( صفحه 144 )
تمتّعاً من مكّة بلاريب، فإمّا أن تكون الأدلّة الدالّة على أنّ إحرام حجّ التمتّع من مكّة دالّة على مجرّد الرخصة في ذلك وعدم لزوم تحمّل المشقّة للمضيّ إلى المواقيت البعيدة، أو تكون الأدلّة دالّة على تعيّن الإحرام من مكّة ولو لتضمّنها الأمر بذلك الظاهر في التعيين لولا القرينة على الخلاف.
فعلى الأوّل لا تكون تلك الأدلّة منافية لجواز الإحرام من المواقيت; لأنّ الرخصة في الإحرام من مكّة لا تنافي الرخصة في الإحرام من غيرها. نعم، تكون الرخصة في الإحرام من مكّة منافية لتعيّن الإحرام من المواقيت البعيدة، ولكن لا مناص من رفع اليد عن نصوص تعيّن الإحرام من المواقيت البعيدة بتخصيص مفهوم الحصر فيها بغيرها ممّا تضمّن جواز الإحرام من أدنى الحلّ في بعض الموارد ومن مكّة لحجّ التمتّع وهكذا; فإنّ دلالة تلك النصوص على الحصر إنّما هو بالإطلاق القابل للتقييد كما في غيرها.
بل يمكن أن يُقال: إنّ نصوص إحرام حجّ التمتّع من مكّة ناظرة إلى خصوص الكائن بمكّة وأنّه لا يجب عليه تكلّف الحضور عند المواقيت البعيدة، فلا تنافي وجوب الإحرام من تلك المواقيت لمن يكون عندها.
وهذا نظير ما ورد من النصّ بعدم وجوب حضور صلاة الجمعة للمسافر وإن كانت واجبة على تقدير الحضور.
وممّا يدلّ على عدم تعيّن مكّة مع تضمّن النصّ الأمر بذلك هو احتمال كون الأمر في مقام احتمال المنع ولزوم التكلّف للحضور في المواقيت البعيدة;
( صفحه 145 )
وليس في مثله دلالة على الوجوب، ويكفي لإجمال الأمر احتمال منع متعلّقه وإن كان احتمال تعيّن متعلّقه أيضاً موجوداً.
وأمّا سائر ما دلّ على الإحرام من مكّة كالسيرة أو فعل المعصومين أو الأصحاب بعد تقريرهم على ذلك فهو أعمّ من الوجوب.
وأمّا إذا بنينا على دلالة النصوص على تعيّن الإحرام لحجّ التمتّع من مكّة ـ كما عليه المعروف ـ فيقع التعارض بين نصوص المواقيت ونصوص الإحرام من مكّة بالعموم من وجه; فإنّ إطلاق نصوص المواقيت شامل لإحرام حجّ التمتّع والمتيقّن منها غير من كان بمكّة سيما على مسلك من يقول بأنّ موردها المارّ على المواقيت.
كما أنّ إطلاق نصوص الإحرام من مكّة شامل لمن مرّ على المواقيت وإلاّ فالقدر المتيقّن منها هو من كان بمكّة غير خارج منها.
وبالجملة مقتضى نصوص المواقيت أنّ المارّ على المواقيت يتعيّن عليه الإحرام منها وإطلاقه شامل لحجّ التمتّع; ومقتضى نصوص إحرام حجّ التمتّع من مكّة هو تعيّنها ـ فرضاً ـ وإطلاقه شامل للمارّ على المواقيت البعيدة.
ويدخل هذا في البحث الاصولي العام من أنّ تعليق الحكم على شرطين بينهما عموم وجه ظاهر عرفاً في الجمع بالتخيير أو غيره; نظير الأمر بالتقصير على تقدير خفاء الجدران أو خفاء الأذان. فالمارّ على المواقيت مريداً لحجّ التمتّع مأمور بالإحرام من المواقيت أو من مكّة; فإمّا أن نقول بالجمع بين الدليلين بالتخيير أو نقول بالإجمال والرجوع إلى القواعد ومنها
( صفحه 146 )
الاُصول العمليّة، وعلى التقديرين يكون الإحرام من المواقيت جائزاً; فإنّ أصل البراءة يقتضي عدم تعيّن مكّة، كما فصّلنا الكلام فيه في غير المقام.
