مرکز فقهي ائمه اطهار (ع)
ArticleID PicAddress Subject Date
{ArticleID}
{Header}
{Subject}

{Comment}

 {StringDate}
 
  • عنوان :  
  • المبسوط في فقه المسائل المعاصرة: كتاب الحج  
  • نویسنده :  
  • محمّد بن محمّد الحسين القائني; اعداد مركز فقه الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)  
  • تعداد بازدید :  
  • 13853  
  •  فهرست کتاب

  • ( صفحه 84 )

    بذاك السعر; والمفروض ملك المكلّف لنفقته ولقيمة حجّه في هذه السنة.

    كما ظهر الفرق بين المسألة هذه وبين مسألة عدم إمكان الحجّ إلاّ بالزائد عن القيمة العرفيّة; لانحصار الوجه الممكن بمن لا يوافق إلاّ على الزيادة إجحافاً، فلا يعدّ ما اقترحه من الاُجرة قيمة عرفية فعلاً.

    وجوب الحج مع التمكن من طريق لا يعدّ طريقاً للحجّ

    ثمّ إنّ عدم وجوب الحجّ مع انسداد الطريق العرفي إلى الحجّ وإمكان الحجّ بالدوران في البلاد يتوقّف على إثبات مجموع أمرين:

    أحدهما: أن يكون تخلية السرب بمعنى سرب مكّة لينصرف إلى ما يعدّ في العرف سرباً وطريقاً إلى مكّة، وأمّا إذا كان بمعنى سرب الحاج إلى مكّة فيعمّ كلّ طريق يؤدّي بالشخص إلى المشاعر وإن لم يعدّ في العرف طريقاً إلى المشاعر.

    ثانيهما: أن يكون تفسير الاستطاعة بخلوّ السرب من التفسير تعبّداً بتقييد الاستطاعة العرفية بخصوص قسم من الاستطاعة، وأمّا إذا كان من قبيل بيان المصداق ـ لا التحديد بمعنى الحصر ـ فلا يفيد حصر وجوب الحجّ في مورده. وهكذا الكلام بالنسبة إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة وصحّة البدن; فإنّه لو كان تقييداً في دليل الاستطاعة لبيان عدم وجوب الحجّ ماشياً وإن لم يكن حرجيّاً من جهة قرب المكلّف إلى المشاعر أو غير ذلك أفاد نفي الوجوب في غير مورده.


    ( صفحه 85 )

    وأمّا إذا كان بياناً للمصداق المتعارف حيث إنّ الحجّ مشياً فيه مشقّة عرفاً للمتعارف بحيث لا يعدّون القادر عليه متمكِّناً ومستطيعاً للسفر في غير الحجّ لم ينافِ وجوب الحجّ في غير موردها ممّا يقتضيه إطلاق الآية وعمومها.

    ويؤكّد الثاني ما تضمّن وجوب الحجّ ماشياً لمن أطاقه; بل لو تمكّن من مشي بعضه وركوب بعض الطريق لزمه. وقد علّل بأنّ أكثر من حجّ مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) كانوا مشاة كما في صحيح معاوية بن عمّار، وقد أفتى بمضمونه في الوسائل وقال بعد ذكر الخبر وغيره: وقد حمل الشيخ الحديثين على الاستحباب المؤكّد وهو خلاف الظاهر والاحتياط; مع صدق الاستطاعة وعدم المعارض الصريح; واحتمال ما تضمّن اشتراط الزاد والراحلة لأن يكون مخصوصاً بمن يتوقّف استطاعته عليهما كما هو الغالب(1).

    ويؤيّده ما في بعض النصوص من استغراب وجوب الحجّ بمجرّد الزاد والراحلة إذا لم يرجع إلى كفاية ولم يكن عنده نفقة أهله في غيبته.

    وكيف كان فإذا كانت النصوص بصدد التحديد لا بيان المصداق وكان خلوّ السرب بمعنى سرب مكّة لا سرب المكلّف إلى مكّة لم يجب الحجّ في الفرض; وإذا لم يتمّ واحد من الأمرين وجب.

    ولو فرض إجمال نصوص تفسير الاستطاعة كان المتّبع ظهور الآية وأنّ العبرة بالاستطاعة العرفيّة. هذا ما تقتضيه الآية.


    (1) الوسائل 8 : 29، الباب 11 من وجوب الحجّ.


    ( صفحه 86 )

    ولكن مقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوب الحجّ في الفرض; وذلك لأنّ طبيعي الحجّ لا يستدعي هذا المقدار من الضرر المالي، وإنّما طرء ذلك بسبب خاصّ في حقّ هذا المكلّف في هذه السنة.

    ومجرّد كون أصل الحجّ ضررياً لا يوجب تحكيم الضرر على المكلّف مطلقاً، كما ذكر نظيره في انحصار الأضحية عند من لا يبيعه إلاّ بزيادة من الثمن الفعلي، هذا.

    ولكن لازم ذلك عدم وجوب الحجّ على المكلّف من الطريق الأبعد، حيث كان في الأقرب مانع، إذا كان الأبعد يكلّفه مؤونة زائدة كما هو الغالب; وظاهر المعروف ومنهم السيّد اليزدي في العروة وسيّدنا الاُستاذ خلافه حيث صرّحوا بوجوب الحجّ من الأبعد.

