مرکز فقهي ائمه اطهار (ع)
ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
 
  • عنوان :  
  • المبسوط في فقه المسائل المعاصرة: كتاب الحج  
  • نویسنده :  
  • محمّد بن محمّد الحسين القائني; اعداد مركز فقه الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)  
  • تعداد بازدید :  
  • 13853  
  •  فهرست کتاب

  • ( صفحه 44 )

    وأمّا ما تضمّن تفسير التفث في قوله عزّ وجلّ: ( ثُمَّ لْيَقْضُوا ْ تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا ْ نُذُورَهُمْ ) (1)، قال: التفث تقليم الأظفار وطرح الوسخ وطرح الإحرام، كما في صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (2)، فلا يمكن الاستدلال به لحصول التحلّل في العمرة بمجرّد التقصير; وذلك بناءً على كون الآية واردة في الحجّ لا العمرة، فلو كان التقصير بتقليم الظفر أو غيره تحلّلاً من الإحرام في الحجّ لم يلزم أن يكون ذلك كذلك مطلقاً.

    ثمّ إنّ صاحب الجواهر (قدس سره) استدلّ لحصول التحلّل بالتقصير في العمرة ببعض النصوص، وفي دلالتها تأمّل بل منع.

    فقد استدلّ بصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الركعتين خلف المقام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصّر»(3).

    وفي الرجل يجيء معتمراً عمرة مبتولة؟ قال: «يجزيه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق أن يطوف طوافاً واحداً بالبيت، وإن شاء أن يقصّر قصّر»(4).

    قال في الجواهر بعد الاستدلال بالخبرين: وغيرهما من النصوص(5).

    أقول: ليت شعري أيّ وجه لدلالة الخبرين المتقدّمين; فإنّ الأوّل


    (1) الحج: 29.

    (2) الوسائل 10: 192، الباب 12 من الحلق، الحديث 2.

    (3) الوسائل 9: 543، الباب 5 من التقصير في عمرة التمتّع، الحديث 1.

    (4) الوسائل 10: 250، الباب 9 من العمرة المفردة، الحديث 1.

    (5) الجواهر 20: 466، كتاب العمرة.


    ( صفحه 45 )

    متضمّن لتعيين محلّ الحلق أو التقصير وأنّه بعد السعي.

    إلاّ أن يكون الوجه في الاستدلال به دلالته على تفصيل مناسك العمرة وأنّه يتحقّق الفراغ منها بما تضمّنه من النسك وإن كان لابدّ من تقييده بطواف النساء، فيدلّ ـ بناءً على التقرير المتقدّم في بعض النصوص الاُخر ـ على حصول التحلّل بحصول الفراغ من النسك.

    وفيه تأمّل كما تقدّم; فإنّ قصارى مضمونه تعيين محلّ التقصير.

    وأمّا الخبر الثاني فلعلّ الوجه في الاستدلال به هو دلالته على تحقّق الفراغ من النسك بما تضمّنه، على أن يكون المراد من قوله: (طوافاً واحداً) هو الطواف الأوّل الذي هو طواف العمرة غير طواف النساء.

    ولكنّه غريب; فإنّ الظاهر منه هو أنّ الطواف الواحد غير الطواف المذكور أوّلاً، فينطبق على طواف النساء; ومعه فلا يدلّ الخبر على المدّعى; والتعبير بالواحد لعلّه في قبال الطواف الأوّل المشروط بانضمام الطواف بين الصفا والمروة أعني السعي إليه; فإنّ طواف النساء يكفي فيه طواف واحد بالبيت، ولا يشترط ضمّ السعي إليه.


    ( صفحه 46 )

    مسألة: إذا ترك المستطيع الخروج إلى الحجّ مع أوّل رفقة خرجت ثمّ لم يتيسّر له الخروج بعد ذلك ففي استقرار الحجّ عليه خلاف وبحث; اختار بعضهم الاستقرار مطلقاً كالسيّد في العروة وفصّل سيّدنا الاُستاذ(قدس سره) بين ما إذا كان ترك الخروج مع الاُولى إهمالاً; لعدم الوثوق بالتمكّن بعد ذلك فيستقرّ، وبين ما إذا كان واثقاً بالتمكّن بعد ذلك ولكن ظهر عدم التمكّن فلا يستقرّ.

    هل يستقرّ الحج بترك الخروج مع أوّل قافلة وعدم التمكّن بعده؟

    ولملاحظة مدرك المسألة لا مناص من ملاحظة مدرك استقرار الحجّ وملاكه مطلقاً; فإن كان مقتضاه استقرار الحجّ على من تمكّن من الحجّ فيشمل المقام مطلقاً; وإن كان مقتضاه استقرار الحجّ على من أهمل في فعل الحجّ فلابدّ من التفصيل كما اختاره سيّدنا الاُستاذ (قدس سره) .

    وقد اختار سيّدنا الاُستاذ الثاني مستشهداً لذلك بأنّ من خرج مع الاُولى فلم يتمكّن من درك الحجّ وكان لو خرج مع الرفقة المتأخّرة لكان يمكنه الحجّ فإنّه لا يحتمل في مثله استقرار الحجّ، مع أنّه لو كانت العبرة بالتمكّن الواقعي وإن لم يكن الترك عن إهمال لاستقرّ الحجّ في الفرض، وهذا نقض على من يقول باستقرار الحجّ مطلقاً على من ترك الخروج مع الاُولى; وقد صرّح السيّد الحكيم في المستمسك بأنّ المسألتين من واد واحد(1).