نعم، مقتضى النصّ المعتبر عدم وجوب الإحرام من المواقيت البعيدة لمن رجع إلى مكّة قبل مضيّ شهر من عمرته تمتّعاً; وجواز الرجوع محلاًّ والإحرام منها; وهذا لا ينافي جواز الإحرام أيضاً من المواقيت.
( صفحه 147 )
مسألة: إذا ناب شخص عن غيره في الحجّ فهل يجب عليه رعاية وظيفة المنوب اجتهاداً أو تقليداً؟ أو تجب رعاية وظيفة النائب؟ أو يجب الاحتياط؟
تحديد وظيفة النائب
هذا لا يختصّ بالنيابة في الحجّ وإن كان في خصوص الحجّ خصوصيّة نذكرها إن شاء الله تعالى.
فيجري في النيابة عن الغير في الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات; بل لا يختصّ الكلام بالنيابة عن الأموات ويجري في النيابة عن الحيّ فيما كانت النيابة مشروعة فيه.
نعم، لا مجرى لهذا البحث في المعاملات كالأنكحة والعقود والإيقاعات; فإنّه لا يكفي في صحّة المعاملة رعاية الوكيل ما هو وظيفته ظاهراً إذا لم يطابق وظيفة الموكّل. فلو باع الوكيل مال الغير بالمعاطاة وكان الموكّل يرى فسادها وعدم تأثيرها في الملكيّة لم يجز ترتيب آثار الملك بمجرّد اعتقاد الوكيل نفوذها وصحّتها.
والسرّ في ذلك: أنّ صحّة معاملات الوكلاء ليست على خلاف القواعد; فإنّه لا حاجة في صحّة معاملة الوكيل إلاّ إلى دليل صحّة عقد الأصيل; فإنّ العقد ينتسب إلى الأصيل وإن صدر من الوكيل; ومعه فيعمّه دليل صحّة المعاملة المنتسبة إلى الأصيل وإن لم يكن مباشراً لها.
وعليه بنينا في الحكم بصحّة معاملات الصبيان مع إذن الأولياء; وذكرنا
( صفحه 148 )
أنّ ما دلّ على عدم نفوذ معاملات الصبيان إنّما تدلّ على ذلك من حيث كون المعاملة معاملة الصبيّ، ولا يدلّ على البطلان حتّى من حيث استناد المعاملة إلى الوليّ; وتمام الكلام في محلّه.
وكيف كان فإذا كانت صحّة معاملة الوكيل من حيث استناد المعاملة إلى موكّله وكانت معاملته معاملته فيشترط فيها اجتهاداً أو تقليداً ما يشترط في معاملة المباشر.
وعلى هذا الأساس تكون العبرة بوظيفة الأصيل في موارد غير النيابة والوكالة من موارد التسبيب كالحلق والذبح، فلو ذبح المأمور ما لا يجزي في نظر الأصيل لم يكن مجزياً على القاعدة وإن اعتقد المباشر إجزاءه; وكذا لو حلق على وجه لا يكون مجزياً في اعتقاد الحاج.
وكيف كان فلنرجع إلى ما لأجله عقدنا البحث من وظيفة النائب فنقول بعد التوكّل على الله: هناك أحكام ووظائف واقعيّة لمباشر العمل بحيث لا يجوز له العدول عنها، كما أنّ هناك أحكام ترخيصيّة للمباشر; وإن كانت وظيفة المنوب تختلف عن ذلك بحيث لو كان المنوب هو المباشر كان عليه شيء آخر غير ما على النائب، ففي مثل هذا لا شكّ في أنّ العبرة في النائب بوظيفته لا بوظيفة المنوب.
مثال ذلك: أنّه يجب على المرأة مثلاً أن تستر جسدها في الصلاة والطواف ولايجب على الرجل إلاّ ستر العورتين، فلو نابت المرأة عن الرجل لم يجز لها العمل على طبق وظيفة الرجل.