    التفاوت في مقدار نفقة الحجّ

    ثمّ إنّه بناءً على ما قرّرناه ـ من وجوب الحجّ على كلّ مكلّف مستطيع ما لم يكن مستلزماً لضرر زائد على ما يقتضيه طبع الحجّ ـ ينبغي ملاحظة الحجّ الذي ينسب حجّ المكلّف إليه، وبلحاظه يعتبر الحجّ ضرريّاً وعدمه; فإنّه لا يقاس حجّ شخص إلى حجّ غيره بلا ريب; وإلاّ كان حجّ الأبعد بالنسبة إلى حجّ الأقرب ضرريّاً بل كان حجّ من عدا القريب غير واجب لكونه ضرريّاً بالنسبة إلى حجّ القريب، وهذا ما لا يمكن الالتزام به فقهيّاً.

    ويخطر بالبال شمول آية حجّ المستطيع لكلّ الأصناف التي يقسم العرف


    ( صفحه 87 )

    الناس إليها. ويقابله الانقسامات غير المعروفة وإن صحّت عقلاً. مثلاً تقسيم العرف الناس إلى البعيد وإلى القريب وتقسيم البعيد إلى المراتب المختلفة وتقسيم الناس إلى الملك والرعيّة وتقسيم الرعيّة إلى من لهم شؤون مختلفة بها تختلف مؤوناتهم ونفقاتهم وعلى أساسها يختلف مقدار مؤونة استطاعتهم لعمل أو فعل من الأفعال.

    ففي تمام هذه الانقسامات يجب الحجّ على كلّ الأقسام والأصناف ويلاحظ حجّ كلّ صنف من الأصناف مع ما يقتضيه طبع الحجّ من ذلك الصنف. ولا يلاحظ مثلاً حجّ القروي مع البلدي ولا الأقرب مع الأبعد ولا الرعيّة مع الملوك. بل ولا ملك عالي مع ملك أدنى منه ولا حجّ الصحيح مع حجّ المريض الذي لا يمنعه مرضه من الحجّ ولكن يكلّفه مؤونة زائدة على ما يستدعيه حجّ الصحيح وهكذا وإليك.

    وعلى هذا الأساس لمّا لم يكن من الانقسامات العرفية للناس هو تقسيمهم إلى من يتمكّن من الحجّ باُجرة المثل ومن لا يتمكّن إلاّ بزيادة عنها إجحافاً، لم يكن الحجّ مع عدم التمكّن إلاّ بالزيادة عن اُجرة المثل سيما المجحفة واجباً وإن كان المكلّف متمكِّناً من ذلك.

    وعلى هذا الأساس لمّا لم يكن من الانقسامات أيضاً من لا يتمكّن من الحجّ إلاّ بالدوران في البلاد ومن يتمكّن من الحجّ بالطريق المعتاد والمتعارف لم يجب الحجّ في الفرض الأوّل ـ لا لكون شرط الوجوب تخلية السرب وسرب مكّة غير مخلّى في هذا الفرض كما ذكره النراقي وغيره لإمكان منع كون الشرط خلوّ سرب مكّة بل كون الشرط خلوّ سرب


    ( صفحه 88 )

    المكلّف إلى مكّة كما أشرنا إليه ـ بل لكون الحجّ في هذا الفرض ضرريّاً زائداً على ما يقتضيه طبع الحجّ للصنف الذي يكون المكلّف منه; ولا يعدّ التمكّن من الحجّ الدوراني وما يقابله من الأصناف ليكون كلّ منهما ميزاناً لتعيين نفقة الحجّ.

    الدوران بين تخصيص دليل نفي الضرر وبين حكومته على دليل

    والتحقيق أنّه كلّما دار الأمر بين تخصيص دليل لا ضرر وبين حكومة لا ضرر على دليل كان الثاني هو المتعيّن من دون ملاحظة النسبة بين الدليلين من كونها عموماً مطلقاً أو من وجه; وذلك لتقدّم الحاكم على غيره مطلقاً ما لم يستلزم إلغاء المحكوم، فيقدّم الدليل الآخر ويخصّ به دليل لا ضرر.

    وبالجملة: إذا كان ثبوت المدلول على أساس العموم والإطلاق يكون منفيّاً بدليل لا ضرر; وإنّما يتقدّم المدلول على دليل لا ضرر إذا كان المدلول ثابتاً بنصّ لا يقبل التخصيص والتقييد.

    وعليه فمهما كان ثبوت وجوب الحجّ على مكلّف على أساس الإطلاق أو العموم كان مقتضى حكومة لا ضرر ـ وكذا لا حرج ـ نفي الوجوب إذا كان الحجّ مستلزماً لضرر أو لحرج لا يستدعيهما ذات الحجّ وأصله; وإنّما يجب الحجّ المستلزم للضرر والحرج الزائدين عمّا يستدعيهما أصل الحجّ إذا ثبت وجوبه بخصوص دليل بحيث لا يحتمل اختصاص الوجوب بغيره من المكلّفين.

    وعليه لمّا لم يحتمل اختصاص وجوب الحجّ بخصوص حاضري المسجد


    ( صفحه 89 )

    الحرام كان الوجوب ثابتاً على النائي عن المسجد وإن كانت مؤونته زائدة عمّا يقتضيه حجّ المكّي. ثمّ لمّا لم يكن هناك معيّن لمرتبة من مراتب البُعد عن المسجد كان الوجوب ثابتاً لتمام مراتب البُعد عن مكّة وإن كانت مراتب الضرر فيها مختلفة.

    ولا يحتمل اختصاص وجوب الحجّ ببعض مراتب البُعد، فلا يكون وجوب الحجّ على البعيد ثابتاً بالإطلاق المحتمل للتخصيص; كما أنّ ثبوت الوجوب على بقيّة الأصناف ـ التي أشرنا إليهم من ملك وغيره وشريف ووضيع ـ قطعي; لعدم احتمال اختصاص وجوب الحجّ بخصوص غير الملوك أو غير الشرفاء، ومعه فلا يلحظ في الضرر المسقط لوجوب الحجّ حجّ الرعيّة أو الوضيع ليكون حجّ الملوك والشرفاء بالنسبة إلى حجّ غيرهم ضرريّاً.