    وظاهر بعض الكلمات أنّ من استقرّ عليه الحجّ يجب عليه الحجّ ولو


    (1) المستمسك 10: 105، المسألة 23 من مسائل الاستطاعة.


    ( صفحه 47 )

    متسكّعاً بل ومع الحرج ما دامت القدرة العقلية، ولايشترط حينئذ الاستطاعة الشرعية.

    وليعلم أنّ استقرار الحجّ في اصطلاح الفقهاء يعنون به ذلك في فرض حدوث الاستطاعة وتمكّن المكلّف من الحجّ وتركه مع ذلك في أوّل عام التمكّن فعندئذ يحكم باستقرار الحجّ بمعنى وجوب فعله بعد ذلك ولو زالت الاستطاعة. بل لو مات المكلّف قبل فعله ولو متسكّعاً تجب النيابة عنه، فيكون ديناً ماليّاً عليه لا إرث إلاّ بعد استثنائه.

    وربّما يُزاد على ذلك في معنى الاستقرار واصطلاحه وجوب الحجّ بعد زوال الاستطاعة وإن كان حرجيّاً ما دام مقدوراً عقلاً.

    ولكن ليست هذه الزيادة ممّا يعترف بها الكلّ; ومن هنا أنكرها سيّدنا الاُستاذ وذهب إلى عدم وجوب الحجّ مع الحرج.

    الضابط في استقرار الحجّ

    وما يمكن الاستدلال به لاستقرار الحجّ ـ وعلى أساسه يتّضح ضابط من يستقرّ عليه الحجّ ـ اُمور:

    الأمر الأوّل: النصوص المتضمّنة للتهويل بمن ترك الحجّ مسوّفاً له بسبب تجارة وغيرها ممّا لا يعدّ عذراً مقبولاً في الشرع، وإليها أشار سيّدنا الاُستاذ (قدس سره) .

    ولكن هذه النصوص لا تدلّ على الاستقرار; فإنّ من جملتها ـ وهو عمدتها ـ ما تضمّن أنّ من سوّف الحجّ حتّى مات فقد ترك شريعة من


    ( صفحه 48 )

    شرائع الإسلام، أو هو مصداق قوله تعالى: ( وَ مَن كَانَ فِى هَـذِهِى أَعْمَى فَهُوَ فِى الاَْخِرَةِ أَعْمَى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (1)، أو قوله تعالى: ( وَ نَحْشُرُهُو يَوْمَ الْقِيَـمَةِ أَعْمَى ) (2)، كما في صحيح معاوية بن عمّار ورواية أبي بصير وزيد الشحّام ومحمّد بن الفضيل وغيرهما(3).

    إلاّ أنّ هذه النصوص لا تدلّ على استقرار الحجّ; وإنّما تدلّ على تحقّق العصيان بترك الحجّ المفروض; وأين هذا من وجوب الحجّ ولو متسكّعاً.

    فلو دلّ نصّ على أنّ مَن ترك الحجّ حتّى زالت قدرته فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام فهل يدلّ ذلك على استقرار الحجّ ولزومه حال العجز؟

    ومن جملتها: ما تضمّن عدم جواز تسويف الحجّ وإن لم يفض إلى الترك المطلق; ففي صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال الله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (4); قال: هذه لمَنْ كان عنده مال وصحّة; وإن كان سوّفه للتجارة فلا يسعه; وإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحجّ به(5).

    ولعلّ مثله في الدلالة صحيح أبي الصباح(6) والحلبي(7) وصحيح


    (1) الإسراء: 72.

    (2) طه: 124.

    (3) الوسائل 8 : 16، الباب 16 من وجوب الحجّ.

    (4) آل عمران: 97.

    (5) المصدر السابق: الحديث 1.

    (6) المصدر السابق: الحديث 4.

    (7) المصدر السابق: الحديث 3.


    ( صفحه 49 )

    معاوية الآخر(1).

    ومدلول هذه النصوص أنّ تسويف المستطيع لا يجوز، وأمّا أنّ الموضوع هو من حدثت له الاستطاعة أو يشترط في بقاء الوجوب بقاء الاستطاعة فيرتفع الوجوب بارتفاع الاستطاعة فهذه النصوص لا تدلّ على ذلك.

    والحاصل: أنّ مضمون هذه النصوص عدم جواز تأخير الحجّ المشروع والمفروض; وعدم جواز تركه; وأمّا أنّ حجّ المتسكّع بعد حدوث الاستطاعة وزوالها مشروع ومفروض فلا دلالة لها على ذلك; ألا ترى أنّ هذه الروايات لا إطلاق لها لنفي جزء أو شرط في الحجّ يشكّ في اعتباره كالطهارة في السعي، وإنّما هي بصدد وجوب فعل المشروع.

    هذا مع أنّ هذه النصوص لو تمّت دلالتها على وجوب الحجّ على المكلّف مباشرة ولو مع التسكّع فلا دلالة لها على وجوب الاستنابة عنه بعد موته.

    النيابة عن الميت مع وفاء تركته وإن لم يستطع في حياته

    الأمر الثاني: نصوص وجوب القضاء عن الميّت، وقد أشار إلى بعضها في الجواهر:

    منها: معتبرة سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يموت ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يوص بها وهو موسر؟ فقال: «يحجّ عنه
    من صلب ماله; لا يجوز غير ذلك»(2).


    (1) المصدر السابق: الباب 10، الحديث 3.

