجال لإنكاره. فتأمّل; حيث يحتمل كون إجزاء عمرة التمتّع عن العمرة المفروضة من جهة إجزاء المصداق عن الجامع; ويؤكّده خبر أبي بصير الآتي فإنّه
(1) الوسائل 10: 242، الباب 5 من العمرة، الحديث 1.
(2) المصدر السابق: الحديث 7.
(3) المصدر السابق: الحديث 3.
( صفحه 20 )
ظاهر في كون عمرة التمتّع هي العمرة المفروضة، إلاّ أن يدّعى على تقدير التسليم أنّ إطلاقه إنّما هو مسوق لإفادة أصل الوجوب لا من تجب عليه. لكن الأصل هو الإطلاق والبيان.
وفي خبر أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «العمرة مفروضة مثل الحجّ; فإذا أدّى المتعة فقد أدّى العمرة المفروضة»(1).
نعم يمكن الإشكال في دلالة هذه النصوص بأنّها في مقام الردّ على العامّة ممّن ينكر وجوب العمرة رأساً، وأمّا تعيين من تجب عليه العمرة فلا دلالة
فيها على ذلك، وإن شئت قلت: إنّ هذه الطائفة دالّة على وجوب العمرة المفردة إجمالاً، ولا تعرض فيها لمن تجب عليه. وهذا بخلاف ما تقدم من نصوص تفسير آية الأمر بإتمام الحجّ والعمرة حيث إنّ ظاهر الخطاب في الآية كسائر الخطابات هو عمومها للمكلّفين من غير اختصاص بطائفة منهم. وكذا سائر النصوص الدالّة على وجوب العمرة على الخلق.
أدلّة عدم الوجوب
وهناك وجوه في قبال الوجوه المتقدّمة قد يدّعى اقتضاؤها لعدم وجوب العمرة المفردة في المسألة:
الوجه الأوّل: دعوى قصور الأدلّة عن الدلالة على وجوب العمرة المفردة على النائي; لعدم إطلاق في شيء من الأدلّة يقتضي ذلك.
(1) المصدر السابق: الحديث 6.
( صفحه 21 )
وقد تقدّم ما يصلح ردّاً على ذلك بعد كون الأصل مقتضياً لكون المتكلّم في مقام البيان.
الوجه الثاني: ما أشار إليه النراقي في المستند وتبعه عليه غير واحد من رواية دخول العمرة في الحجّ.
ويردّه: أنّه لا إشكال في مشروعيّة العمرة المفردة للنائي وإنّما الشكّ في وجوبها; فليست العمرة المفردة داخلة في الحجّ لأحد من المكلّفين مكّيهم والآفاقي. مع قوّة احتمال كون النصّ ناظراً إلى اشتراط الحجّ بالعمرة مشيراً إلى حجّ التمتّع لا العكس; ولذا فرّع عليه في النصوص قوله: فليس لأحد إلاّ أن يتمتّع; والغرض منه هو الردّ على العامّة في الحكم بعدم تعيّن حجّ التمتّع على الآفاقي مع دلالة الكتاب السنّة على تعيّنه، فكان دخول العمرة في الحجّ بمعنى تعيّن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ على النائي وعدم جواز الاكتفاء بالحجّ قراناً أو إفراداً، فيكون حجّه ناقصاً فاقداً للعمرة كما في بعض النصوص، بناءً على كون المراد من النقص ذلك، لا كون الإحرام من غير المواقيت البعيدة.
نعم لو كان التعبير دخل الحجّ في العمرة ربّما أفاد ذلك عدم وجوب العمرة المفردة على النائي.
دليل عام للمسائل عامة البلوى
الوجه الثالث: أنّ وجوب العمرة المفردة على النائي لو كان لاشتهر وبان، لعموم الابتلاء به; فإنّ مثل هذه المسائل التي يعمّ الابتلاء بها تقتضي بطبعها
( صفحه 22 )
الاشتهار والوضوح وعدم الاختلاف كوجوب أصل الحجّ; بل أوضح من ذلك; لكون الابتلاء بالعمرة أكثر من الحجّ لكون المتمكِّن من الأوّل أزيد من الثاني من جهة تفاوت نفقتهما وزيادة نفقة الحجّ على العمرة. وبالجملة: لازم ثبوت الحكم في أمثال هذه المسائل اشتهارها فيكون انتفاء اللازم دليلاً على انتفاء الحكم بدليل الإنّ; وهذا دليل شريف تكرّر الاستدلال به في مطاوي البحوث، وقد اعتمد عليه سيدنا الاُستاذ (قدس سره) في غير واحد من المسائل.