    ولازم هذا الضابط الذي ذكرناه ـ من كون العبرة بتخصيص (لا ضرر) هو القطع به هو ـ أنّه كلّما احتمل اختصاص وجوب الحجّ بما عدا صنف وكان حجّ ذاك الصنف موجباً لضرر زائد على غيرهم لم يجب الحجّ في حقّ ذاك الصنف بدليل (لاضرر). فمثل الحجّ بالدوران في البلاد ممّا يحتمل عدم وجوبه; فحيث يستلزم مثله ضرراً زائداً على ما يقتضيه الحجّ بدون الدوران لم يجب بدليل لا ضرر.

    والفرق بين هذا البيان وسابقه هو أنّه ربّما يورد على السابق بأنّ إثبات وجوب الحجّ على الأصناف حسب التقسيمات العرفية للناس اقتراح لا معيّن له ـ وإن كان عدم تعيّن بعض الأصناف حسب التقسيم العرفي منشأً


    ( صفحه 90 )

    للقطع بعدم اختصاص وجوب الحجّ بخصوص صنف ـ فربّما يكون هناك تقسيم عرفي ومع ذلك يحتمل عدم وجوب الحجّ على بعض الأقسام المفروضة فيه; فالمناط احتمال وجوب حجّ صنف وعدم احتماله بلا فرق بين كون تقسيم الناس حسب ذلك الصنف عرفياً وعدمه.

    وجوب تجربة القرعة مع انحصار التمكّن بها

    الفرع الثاني: إنّه هل يجب تجربة القرعة حيث ينحصر طريق الحجّ بها؟

    قد يفرض العلم بإصابة القرعة في السنة الاُولى أو لا; وقد يفرض العلم بإصابة القرعة في بعض السنين بمعنى أنّه بالقرعة يوزع الجماعة على سنين فيعلم بإمكان الحجّ في إحدى سنوات خمس مثلاً ولا تتعيّن السنة إلاّ بالقرعة. وقد يفرض عدم العلم بإصابة القرعة في شيء من السنين لا الاُولى ولا غيرها; كما لو كان بناء القرعة على إعمالها كلّ عام ولا ينحصر عدد الناس في خصوص من أجرى القرعة عليهم في السنة الاُولى. فهذه فروض ثلاثة.

    ربّما يحتمل عدم وجوب الحجّ مع إناطة الترخيص فيه من قبل الحكومات بالقرعة وإن علم إصابة القرعة; وذلك لاشتراط وجوب الحجّ بخلوّ السرب وعدم المانع; والمفروض أنّه لا يجب تحصيل الشرط; لعدم وجوب تحصيل الاستطاعة.

    بل ربّما يحتمل عدم وجوب الحجّ في هذه الأعصار نظراً إلى أنّ الحجّ


    ( صفحه 91 )

    منوط بأُمور إدارية كأخذ جواز السفر من الحكومة وأخذ الترخيص من حكومة الحجاز، ولا يرخص لأحد بالسفر بدون هذه التمهيدات، فيكون الطريق مسدوداً على المكلّف إلاّ إذا حصّل هذه المقدّمات، فيكون من تحصيل الاستطاعة; فذلك من قبيل أن يكون المانع عدوّاً لا يندفع إلاّ بالمقاتلة معه; فإنّه وإن أمكن دفعه بقتله مع الأمن على النفس والوثوق بالغلبة عليه إلاّ أنّه لا يجب ذلك; لعدم وجوب تحصيل استطاعة الطريق كعدم وجوب تحصيل استطاعة المال; وكذا الصحّة فإنّه إذا كان المكلّف مريضاً لا يمكنه الحجّ معه إلاّ أنّه يمكنه العلاج لا تجب عليه المعالجة.

    نعم عدم جواز تعطيل الكعبة ووجوب الحجّ كفاية كلّ عام شيء آخر، وليس مشروطاً بالاستطاعة; فإنّ البحث في المقام إنّما هو في الحجّ الواجب بسبب الاستطاعة لا غيره; ومن هنا يجب الحجّ على الناذر مهما كلّفه الأمر.

    وأيضاً ربّما يحتمل عدم وجوب الحجّ إذا توقّف على بذل مال خارج عن زاد الحجّ ونفقته كما إذا كانت الحكومة تطالب بضريبة; لا ما تأخذها لنفقات المكلّف; فهو كما لو توقّف دفع العدوّ من الطريق على بذل مال له.

    وجوب الحج مع العلم بالإضطرار إلى تروك الإحرام

    ثمّ إنّه لو أمكن الحجّ بدون القرعة ونحوها ولكن بلبس المخيط والتظاهر بالإحلال حال الإحرام، فالكلام تارةً في وجوب الحجّ وعدمه، واُخرى في جواز الحجّ ـ بعد عدم الوجوب ـ وعدمه; لاستلزام الحجّ ارتكاب المحرّم،


    ( صفحه 92 )

    وهو ينتهي إلى الاختيار; وثالثة في وجوب الكفّارة بلبس المخيط وعدم وجوبها; حيث ذكر الفقهاء تبعاً للنصوص أنّ من اضطرّ إلى لبس المخيط للبرد مثلاً جاز له ذلك مع وجوب التكفير، نظير وجوب التكفير في المضطرّ إلى التظليل.