    (2) الوسائل 8 : 50، الباب 28 من وجوب الحجّ، الحديث 4.


    ( صفحه 50 )

    ومنها: صحيح معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يموت ولم يحجّ حجّة الإسلام ويترك مالاً؟ قال: «عليه أن يحجّ من ماله رجلاً صرورة لا مال له»(1).

    ونحوه صحيحا محمّد بن مسلم وصحيحا رفاعة(2)، بل وصحيح زرارة(3).

    ولكن يرد على الاستدلال بمثل هذه الرواية:

    أوّلاً: أنّه لو سلّم كون موردها من حدثت له الاستطاعة وإن لم تبق، أنّ مدلوله هو وجوب الاستنابة عنه بعد موته، وهو أعمّ من استقرار الحجّ واستمرار وجوبه عليه مباشرةً بعد زوال الاستطاعة; ولا بُعد في وجوب النيابة عمّن لم تجب عليه المباشرة كما فيمن منعه من الحجّ مرض أو كبر أو نحوهما حسبما تضمّنه النصّ فضلاً عمّن كانت المباشرة عليه واجبة في زمان ثمّ سقط عنه وجوب المباشرة بعد ذلك.

    ودعوى أنّ الظاهر من وجوب الاستنابة هو النيابة فيما كان واجباً على المباشر ولكنّه سقط بالموت، فإنّ النائب يأتي بما هو وظيفة المنوب; يردّها: المنع كما في المريض ونحوه كما مثّلنا.

    وثانياً: أنّه لا يبعد كون المراد من مثل هذه الرواية هو وجوب الاستنابة عن الميّت وإن لم يكن مستطيعاً أيّام حياته.


    (1) المصدر السابق: الحديث 1.

    (2) المصدر السابق والباب.

    (3) المصدر السابق: الباب 26، الحديث 3.


    ( صفحه 51 )

    وببالي أنّ العلاّمة المجلسي الأوّل (قدس سره) مالَ إلى نحو ذلك في روضة
    المتّقين مستظهراً له من هذه النصوص وذكر أنّه قريب لولا الإجماع على خلافه(1).

    ولا بُعد في وجوب الاستنابة مع عدم استقرار الحجّ. وقد حكي القول بوجوب الاستنابة بدون الاستقرار في مسألة من مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم(2)، بل اختاره سيّدنا الاُستاذ، بل قوّى وجوب الاستنابة لو مات قبل الإحرام في بعض الفروض(3).

    وممّا يؤكّد إطلاق هذه النصوص لوجوب الاستنابة عن الميّت وإن لم يكن مستطيعاً أيّام حياته خصوص صحيح بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج حاجّاً ومعه جمل له ونفقة وزاد، فمات في الطريق؟ قال: «إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام; وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام، فإن فضل من ذلك شيء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين». قلت: أرأيت إن كانت الحجّة تطوّعاً ثمّ مات في الطريق قبل أن يحرم لمَن يكون جمله ونفقته وما معه؟ قال: «يكون جميع ما معه وما يترك للورثة إلاّ أن يكون عليه دين فيقضى عنه أو يكون أوصى بوصيّة فينفذ


    (1) أقول: نعم، كان هذا ببالي ثمّ راجعته فوجدته قال بعد ذكر عدّة من هذه النصوص: وظاهر هذه الأخبار أنّه يلزم الإخراج من الأصل إذا لم يحجّ سواء استقرّ في ذمّته أم لا; وحمل على المستقرّ; لكن الأحوط في غير المستقرّ الإخراج. روضة المتّقين 5: 53، كتاب الحجّ.

    (2) راجع العروة الوثقى: المسألة 73.

    (3) راجع معتمد العروة الوثقى: المسألة 10 من النيابة في الحج.


    ( صفحه 52 )

    ذلك لمن أوصى له ويجعل ذلك من ثلثه»(1).

    إلاّ أن يُقال: إنّ هذه النصوص وإن لم تكن خاصّة بمن استقرّ عليه الحجّ ولكنّها شاملة له بالإطلاق.

    ويردّه: أنّ محلّ الكلام استقرار الحجّ على المكلّف بتركه الحجّ أوّل عام الاستطاعة بحيث يجب عليه مباشرة الحجّ بعد ذلك ولو مع ذهاب الاستطاعة فيحجّ متسكّعاً، وأين هذا من وجوب النيابة عنه بعد موته من ماله، وأيّ بُعد في عدم وجوب مباشرة الحجّ على الشخص مع وجوب النيابة عنه كما أسمعناك نظيره في المريض والمسنّ العاجزين عن مباشرة الحجّ، حيث يجب عليهما الاستنابة في حال حياتهما من دون وجوب المباشرة عليهما.

    ونظير ذلك: من استقرّ عليه الحجّ ولكنّه عجز عن مباشرته أو منعه مانع آخر كعدوّ فإنّه لا يجب عليه مباشرة الحجّ، وإنّما تجب عليه الاستنابة مع التمكّن منها.

    اختصاص النيابة الواجبة بالميت المستقرّ عليه الحج

    ويمكن تقرير اختصاص هذه النصوص بمَن استقرّ عليه الحجّ بوجوه:

    الوجه الأوّل: ربّما يكون الذي حمل الأصحاب على حمل هذه النصوص على من استقرّ عليه الحجّ وسبقت استطاعته ولم يحجّ بعد التمكّن هو التعبير


    (1) المصدر السابق: الباب 26، الحديث 2.