ونحن نختلف عن سيّدنا الاُستاذ في طور طرحه حيث إنّه (قدس سره) يذكر أنّ ثبوت الحكم في هذه المسائل يستدعي انتفاء الخلاف ووقوع الاتّفاق.
وأمّا نحن فنقول: إنّ مقتضى ثبوت الحكم في أمثال هذه المسائل إنّما هو مجرّد اشتهارها لا الإجماع عليها، وتكون قيمة الشهرة في هذه المسائل أكثر من قيمة الإجماع الفقهي للعلماء; حيث إنّ الشهرة المعنيّة في هذه المسائل هي الشهرة العامّة لا بين خصوص العلماء; وذلك نظير اشتهار وجوب الصلوات الخمس وعدم وجوب سادسة لليوميّة.
وربّما تكون المسألة مورد اختلاف بين أهل الفنّ لشبهة أو غيرها ومع ذلك لا يضرّ الخلاف باشتهار المسألة ولو بين شطر كبير من الناس.
والغرض أنّ هذه المسائل لا يمكن انتهاء الحكم فيها إلى عدد قليل من المكلّفين، بل طبيعة الحال فيها تقتضي وصول الحكم إلى جمع كبير وربّما ينتهي إلى الإجماع بل الضرورة إذا لم يكن هناك مانع من شبهة ونحوها تمنع من انتشار الحكم; ومن هذا القبيل مسألة إمامة أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم صلوات ربّ العالمين فإنّها مشهورة بين شطر من
( صفحه 23 )
المسلمين. ولولا التحريف المقصود والمدعوم في مسير الإمامة لما اختلف اثنان من المسلمين في الإمامة الحقّة كما لم يختلفوا في نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله) . فطبيعة عموم تكليف الاُمّة بتولية الإمام المنصوب يقتضي تسالمهم واتّفاقهم على من عيّن; ولكن التحريف والإكراه والدواعي على كلّ ذلك منعت من التأثير الطبيعي والطبعي فاختلفت الاُمّة وافترقت إلى ما شاء الله من فرق; ومع ذلك كلّه فقد أخذ بالحقّ عدد ليس بالقليل وكان الحقّ في المسألة ـ كما روي ـ كالشمس في وسط النهار بل أوضح لمن أراد الحقّ ولم يتعصّب ولمن رام الحقيقة ولم يعاند.
وعلى أساس هذا البيان لهذا الدليل يمكننا توجيه الحكم في كلّ المسائل التي يعمّ الابتلاء بها وأنّ الاختلاف بين العلماء أو مخالفة بعضهم لا تنافي ثبوت الحكم ووضوحه لدينا. نظير: حكم الصلاة في عدم وجوب التكتّف فيها، وحكم الطهارة في عدم جواز غسل الرجل والرأس بدل مسحهما، والحكم في بلوغ البنت تسع سنين دون ثلاث عشرة، حتّى أنّه لو روي في هذا المجال نصّ صحيح بل نصوص صحيحة يقطع ببطلانها وأنّها من جراب النورة; فإنّ ابتلاء الناس بهذا الحكم ليس أمراً خاصّاً بصنف قليل منهم، بل المسألة ممّا يعمّ الابتلاء بها فينبغي أن يكون الحكم فيها ـ بطبيعة الحال ـ معروفاً ومشهوراً بل متّفقاً عليه; ولا ينافي ذلك ذهاب شذاذ من الاُمّة بخلافها بعد العلم بأنّ الفتوى الشاذّة لو كانت حقّاً ـ وكذا النصّ المخالف ـ لكان ينبغي بعد عموم الابتلاء بالمسألة أن يشيع بين الاُمّة ويشتهر بين الناس لا أن يبدو لواحد أو نحوه من عدد شاذّ قليل، هذا.