    وجوب الكفّارة بالاضطرار إلى المخيط تقية

    أمّا لزوم الكفّارة فقد قيل به وإن جاز تكليفاً لبس المخيط تقيّة للضرورة. وربّما يستدلّ لذلك بوجهين:

    الوجه الأوّل: إطلاق النصوص الدالّة على وجوب الكفّارة بلبس المخيط; ففي صحيح زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «من نتف إبطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء، ومن فعله متعمّداً فعليه دم شاة»(1).

    ونحوه غيره.

    الوجه الثاني: خصوص ما تضمّن وجوب الكفّارة بلبس المخيط اضطراراً; ففي صحيح محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليهما السلام) عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال: «عليه لكلّ صنف منها فداء»(2).


    (1) الوسائل 9: 289، الباب 8 من بقيّة كفّارات الإحرام، الحديث 1.

    (2) المصدر السابق: الباب 9.


    ( صفحه 93 )

    ويرد عليه: أمّا على الوجه الأوّل فبأنّ: حديث رفع الاضطرار حاكم على إطلاق ذلك; فإنّه لا يختصّ بخصوص رفع الحكم التكليفي. بل إطلاق حديث الرفع وخصوص بعض نصوص الرفع رافعان للكفّارة ونحوها من الأحكام الوضعيّة.

    وأمّا على الوجه الثاني فبأنّ: هذه الرواية ناظرة إلى تعدّد الكفّارة بتعدّد الثياب الملبوسة فيما وجبت بلبس الواحد; وأمّا أنّ الكفّارة تثبت في مطلق الحاجة والاضطرار ليشمل فرض التقية أو هي خاصّة بفرض الحاجة لبرد ونحوه فبحاجة إلى إثبات، فتأمّل.

    وممّا يؤكّد عدم وجوب الكفّارة في المقام ما رواه في الاحتجاج عن محمّد بن عبدالله الحميري إنّه كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متّصلاً بهم ويأخذ عن الجادّة ولا يحرم هؤلاء من المسلخ فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخّر إحرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز إلاّ أن يحرم من المسلخ؟

    فكتب إليه في الجواب: «يحرم من ميقاته ثمّ يلبس الثياب ويُلبّي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره...»(1).

    فإنّ ظاهر إطلاقه المقامي بل اللفظي عدم وجوب الكفّارة باللبس عند التقيّة; فلو فرض إطلاق في دليل الكفّارة فلا مناص من تقييده بغير فرض اللبس للتقيّة; فإنّ ما تضمّن ثبوت الكفّارة في اللبس للحاجة لو شمل المقام


    (1) الوسائل 8 : 226، الحج، الباب 2 في المواقيت، الحديث 10.


    ( صفحه 94 )

    فلا ريب أنّه ليس بالخصوص; إذ لو لم يكن ظهور الحاجة في غير التقيّة فنهاية الأمر عمومه له.

    وأمّا خبر الحميري فمورده خصوص التقيّة. بل مورده مشتمل على نوع من الاختيار; فإنّ تقديم الإحرام من المسلخ غير متعيّن ظاهراً للمختار، وإنّما هو أفضل فإذا جاز الإحرام من الموضع الأفضل مع العلم بالاضطرار بعده إلى المخيط، ولم يكن فيه كفّارة، مع التمكّن من تأخير الإحرام إلى موضع يجوز الإحرام منه اختياراً ولا يستلزم ارتكاب التروك فما ظنّك بمن لا يتمكّن من الإحرام بدون ارتكاب التروك أصلاً؟!

    ولو فرض تحكّم التعارض بين الخبرين لكون الدلالة في كلّ منهما بالإطلاق; أمّا خبر الكفّارة فواضح، وأمّا خبر الحميري فلأنّ موردها وإن كان هو التقيّة إلاّ أنّ دلالتها على نفي الكفّارة بالإطلاق لعدم كونها نصّاً في نفي الكفّارة، فمع كون المعارضة محكّمة فلا ريب أنّ المرجع حينئذ هو الأصول العملية، ومقتضاها البراءة.

    والمتحصّل: أنّه لو كانت العبرة في النسبة بين دليلين
    هو ملاحظة الموضوع خاصّة فالنسبة بين الخبرين في المقام هو الإطلاق والتقييد. وأمّا إذا كانت العبرة بملاحظة الموضوع والمتعلّق معاً
    فيستحكم التعارض.

    وقد اختار سيّدنا الاُستاذ (قدس سره) في بعض فروع الكفّارات في الحجّ تبعاً للنراقي الجمع بين إطلاق المتعلّق وتقييده، بالتقييد; حيث ورد في بعض


    ( صفحه 95 )

    الموارد أنّ من فعل كذا لا شيء عليه، وفي نصّ آخر عليه دم شاة، فجمع بينهما الاُستاذ بأنّه لا شيء عليه إلاّ دم شاة، بعدما عرض عليه أنّ النراقي جمع بذلك وكان يرى التعارض بينهما قبل ذلك.

    وفي غير هذا الفرض فالجمع بين إطلاق المتعلّق وتقييده في دليلين بالتقييد ممّا لا ينبغي الارتياب فيه; وإنّما الكلام في تأخّر ملاحظة النسبة بين المتعلّقين عن ملاحظة النسبة بين الموضوعين. وليس لهم في ذلك كلام منقّح; سوى أنّ بعض مشايخنا دام بقاؤه قائل ـ كما أظنّ ـ بتعيّن ملاحظة النسبة بين الموضوعين وعدم إدخال المتعلّقين في ملاحظة النسبة; وليس لذلك دليل سوى دعوى أنّ العرف يجمع في أمثال ذلك بما ذكر، وهذه الدعوى عندي غير واضحة، ومن المحتمل كون حكم هذه القضايا حكم ما كانت النسبة بين دليلين العموم من وجه.