    ( صفحه 53 )

    في بعض النصوص بأنّ الحجّ الذي تلبّس به الحاجّ ومات في أثنائه إن كان حجّة الإسلام يقضى عنه، وهذا فرع وجوب حجّة الإسلام واستقرارها على المكلّف، وإلاّ فلا يكون ما تلبّس به حجّة الإسلام بمجرّد زعمه التمكّن من فعلها وكونها حجّة الإسلام.

    وذلك كما في صحيح زرارة المشار إليه آنفاً عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا اُحصر الرجل بعث بهديه ـ إلى أن قال: ـ قلت: فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة؟ قال: «يحجّ عنه إن كان حجّة الإسلام ويعتمر; إنّما هو شيء عليه»(1).

    وفي صحيح ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في رجل خرج حاجّاً حجّة الإسلام فمات في الطريق، فقال: «إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام، وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجّة الإسلام»(2).

    وفيه:

    أوّلاً: أنّ الظاهر منه ومن نحوه هو فرض كون التلبّس بالحجّ بعنوان حجّة الإسلام أو ما هو في مقابل الحجّ التطوّعي، كما ينادي بذلك صحيح بريد المتقدّم.

    لا أقول: إنّ عنوان حجّة الإسلام أمر قصدي كما لعلّه المعروف، بل مقصودي أنّ المراد في مثل هذا النصّ هو الحجّ الذي لو أكمله المتلبّس به كان حجّة الإسلام.


    (1) المصدر السابق: الحديث 3.

    (2) المصدر السابق: الحديث 1.


    ( صفحه 54 )

    وثانياً: أنّه يكفي لإطلاق الحكم وثبوت وجوب الاستنابة مطلقاً ـ ولو لمن لم يستقرّ عليه الحجّ ـ سائر النصوص.

    الوجه الثاني: ربّما نشأ حمل الأصحاب هذه النصوص على من استقرّ الحجّ عليه من ظهور هذه الروايات في كون النائب يحجّ عن الميّت حجّة الإسلام، وحجّة الإسلام إنّما تجب بشروط منها الاستطاعة التي من جملتها وفاء الزمان بفعل الحجّ; فمن مات قبل ذلك لم يكن مستطيعاً من حيث الزمان وإن استطاع من حيث المال فلا مناص من فرض استقرار حجّة الإسلام على الميّت ليكون النائب نائباً عنه فيما وجب عليه. ولا أقلّ من أن يكون ذلك سبباً لإجمال النصوص وعدم صحّة الاستدلال بها على وجوب الاستنابة في غير فرض استقرار الحجّ على المنوب.

    ويردّه:

    أوّلاً: أنّه لا ظهور في هذه النصوص في كون فعل النائب هو حجّة الإسلام; فإنّ نهاية ما في هذه النصوص أنّ من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام يحجّ عنه، وأمّا أنّ الحجّ عنه يكون حجّة الإسلام أو غيرها فلا دلالة لها على ذلك.

    نعم، لا يتمّ هذا الإيراد على الاستدلال بصحيح ضريس المتقدّم فإنّه صرّح فيه بأنّ حجّة النائب للإسلام. وكذا الكلام في صحيح بريد، ويكفي للاستدلال على الوجوب بدون الاستقرار سائر النصوص.

    وثانياً: لو سلَّم هذا الظهور بدعوى أنّ ظاهر النيابة عمّن لم يحجّ حجّة الإسلام هو النيابة عنه فيما لم يفعله، ولكنّه لا يستدعي ذلك استقرار الحجّ


    ( صفحه 55 )

    في حال الحياة; فكما أنّ المريض ومَن كبر سنّه وعجز عن مباشرة الحجّ يعدّ النيابة عنه نيابة في حجّة الإسلام قطعاً أو احتمالاً، فلتكن النيابة في فرض الموت مثل ذلك; فتكون حجّة الإسلام هي الحجّة الواجبة أصالةً أو نيابةً بعد الاستقرار وبدونه.

    الوجه الثالث: ربّما كان المنشأ لحمل هذه النصوص على من استقرّ عليه الحجّ هو التعبير في بعضها بأنّ الرجل إذا مات ولم يحجّ حجّة الإسلام يقضى عنه، كما في صحيحي رفاعة المشار إليهما.

    فإنّ ظاهره أنّ حجّة الإسلام فاتته، وإلاّ لم يصحّ التعبير بالقضاء. ولا يصدق الفوات فيمن لم يستقرّ عليه الحجّ; وقد عثرت بعد هذا الاحتمال في وجه الاستدلال على كلام في العروة محتمل له كما ذكرناه(1).

    ويرد عليه:

    أوّلاً: أنّه يكفي لوجوب الحجّ عمّن لم يستقرّ عليه سائر النصوص ممّا لم يتضمّن مثل هذا التعبير.

    وثانياً: يحتمل أن يكون القضاء بمعنى الفعل الذي هو أعمّ من الفعل بعد فوات الوقت، لا بمعنى القضاء الاصطلاحي.

    الوجه الرابع: أنّه قد عبّر في بعض النصوص عن الحجّ عن الميّت أنّه بمنزلة الدَّين، وهذا فرع استقراره على الميّت سابقاً، كما أنّ الأمر بإخراجه من أصل التركة يؤكّد ذلك.


    (1) العروة الوثقى: المسألة 73.


    ( صفحه 56 )

    ففي صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل توفّي وأوصى أن يحجّ عنه؟ قال: «إن كان صرورة فمن جميع المال، إنّه بمنزلة الدَّين الواجب. وإن كان قد حجّ فمن ثلثه; ومَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يترك إلاّ قدر نفقة الحمولة وله ورثة فهم أحقّ بما ترك; فإن شاؤوا أكلوا وإن شاؤوا حجّوا عنه»(1).