    ونظير المقام ما تضمّن وجوب الخمس في مطلق الغنيمة مع ما تضمّن أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين; فإنّ النسبة بين موضوعي الدليلين هو العموم والخصوص المطلق، ولكن دلالة الثاني على ملك ما يعمّ الخمس بالإطلاق عكس الدليل الأوّل.

    ومثل ذلك ما تضمّن أنّ المرأة تستر رأسها وشعرها وكلّ جسدها في الصلاة عدا الوجه والكفّين مع ما تضمّن أنّ الأمَة لا تستر شعرها وهو بالنسبة إلى حالة الصلاة وغيرها مطلقة وإن كان موضوعها أخصّ عكس الأوّل.


    ( صفحه 96 )

    جواز الإحرام مع العلم بالإضطرار إلى التروك

    وأمّا مسألة جواز التلبّس بالإحرام مع العلم بالاضطرار إلى ارتكاب التروك، بل وجوبه بوجوب الحج مع تحقّق شرطه، فالظاهر أنّه لا محذور فيه; وليس هو من قبيل الاضطرار بالاختيار الذي لا يمنع من الإثم.

    بيان ذلك: أنّه قد يفرض تنجّز التكليف بشيء، لفعلية الخطاب وتحقّق موضوعه، وقد لا يكون التكليف والخطاب منجّزاً لعدم فعلية موضوعه:

    ألف: أمّا في الأوّل فلا يجوز ارتكاب المخالفة لا ابتداءً ولا بالتسبيب إليه بإيقاع النفس في الاضطرار; فإنّه لو فرض كون الاضطرار الحاصل بالاختيار موجباً لسقوط الخطاب والتكليف في ظرفه ولكن لا يبعد أنّ المتفاهم من الدليل عدم سقوط الملاك; فيكون التسبيب إلى فواته معصية معاقباً عليه; وإن كان العقل يوجب ذلك تحرّزاً من فوات ملاك أعظم; فمن اضطرّ بالاختيار لشرب الماء المغصوب حفاظاً على حياته فإنّه يُعاقب على ذلك وإن كان يلزمه عقلاً ذلك فراراً من عقاب التعرّض لهلاك النفس الذي هو أعظم من عقاب إتلاف مال الغير وغصبه.

    هذا كلّه بالغضّ عن انصراف دليل الرفع بالاضطرار عمّا إذا كان بالاختيار; واختصاصه بما إذا طرأت الضرورة واتّفقت بدون التسبيب من ناحية المكلّف، ومعه فلا موجب لرفع التكليف في الفرض، كما هو واضح.

    ويمكن أن يُقال: إن كان متعلّق التكليف مقيّداً بعدم الاضطرار إلى مخالفته فهذا التكليف منطبق على المضطرّ بالاختيار; حيث يكون التكليف منجّزاً


    ( صفحه 97 )

    سابقاً على الضرورة، ولا ضرورة له إلى المخالفة قبل الإقدام على ما يضطرّ معه.

    وأمّا إذا كان التكليف مقيّداً بعدم الاضطرار إلى ارتكاب متعلّق التكليف كشرب النجس ـ لا بعنوان عدم الاضطرار إلى المخالفة ـ فكما لا ينطبق هذا الموضوع على المضطرّ بغير الاختيار لا يكون منطبقاً على المضطرّ بالاختيار بعد إطلاق الاضطرار الرافع للتكليف لما إذا كان بالاختيار; فإنّه ما من محرّم إلاّ وقد أحلّه الله لمَن اضطرّ إليه. إلاّ أنّ تقييد التكليف على هذا النحو خلاف ظاهر إطلاق الأدلّة، ولا بأس مع قيام القرينة على ذلك بالمصير إليه، بل هذا الفرض خارج عمّا فرضناه من تحقّق موضوع التكليف. هذا كلّه في فرض تنجّز التكليف بتحقّق موضوعه.

    ب: وأمّا إذا لم يكن التكليف منجّزاً لعدم تحقّق موضوعه فلا موجب للمنع من التسبيب إلى الاضطرار إلى مخالفته في ظرف تحقّق الموضوع; والتعبير بالاضطرار والمخالفة من ضيق التعبير وإلاّ فلا مخالفة إذ لا تكليف، كما لو شرب دواءً قبل شهر رمضان بحيث لا يتمكّن بعده من الصوم والإمساك، فإنّه لا يكون عاصياً للأمر بالصوم.

    والسرّ في أصل المطلب هو: أنّ عدم الضرورة جزء لموضوع التكليف، ولا محذور في إعدام الموضوع فضلاً عن التسبيب إلى عدمه قبل تحقّقه; فقد تقدّم أنّه لا دلالة للإطلاقات على وجوب التحفّظ على موضوعات الأحكام فضلاً عن التحرّز عن إيجاد المانع عن تحقّقها. وإنّما لا يجوز التسبيب إلى الضرورة بعد الخطاب; لعدم كون تلك الضرورة من حدود


    ( صفحه 98 )