    وفي رواية الصدوق بإسناده عن حارث بيّاع الأنماط أنّه سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن رجل أوصى بحجّة؟ فقال: «إن كان صرورة فهي من صلب ماله إنّما هي دَين عليه; وإن كان قد حجّ فهي من الثلث»(2).

    ويرد عليه: أنّ تنزيل هذا الحجّ منزلة الدَّين واعتباره ديناً لا يلازم كونه حجّة مستقرّة قبل ذلك; إذ يمكن أن تكون حجّة الإسلام والاستنابة فيها ـ دون المباشرة لها ـ وظيفة من لم يكن مستطيعاً لها في حياته، كما في المريض والعاجز عن المباشرة لها.

    نعم، مقتضى صحيح ابن عمّار اشتراط وجوب الاستنابة بكون التركة أزيد من مؤونة الحجّ، وبه يخصّ إطلاق سائر النصوص; مع أنّ بعضها لا إطلاق فيه كما في الذي عبّر فيه عن الميّت بالموسر.

    ونحو صحيح ابن عمّار المتقدّم معتبرة هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يترك إلاّ قدر نفقة الحجّ


    (1) الوسائل 8 : 46، الباب 25 من وجوب الحجّ، الحديث 4.

    (2) المصدر السابق: الحديث 5.


    ( صفحه 57 )

    وله ورثة؟ قال: «هم أحقّ بميراثه إن شاؤوا أكلوا، وإن شاءوا حجّوا عنه»(1).

    الوجه الخامس: ما يظهر من المستمسك حيث ذكر أنّ الاطلاق في هذه النصوص ليس مسوقاً لبيان مَن تجب عليه الاستنابة، وإنّما هي بصدد إجزاء النيابة عن الواجب; فلا تدلّ على وجوب الاستنابة عمّن لم يستقرّ عليه الحجّ(2).

    وفيه: أنّ الأصل في الإطلاق كونه في مقام البيان ما لم يحرز الخلاف، بل مدّعي الجزم بكون إطلاق هذه النصوص ـ خصوصاً بعضها ـ في مقام البيان غير مجازف. مع أنّه لم يظهر فرق بين هذه المطلقات وغيرها في دعوى عدم كونها في مقام البيان.

    الوجه السادس: ربّما يخصّ إطلاق النصوص المتقدّمة ـ كما في الجواهر(3)والحدائق ـ بخصوص من استقرّ عليه الحجّ، وذلك بقرينة موثّق أبي بصير قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان فماتت في شوّال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: «هل برئت من مرضها؟» قلت: لا; ماتت فيه. قال: «لا يُقضى عنها; فإنّ الله لم يجعله عليها». قلت: فإنّي أشتهي أن أقضي عنها، وقد أوصتني بذلك!

    قال: «كيف تقضي شيئاً لم يجعله الله عليها»(4).


    (1) الفقيه، كتاب الحجّ، باب ما يقضى عن الميّت من حجّة الإسلام; روضة المتّقين 5: 52.

    (2) المستمسك 10: 212.

    (3) الجواهر 17: 299، الحجّ.

    (4) الوسائل 7: الباب 23 من أحكام شهر رمضان، الحديث 12.


    ( صفحه 58 )

    ومورد الخبر وإن كان هو الصوم، ولكنّه مشتمل على ما هو كالتعليل.

    ويردّه:

    أوّلاً: أنّ الاستدلال به مبنيّ على كون مرجع الضمير في يجعله في المورد الأوّل فعل الصوم على المرأة مباشرةً وفي المورد الثاني مطلق الفعل عليها مباشرةً صوماً أو غيره.

    ولكن يحتمل أن يكون المرجع في الضمير فعل الصوم وغيره على المرأة ولكن أعمّ من المباشرة والاستنابة، فيكون المعنى أنّه لا يقضى ولا يؤتى بالصوم عن المرأة، لأنّ الله لم يجعل على المرأة وظيفة مباشرة ولا غيرها بلحاظ الصوم الفائت، وكيف يقضى ويفعل عن المرأة شيء لم يجعل ذاك القضاء والفعل عليها. فيدلّ التعليل على أنّه إذا لم يُشرّع النيابة في فعل فلا تجوز النيابة فيه; وهذا من قبيل القضيّة الضروريّة ولا تدلّ على صغرى المسألة التي هي محلّ البحث في الحجّ.

    وثانياً: لو سلّم دلالة التعليل فهي بالعموم القابل للتخصيص، فيكون ما دلّ على الأمر بالنيابة في الحجّ مخصّصاً له. إلاّ أن يقال: إنّ النسبة بين الطائفتين هي العموم من وجه فيستحكم التعارض.

    الوجه السابع: ما أشرنا إليه من دعوى ظهور وجوب الاستنابة في أنّ النائب يأتي بما هو وظيفة المنوب ولكنّه سقط عنه التكليف بالمباشرة بسبب الموت.

    وإن شئت قلت: إنّ المتفاهم عرفاً من وجوب النيابة هو أنّ النائب يأتي بما هو وظيفة المنوب، فوجوب النيابة وإن لم يستلزم عقلاً وجوب الفعل


    ( صفحه 59 )

    على المنوب سابقاً ولكنّه يستلزمه عرفاً ما لم تقم قرينة على الخلاف كما في المريض.