    التكليف; فإنّ المكلّف غير مضطرّ إلى المخالفة حين توجّه الخطاب، فتكون المخالفة منجّزة عليه لا محالة; بخلاف فرض عدم تنجّز الخطاب; إذ المكلّف قبل التلبّس بالإحرام مثلاً غير مخاطب بالتجنّب عن تروكه; ثمّ لو تسبّب قبل الإحرام إلى ضرورة ارتكابها بعد أن يحرم ـ والمفروض أنّ من قيود الموضوع أعني التروك المحرّمة عدم الضرورة إليها ـ فلا موجب للمنع من ذلك; وذلك لعدم إحراز وجود ملاك للتكليف في ظرف الضرورة، كعدم إحرازه في ظرف انعدام جزء آخر من الموضوع، فإنّ الملاك إنّما يستكشف بالتكليف وتحقّق الخطاب، وبدونه لا كاشف عنه إلاّ إذا تضمّنه نصّ من قبل الشارع بالخصوص. ومعه فلا مناص من رعايته إذا لم يكن فيه محذور; فإنّه يستكشف من دليل الملاك ثبوت التكليف فتكون الضرورة المسقطة للتكليف، هي ضرورة خاصّة; وهي الضرورة بغير الاختيار، وأمّا معه فالتكليف متحقّق لا محالة.

    نعم ربّما يكون في التحفّظ على الملاك تفويت لملاك أهمّ فلا يجب بل لايجوز; لسقوط الخطاب بسبب المزاحمة بخطاب أهمّ; ومثل هذا لا يمنع من صدق العصيان وإن كان الخطاب ساقطاً بعد أن كان التسبيب إليه بالاختيار; وإنّما أسقط الشارع خطابه لا لقصور في الملاك بل لئلاّ يسبّب لتفويت ملاك أهمّ.

    نعم، لو لم يكن المكلّف بنفسه سبباً لمخالفة الخطاب المهمّ ولم يكن هو المسبّب للضرورة دخل في بحث التزاحم الملاكي ـ لا الامتثالي ـ فيتعيّن الخطاب بالأهمّ بعد الكسر والإنكسار بين الملاكين، ولا يكون معه خطاب


    ( صفحه 99 )

    فعلاً بالمهمّ.

    ثمّ إنّ هذا كلّه في فرض تمكّن المكلّف من التسبيب إلى عدم المخالفة في ظرف التكليف; كما لو تمكّن من الإحرام من ميقات لا يضطرّ معه إلى الاستظلال; فإنّه لا يجب على القاعدة. وأمّا إذا لم يكن متمكِّناً من ذلك فالأمر أوضح; فإنّه إذا لم يمكن التحرّز من الاستظلال من أيّ المواقيت أحرم المكلّف، فإنّه لا بأس بالتلبّس بالإحرام; وإن كان الإحرام غير واجب على المكلّف كما لو أراد أن ينوب عن غيره أو يأتي بعمرة مندوبة; كلّ ذلك لعدم تنجّز حرمة التروك عليه قبل التلبّس بالإحرام; وأمّا بعده فالمفروض أنّه مضطرّ إلى الارتكاب، ومعه فلا تكليف بالتجنّب عن التروك.

    والفرق بين هذا الفرض وسابقه هو أنّه يمكن للمكلّف امتثال الأمر بالإحرام ـ ولو الندبي ـ مع التجنّب عن التروك في الفرض السابق; وذلك بالإحرام من ميقات آخر أو في زمان آخر مثلاً فربما يتخيّل تقيّد الأمر بما لا يستلزم مخالفة، بخلاف هذا الفرض الذي لا مناص له لو أراد امتثال الأمر بالحجّ أو العمرة المندوبة أن يرتكب المحظور; فإنّ الأمر يدور بين ثبوت الأمر وبين سقوطه رأساً.

    ويؤكّد ذلك إطلاق ما تضمّن من النصوص الأمر بالحجّ والعمرة المندوبين فإنّ تخصيص ذلك بما إذا لم يعلم المكلّف باضطراره إلى التروك ولو لنسيان بلا موجب. بل الإطلاقات المقاميّة مقتضية لعدم حرمة التلبّس بالإحرام للمضطرّين إلى التروك; فإنّه لو كان التلبّس بالإحرام حراماً على


    ( صفحه 100 )

    مثلهم لنبّه على ذلك في الأخبار.

    ويؤكّده أيضاً خبر الحميري المتقدِّم حيث تضمّن جواز الإحرام من الموضع الأفضل مع العلم باستلزامه التلبّس بتروك الإحرام(1).


    (1) ثمّ إنّي قد كتبت سابقاً في موضوع الإحرام مع العلم بالإضطرار إلى تروك الإحرام رسالة اُوردها في المقام:

    مسألة: إذا علم المكلّف بأنّه مضطرّ إلى ارتكاب تروك الإحرام فهل يجوز له التلبّس بالإحرام؟ وذلك كما إذا علم المكلّف بأنّه مضطرّ إلى التظليل أو إلى لبس شيء من الثياب أو أكل شيء ممّا لا يحلّ للمحرم أكله أو استعمال ما لا يجوز للمحرم استعماله من الادهان أو الاكتحال أو ما شاكل ذلك.

    والكلام في هذا تارةً من ناحية الحكم الوضعي وأنّه هل يصحّ الإحرام في هذا الفرض مع الالتفات إلى الضرورة؟ واُخرى من ناحية الحكم التكليفي بعد فرض الصحّة; وثالثة من ناحية ثبوت الكفّارة وعدمه.

    أمّا الكلام من ناحية صحّة الإحرام فالظاهر هو الصحّة; لعدم المحذور في ذلك سوى دعوى عدم تمشّي قصد التقرّب ـ الذي هو شرط صحّة العبادات كلّها ـ في الفرض; حيث يعلم المكلّف باضطراره إلى ارتكاب المحرّم على تقدير التلبّس بالإحرام; وهو اضطرار بالاختيار، وقد شاع أنّه لا ينافي الاختيار.

    وإن شئت قلت: إنّه مع استلزام الإحرام لارتكاب المحرّم لا أمر بالإحرام حتّى بنحو الترتّب فضلاً عن الأمر المطلق.

    أمّا عدم صحة الأمر المطلق ـ في مقابل الأمر الترتّبي ـ فواضح; فإنّه لا يعقل مع فرض حرمة الملازم.

    وأمّا عدم الأمر حتّى بنحو الترتّب فلأنّ الأمر الترتّبي إنّما يصحّ في موارد استلزام الواجب للحرام إذا لم تكن الحرمة ناشئة من نفس الوجوب; نظير ما لو استلزم الوضوء تصرّفاً محرّماً، وليست حرمة التصرّف ناشئة من وجوب الوضوء.

    وأمّا إذا نشأت الحرمة من نفس التكليف الوجوبي فلا مجال للوجوب بعد استلزامه لحرمة لا مناص منها.

    ويشكل بأنّه: إن كانت الحرمة ثابتة بالفعل فلا يبقى مجال للأمر بالإحرام بعد استلزامه لارتكاب الحرام إلاّ بإلغاء الحرمة، وإلاّ كان من التكليف بغير المقدور; فإنّ مطلوبية الإحرام فعلاً في فرض استلزامه للمحرّم لا يعقل بعد كون الحرمة في اللازم أيضاً فعليّة.

    وأمّا إذا كانت الحرمة معلّقة ومنوطة بالإحرام فهي فرع الأمر بالإحرام وصحّته; إذ بدونها لا حرمة; فإذا صحّ الإحرام سقط حرمة اللوازم بدليل الاضطرار.

    وكون الاضطرار بالاختيار لا ينافي اندراجه في عموم حديث الرفع; بعد كون الاختيار في غير فرض فعلية التحريم; فهو من قبيل إتلاف الماء قبل حلول وقت الصلاة; الذي لا ينافي اندراج المكلّف في عموم دليل التيمّم وعدم كونه آثماً بذلك.

    وبما ذكرنا اتّضح الكلام في الناحية الاُخرى أعني حكم التلبّس بالإحرام تكليفاً; وأنّه لا بأس بذلك بعد كون استلزامه لارتكاب التروك قبل فعليّة الحكم في التروك; فليس الإحرام مستلزماً لارتكاب التروك بما هي محرّمة; وإن استلزم ارتكابها بالغضّ عن حكمها; فإنّ التروك قبل التلبّس بالإحرام ليست محرّمة فعلاً; وبعد التلبّس أيضاً ليست محرّمة بدليل الاضطرار.

    وكون الاضطرار بالاختيار غير مانع من اندراج الفعل في الحرمة إنّما هو إذا كان الحكم بالتحريم في فرض الاختيار فعليّاً لا بدونه.

    وبذلك يتّضح الكلام في الناحية الثالثة أعني الكفّارة; فإنّ مقتضى عموم أدلّة الرفع عند الاضطرار هو عدم وجوب الكفّارة; كاقتضائها عدم الحرمة تكليفاً.

    وما يقال: من أنّ دليل الرفع لا يعمّ الاضطرار بالاختيار فيعمّه دليل الكفّارة.

    يردّه: ما تقدّم آنفاً من أنّه لا قصور في دليل الرفع عن مثل هذا الاضطرار إذا لم يكن الاختيار حال فعليّة الحكم بالحرمة; بل كان قبلها.

    نعم، لو كان هناك دليل خاصّ على ثبوت الكفّارة في فرض الاضطرار كان تخصيصاً في حديث الرفع لا محالة; وقد دلّ على ذلك في بعض فروض الاضطرار; كما في الاضطرار إلى التظليل مطلقاً أو في خصوص ما إذا كانت الضرورة لمرض أو ضعف; وأمّا إذا كانت الضرورة إلى غير التظليل من سائر التروك ـ كلبس المخيط أو المعالجة بالأدهان ونحوها ـ أو كانت الضرورة إلى التظليل لا بسبب المرض ونحوه، بل كان بسبب التقيّة أو غيرها من فروض عدم التمكّن من التجنّب ـ كما إذا لم يوجد مركب بدون التظليل ولم يمكن السفر بغير ذلك ـ فلا موجب للكفّارة.

    كما أنّه لو كان الاضطرار إلى المحرّم اختياراً بعد فعليّة الحرمة أمكن الإشكال في عموم حديث الرفع فيه لإسقاط الكفّارة; كما لو جعل نفسه بعد الإحرام مضطرّاً إلى التظليل مع تمكّنه من التجنّب عن ذلك.

    والسرّ في خروج فرض الاضطرار إلى المحرّمات بالاختيار عن دليل رفع الاضطرار هو: اندراج مثل ذلك في الفعل الاختياري; ومقتضى التقابل بين الاختياري والاضطراري هو عدم صدق الاضطرار في مثل ذلك; فيختصّ الاضطرار عرفاً بما لا اختيار فيه أصلاً; وكثير من الأفعال الاختيارية تخرج عن الاختيار إلى الضرورة في بعض مراحل وقوعها، ومع ذلك لا تخرج عن صدق الاختيار.

    ألا ترى أنّ من رمى سهماً لا يمكنه إمساكه بعد الرمي وقبل الإصابة ومع ذلك تكون الإصابة فعلاً موصوفاً بالاختيار بقول مطلق; فلا تكون الضرورة المنتهية إلى الاختيار; موجباً لصدق الضرورة والخروج عن صدق الاختيار.

    وبالجملة: لا يشترط في صدق الاختيار كون الفعل إلى حين وقوعه قابلاً للوقوع والعدم; ونتيجة ذلك عدم ارتفاع الحكم التكليفي عن الأفعال المنتهية إلى الاختيار; ولكن هذا فيما كان الحكم التكليفي فعليّاً.