    وربّما كان هذا الوجه هو مقصود صاحب الجواهر حيث ذكر أنّ الأمر بالنيابة منشأ حمل إطلاق النصّ على من استقرّ الحجّ عليه إن لم يكن مقصوده حمل النصّ على ذلك بلحاظ الفتوى لا بسبب الظهور.

    ولكن هذه الدعوى غير واضحة بعدما كانت النيابة متصوّرة شرعاً وعرفاً عمّن لا يجب الفعل عليه مباشرة.

    فقد تحصّل إطلاق النصوص المتقدّمة أو بعضها ـ على الأقلّ ـ لوجوب النيابة عمّن لم يحجّ حجّة الإسلام ولم يستقرّ عليه إذا مات وترك مالاً زائداً عن نفقة الحجّ.

    وجوب الحجّ عن الميّت غير المستطيع في حياته

    نعم، يبقى على هذا أنّه خلاف المفتى به، ولا أقل من كونه خلاف المعروف. ولو كان الحجّ عن مثل الميّت المتقدّم واجباً قلّما يتّفق شخص لا يجب الحجّ عنه; لأنّ تركة الناس عادة تفي بحجّة، فلو كان هذا الحكم إلزاميّاً مع عموم البلوى به لاشتهر وبانَ ولم يقع فيه الخلاف كما في الفرائض اليوميّة أو صيام شهر رمضان.

    وليس هذا استدلالاً بالإجماع من الفقهاء، بل استدلال بارتكاز عدم الوجوب عند المتشرّعة في مسألة لو كان الحكم غير ذلك لكانت طبيعة


    ( صفحه 60 )

    الحال تقتضي اشتهار الحكم عند عامّة الناس; لعموم ابتلائهم به نظير ابتلائهم بالفرائض اليوميّة وعددها.

    وهذا دليل شريف يمكن الاستناد إليه في جملة من الأحكام التي تضمّنت بعض النصوص الصحيحة صريحاً خلاف ما هو المعهود والمركوز عند الناس كبلوغ البنت في تسع سنين. فضلاً عمّا إذا كان النصّ الصحيح يقتضي خلاف المركوز بإطلاقه وعمومه، كمسألة عدم جواز قضاء المرأة ولا تقليدها. ومسألة وجوب الاستنابة في الحجّ عن كلّ أحد بعد موته ـ إذا ترك ما يفي بالحجّ ـ من هذا القبيل; فإنّها ممّا يعمّ به الابتلاء، بل الابتلاء به أوسع بكثير من الابتلاء بوجوب الحجّ على المستطيع من الأحياء; لكون الاستطاعة في الحياة مشروطة بمال أكثر وأكثر من الاستطاعة بعد الموت; حيث إنّ الاستطاعة للحيّ مشروطة بالمسكن ووسائل التعيّش في الحضر وغيرهما في الجملة. ومن الواضح أنّه كلّما زادت نفقة الحجّ كان المستطيع للحج أقلّ; فكان ينبغي وضوح وجوب الحجّ بعد الموت أكثر من وضوحه من وجوبه على الحيّ المستطيع.

    وعلى هذا فيكون الحكم بوجوب الاستنابة في الحجّ بعد الموت على من لم يستقرّ عليه الحجّ في حال حياته مبنيّاً على الاحتياط، ولا يمكن الإفتاء بذلك وإن لم تكن النصوص الوافرة قاصرة الدلالة على ذلك; وذلك لما عرفت من ارتكاز خلاف ذلك عند المتشرّعة. كما أنّه يحتمل أن يكون المراد بها الاستحباب على الورثة والأولياء وحمل الأمر على الاستحباب بعد الارتكاز المتقدّم ليس أمراً غريباً.


    ( صفحه 61 )

    ولا يحتمل نشوء هذا الارتكاز من فتاوى الأصحاب المتأخّرين بحيث يكون حادثاً في الأعصار المتأخّرة.

    ولئن فرض نشوء هذا الارتكاز من فتاوى الأصحاب المعاصرين للمعصومين كما يحتمل كون فتوى الأصحاب باختصاص النصوص الآنفة بمن استقرّ الحجّ عليه ناشئاً من بعض الوجوه التي أشرنا إليها مع ردّها لكفى في اعتبار ذلك عدم ردع الأئمّة (عليهم السلام) عن ذلك، فإنّه لولا رضا المعصوم بذلك لنبّه الاُمّة خواصّهم وعوامّهم على خطأهم في هذا الحكم. وبما ذكرنا يتّضح إمكان الاستناد إلى الإجماعات المدركيّة فضلاً عن غيرها أحياناً، ولكنّه ليس بملاك الإجماع، بل بملاك السيرة، فيشترط في اعتباره تحقّق شروط السيرة، وتقريرها.

    وينبغي على أساس هذا الارتكاز تعديل الفتاوى والأنظار للنكتة التي نبهنا عليها.

    ومن جملة نظائر المسألة ممّا يكون الارتكاز منشأ لتعديل النظر هو مسألة حرمة سماع صوت الأجنبية أو حرمة إسماعها الأجنبي ـ لو فرض دلالة بعض النصوص ـ عليه، والظاهر أنّه مشهور بين الأصحاب سيّما المتأخّرين حتّى أنّهم منعوا من رفع المرأة صوتها في الصلوات الجهريّة إذا كان يسمعها الأجنبي، ومع ذلك فإنّ ارتكاز المتشرّعة بخلاف ذلك.