    وأمّا قبله فإنّه وإن صدق الاختيار في الفعل ولكن ليس الفعل بوصف كونه محرّماً متعلّقاً للاختيار والإرادة; وما لا يجوز إنّما هو فعل الحرام بوصف الحرمة حال الاختيار، لا مطلق الفعل الاختياري.

    وأمّا وجوب الكفّارة بمثل ذلك فلولا حديث الرفع فهو شامل بإطلاقه ـ حيث يكون ـ للفعل الاختياري والاضطراري معاً; فإذا اختصّ الحكم التكليفي بغير فرض الضرورة فلا يبعد اختصاص الكفّارة أيضاً بذلك; لانصراف دليل الكفّارة إلى فرض ثبوت الحكم التكليفي; وعدم شمول ذلك لما إذا لم يكن حكم تكليفي في ذات الفعل.

    وعلى ما ذكرنا من صدق الفعل الاختياري في فرض الضرورة بالاختيار يعمّ دليل الكفّارة ذلك الفرض; فإذا كان دليل الكفّارة مخصوصاً بفرض العصيان، فكما لا يكون الفعل اضطراراً بسبب الاختيار عصياناً، إذا كان التسبيب إلى الضرورة قبل فعليّة الحكم، كذلك لا يعمّه دليل الكفّارة.

    فمن أراق الماء وعجز عن الصلاة مع الوضوء بسببه فقد يكون ذلك قبل الوقت وقد يكون بعده; وفي كلا الفرضين يكون مختاراً في ترك الصلاة مع الوضوء; إلاّ أنّ مطلق ترك الصلاة متوضّئاً ليس محذوراً; وإنّما المحذور هو ترك الصلاة مع الوضوء حيث تجب الصلاة متوضّئاً; ولا وجوب للصلاة قبل الوقت أصلاً; وأمّا بعد الوقت فحيث أنّ الواجب هو الصلاة متوضّئاً على واجد الماء، لم يكن مُريق الماء قبل الوقت مصداقاً لذلك; فلم يكن ترك الصلاة مع الوضوء مصداقاً لترك الواجب.


    ( صفحه 101 )


    ( صفحه 102 )

    وجوب تجربة القرعة مع الشكّ في إصابتها

    الفرع الثالث: إذا كان التمكّن من الحجّ منوطاً بالقرعة وإصابتها وكانت إصابة القرعة مشكوكة ـ كما هو المتعارف ـ ففي وجوب المساهمة في القرعة بل واستقرار الحجّ بدون ذلك إشكال.


    ( صفحه 103 )

    ربّما يُقال بوجوب تجربة القرعة على أساس حكم العقلاء بوجوب الاحتياط; لكون مآل الشكّ إلى الشكّ في القدرة على فعل الواجب، والذي يجب في مثله الاحتياط في بناء العقلاء; فإنّه متى شكّ في القدرة على فعل الواجب وإن أوجب ذلك الشكّ في أصل التكليف ـ لاشتراط التكليف بالقدرة ـ ولكن بناء العقلاء في مثل هذا الشكّ البدويّ على الاحتياط، خلافاً لسائر الشبهات البدويّة.

    وحدّ الفحص وملاكه في هذه الشبهة الموضوعيّة متّحد مع ملاكه وحدّه في سائر الشبهات الحكميّة بل الموضوعيّة; بناءً على وجوب الفحص فيها.

    والوجه في ذلك: أنّ وجوب الفحص في الشبهات الحكمية إمّا هو بملاك النصوص الموبّخة على ترك التعلّم وهذا لا يجري في المقام، وإمّا هو بملاك قصور حكم العقلاء بالبراءة عن موارد غمض العين عن الواقع والتي يكون الوصول محقّقاً عندهم بكون الواقع منالاً للمكلّف بهذا المقدار، وهذا متحقّق في المقام من موارد الشكّ في القدرة.

    بل شأن الشكّ في القدرة شأن سائر الشبهات الموضوعيّة من حيث كونها شبهة موضوعيّة، فبناءً على وجوب الفحص فيها عقلائيّاً وقصور أدلّة البراءة الشرعيّة عن شمولها كالشبهات الحكميّة قبل الفحص لا مناص من الاحتياط في المقام. هذا بالغضّ عن دعوى بناء العقلاء على الاحتياط في موارد الشكّ في القدرة وإن لم يتحقّق لهم بناءً عليه في سائر الشبهات الموضوعيّة.

    • تعداد رکورد ها : 29
    پورتالستاد بزرگداشت شهداي گمنامباشگاه خبرنگاران جوانصفحه شخصي حميدرضا غريب رضاشهداي روحانيرهبريانديشه جاويدمرکز فقهي ائمه اطهار (ع)نکونامپايگاه اطلاع رساني استاد حسين انصاريانصفحه شخصي دکتر عصام العمادمرکز خدمات حوزه هاي علميهموسسه گفتگوي دينيحضرت آيت الله گيلانيدفتر حضرت آيت الله العظمي حاج سيد محمد حسيني شاهرودي حضرت آيت الله حاج شيخ مجتبي تهرانينور معرفتاستاد علوي سرشکي صحيفه سجاديهنمايشگاه قرآن کريم قمحوزه علميه آل البيتآدينه فومنهدايتپايگاه اطلاع رساني حاج آقا صديقيانجمن هاي اسلامي دانش آموزانراه و رسم طلبگيمنارهپايگاه اطلاع رساني فرهنگ و ارتباطات ديني