    والمراد بالمتشرّعة هو من يعتني بأحكام الشرع ويراعيها، لا من لا يبالي بالأحكام والشريعة، فلا تغفل.

    فلو فرض وفاء النصوص الصحيحة بالدلالة على حرمة سماع الأجنبي


    ( صفحه 62 )

    لم يمكن الالتزام بها. بل كلّما ازداد النصّ صحّةً وعدداً لازداد وهناً وضعفاً; ولعمري إنّ هذا المقال ـ أعني ازدياد الحكم والخبر ضعفاً ووهناً بازدياد الصحّة والعدد ـ في مورد مخالفة الارتكاز سيّما في الأحكام التي يعمّ الابتلاء بها ـ في محلّه، ولو لم يتمّ في مورد إعراض المشهور عن الخبر الصحيح.

    الأمر الثالث: ويمكن الاستدلال لاستقرار الحجّ بعد حدوث الاستطاعة وإن زالت بقوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (1). بتقريب أنّ موضوع وجوب الحجّ هو حدوث الاستطاعة الذي
    يكفي له التمكّن من فعل الحجّ مع الشرائط في برهة من الزمان وإن لم يستمرّ; فإنّه فرق بين أن يُقال الحجّ واجب على المستطيع; حيث إنّ الحكم حدوثاً وبقاءً يدور مدارحدوث الاستطاعة وبقائها; وبين أن يُقال: الحجّ واجب على مَن استطاع، فإنّ الحكم حدوثاً وبقاءاً يدور مدار حدوث الاستطاعة وإن لم تبق.

    وما في ذيل الآية السابقة من التهويل بترك الحجّ ـ وهو قوله ( وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَــلَمِينَ ) (2) ـ لاينافي استقرار الوجوب بعد زوال الاستطاعة(3).


    (1) آل عمران: 97.

    (2) آل عمران: 97.

    (3) أقول: الضابط في موضوعات الأحكام

    إنّ الأحكام دائرة مدار موضوعاتها بلا ريب، فإذا قيل المسافر يقصّر فإنّه لا يكفي للتقصير حدوث السفر، بل المناط في التقصير كون المكلّف حال فعل الصلاة مسافراً ولايجوز له التقصير في الحضر إذا سبق منه السفر في أوّل الوقت، كما أنّه لا يجب عليه التحفّظ على بقاء الموضوع. ولكن الشأن في تحديد الموضوع وتعيينه; فقد يكون الموضوع هو تحقّق الحالة واستمرارها; وقد يكون الموضوع هو مجرّد حدوث الحالة;

    مثلاً من المحرّمات اُمّ مَن تزوّج بها; ولا يشترط في صدق هذا الموضوع بقاء الزوجية; فاُمّ المطلّقة مصداق لهذا الموضوع; فإنّ المحرّم ليس هو خصوص عنوان (اُمّ الزوجة) ليقال إنّ هذا العنوان يزول بزوال الزوجيّة; بناءً على أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس; وعنوان (اُمّ مَن تزوّج) بها صادق بعد الطلاق وزوال الزوجيّة حتّى بناءً على اختصاص المشتقّ بالمتلبّس.

    ولكن عنوان (المسكر حرام) يكون الحكم بقاءً وحدوثاً دائراً مدار تحقّق المسكر واستمراره، بمعنى حدوث التحريم بحدوث العنوان، وإناطة بقاء الحرمة ببقاء الإسكار، فيزول التحريم بزوال الإسكار وتحوّله إلى الخلّ.

    إذن ربّما يكون حدوث الحكم دائراً مدار حدوث العنوان وبقائه، فلا يكفي في ترتّب الحكم مجرّد حدوث العنوان ما لم يستمرّ; كما في بطلان الصوم بالسفر قبل الزوال فإنّه دائر مدار حدوث السفر وبقائه إلى الزوال، فلو رجع المسافر قبل الزوال لم يحكم ببطلان صومه.

    نعم، الحكم بجواز الإفطار يكفي فيه حدوث السفر ولو لم يستمرّ إلى الزوال ولا يدور جواز الإفطار في السفر مدار استمراره إلى الزوال.

    ثمّ إنّ من آثار اختلاف الموضوع للأحكام هو وجوب التحفّظ على القدرة على الامتثال وعدمه; فإن كان الموضوع هو حدوث العنوان فلا يجوز تعجيز النفس عن الامتثال، بخلاف ما إذا كان الموضوع للتكليف هو حدوث العنوان وبقائه فلا بأس بتعجيز النفس عن الامتثال بالخروج عن الموضوع.

    والسرّ في ذلك: أنّ التحفّظ على موضوع الأحكام ليس واجباً على القاعدة; حيث إنّ أدلّة الأحكام لا تتضمّن سوى الحكم على تقدير الموضوع; فكما لا يجب إيجاد الموضوع وربّما لا يجوز; وإن كان ترتّب الحكم على تقديره قطعيّاً; فكذلك لا يجب التحفّظ على بقاء الموضوع وربّما يحرم وإن كان ترتّب الحكم على تقدير البقاء قطعيّاً.

    فإيجاد موضوع الحدود لا يجب بل لا يجوز وإن كان على تقدير تحقّقها يترتّب وجوب إقامة الحدّ.

    والإبقاء على السكر والحيض لا يجب بل ربّما يحرم وإن كان سقوط الصلاة أو غيرها على تقدير بقاء الموضوع قطعيّاً.

    فالموضوع للتكليف إذا كان ممّا لا يقبل الزوال لكون حدوثه كافياً في استمرار الحكم فلا يجوز تعجيز النفس عن الامتثال; لأنّه تفويت للغرض مع وجود موضوعه.

    وأمّا إذا كان قابلاً للزوال فلا بأس بإزالته; لعدم استلزامه تفويت الغرض; حيث إنّ الغرض قائم بالتكليف على تقدير الموضوع، فإذا ارتفع الموضوع ارتفع الغرض; فلا غرض ليكون تفويته ممنوعاً عقلاً، بل عدم استيفاء الغرض سالبة بانتفاء الموضوع.

    فلو تحيّضت المرأة اختياراً قبل دخول وقت الصلاة لم يكن بذلك بأس، وكذا لو سافر المكلّف اختياراً في شهر رمضان لإسقاط الصوم بل وفي سائر الأيّام حيث يستلزم السفر سقوط الإتمام في الصلاة عن المكلّف، بل ولا بأس بالسفر بعد دخول الوقت وإن استلزم التعجيز عن الإتمام.

    وبالجملة: لا مناص للفقيه من ملاحظة الأدلّة لتشخيص ما هو الموضوع للحكم ليرتّب على ذلك الحكم وما أوعزنا إليه من الأثر; أعني عدم وجوب التحفّظ عليه وجواز الخروج عنه اختياراً.

    وظاهر ترتيب الحكم على من اُسند الشيء إليه بفعل ماض هو كفاية تلبّسه بذلك الفعل في زمان وإن لم يستمرّ تلبّسه به كما في (سافر) ونحوه.

    كما أنّ ظاهر ترتيب الحكم على من اُسند الشيء إليه بفعل مضارع هو كفاية تلبّسه بذاك الشيء في المستقبل لترتّب الحكم عليه قبله.

    وظاهر ترتيب الحكم على الموصوف بعنوان المشتقّ كاسم الفاعل والمفعول هو اعتبار تلبّسه واستمرار تلبّسه في ترتّب الحكم حدوثاً وفي استمرار الحكم، فإذا قيل: المسافر يقصّر، يكون التقصير مترتّباً على المسافر حدوثاً وبقاءً، فإذا زال استمرار السفر ارتفع وجوب القصر.

    وهذا معنى ما ذكرناه في مستهلّ البحث من أنّه فرق بين أن يُقال: المستطيع يجب عليه الحجّ وبين أن يُقال: مَن استطاع يجب عليه الحجّ بلا فرق بين أداء القضيّة بجملة شرطيّة أو حمليّة.

    والعبرة في الفعل والمشتقّ بما يكون دخيلاً في الموضوع كالسفر والاستطاعة، لا بالكون المذكور في القضية في مثل «إذا كان مسافراً أو مستطيعاً»; فإنّ مثل هذه القضية بحكم ما ذكرنا من كون العنوان هو المشتقّ لا الفعل.

    نعم، ربّما تكون مناسبات الحكم والموضوع موجبة لتحديد الموضوع على غير ما قرّرناه على أساس ظهور الجمل، فتقتضي كون الموضوع عنواناً يشترط استمراره في ترتّب الحكم وإن كان مدلولاً عليه بجملة فعليّة ماضويّة.

    كما أنّها قد تقتضي تعيين العنوان فيما لا يشترط استمراره وإن كان مدلولاً عليه بالمشتقّ كاسم الفاعل.

    كما أنّ كون بعض الحوادث ممّا لا تقبل الاستمرار تجعل المشتقّات المصنوعة منها بحكم الأفعال كما في «قاتل» و «ضارب»، فيكون الموضوع ـ من حدث منه القتل والضرب، لا أنّ موضوع الحكم هو الشخص حال اشتغاله بالقتل والضرب، مثال الثاني قوله تعالى: ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل ) فإنّه وإن كان العنوان مشتقّاً أُصوليّاً ولكن مناسبات الحكم تقتضي كون الموضوع من حدث منه الإحسان فلا سبيل عليه فعلاً بالنسبة إلى إحسانه السابق، ولا يشترط كونه بالفعل أيضاً محسناً.

    ومثال الأوّل: إذا بلغ الماء أو اكتمل قدر كرّ لا ينجّسه شيء; فإنّه لا يكفي في عدم انفعال الماء كونه كرّاً سابقاً، بخلاف قولنا: إذا تغيّر الماء بالنجس لم يطهّره شيئاً; فإنّه يكفي في عدم مطهّريته كونه متغيّراً سابقاً وإن زال تغيّره فعلاً.

    • تعداد رکورد ها : 29
    پورتالستاد بزرگداشت شهداي گمنامباشگاه خبرنگاران جوانصفحه شخصي حميدرضا غريب رضاشهداي روحانيرهبريانديشه جاويدمرکز فقهي ائمه اطهار (ع)نکونامپايگاه اطلاع رساني استاد حسين انصاريانصفحه شخصي دکتر عصام العمادمرکز خدمات حوزه هاي علميهموسسه گفتگوي دينيحضرت آيت الله گيلانيدفتر حضرت آيت الله العظمي حاج سيد محمد حسيني شاهرودي حضرت آيت الله حاج شيخ مجتبي تهرانينور معرفتاستاد علوي سرشکي صحيفه سجاديهنمايشگاه قرآن کريم قمحوزه علميه آل البيتآدينه فومنهدايتپايگاه اطلاع رساني حاج آقا صديقيانجمن هاي اسلامي دانش آموزانراه و رسم طلبگيمنارهپايگاه اطلاع رساني فرهنگ و ارتباطات ديني