وأيضاً يجوز للمرأة الإفاضة من المشعر ليلة العاشر وتقديم الرمي; فلو
( صفحه 149 )
نابت عن الرجل جاز لها ذلك وإن لم يكن ذلك للمنوب لو كان هو المباشر للعمل. نعم، لابدّ أن يكون لدليل مثل هذه الأحكام إطلاق لفرض النيابة; وإلاّ فلو اختصّ بغيرها فلا مجال للتمسّك بها. مثلاً لو اختصّ دليل جواز الإفاضة من المشعر للمرأة ليلاً بما إذا لم تكن نائبة عن الغير لم تكن خصوصيّة لمثل هذا الحكم في حقّ المباشر.
ومن هذا القبيل موارد جريان حديث «لا تعاد»; فإنّ المصلّي إذا أخلَّ بما عدا الخمسة سهواً أو جهلاً ـ بناءً على عموم «لا تعاد» للجاهل ـ صحَّ عمله وإن كان المنوب لعدم سهوه أو جهله لا موضوع لحديث «لا تعاد» في حقّه. هذا بناءً على عموم «لا تعاد» للصلاة النيابيّة. ففي مثل هذه الاُمور لا ريب في أنّ العبرة بوظيفة المباشر والنائب.
نعم، لابدّ أن يكون لدليل النيابة إطلاق لنيابة المباشر المخالف للمنوب في الذكورة والاُنوثة وغير ذلك من الأوصاف، بل لا يشترط سوى أن لا يكون لدليل النيابة تخصيص وإن لم يكن له إطلاق; بناءً على جريان البراءة عند الشكّ في شرطيّة شيء في المأمور به التي من جملته اشتراط النيابة بموافقة النائب والمنوب في الذكورة والاُنوثة.
نعم هنا أمر: وهو أنّ المنصوص عليه في بعض روايات النيابة في الحجّ أنّ المنوب يجهّز رجلاً، ومقتضى إطلاق الأمر هو كون الوجوب تعييناً، فلا يجزي إلاّ نيابة الرجل، ومعه فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي ليحكم بالبراءة.
ولو فرض إطلاق في بعض نصوص النيابة يشمل نيابة غير الرجل
( صفحه 150 )
فينبغي تقييده بخصوص هذه النصوص.
إلاّ أن يُقال: إنّ الأمر بنيابة الرجل لا مفهوم له ـ حتّى مفهوم الوصف والقيد ـ لاحتمال كونه من قبيل القيد الغالب الذي لا مفهوم له; ومعه فلا يمنع من إطلاق غيره لو كان.
ولكن لو تمّ هذا فلازمه الرجوع إلى أصل البراءة مع الشكّ في اشتراط الذكورة حيث يكون القيد مهملاً فكأنّه لم يذكر ولم يكن مع ذلك في الكلام إطلاق ينفيه.
ظهور بعض العناوين في الموضوعيّة
ثمّ إنّا ذكرنا في بعض البحوث أنّ عنوان الرجل في النصوص يُراد به حسب الفهم العرفي المكلّف الجامع بين الذكر والاُنثى(1). فإذا قيل: «رجل
(1) ذكرنا فيما سبق أنّ العناوين ظاهرة في الدخل في الحكم، وإلغاؤها يحتاج إلى دليل، واستثنينا من ذلك موردين:
أحدهما: ما كان من قبيل العلم ممّا ظاهره كون العبرة بالواقع ويكون ذكر العلم من باب ذكر الطريق لا الموضوعيّة.
ثانيهما: عنوان الرجل.
ونزيد هنا أمراً ثالثاً: وهو الصيغ المخصوصة بالذكور في اصطلاح الاُدباء كما في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ْ الاَْمَـنَـتِ إِلَى أَهْلِهَا ) فإنّه وإن لم يذكر يأمركن أن تؤدّين الأمانات، ولكن هذا مفهوم من إطلاق هذه الصيغ.
ومن هذا القبيل إذا ورد خطاب للذكور كما قيل: يا زرارة إذا شككت فابن على الأكثر. وما شاكل ذلك فإنّ التعدّي عن المخاطب وهو من الذكور لا يحتاج إلى دليل من خارج; بل يكون المتفاهم العرفي منه خطاب الشخص بما أنّه مكلّف لا بما أنّه مذكّر نحو ما ذكرناه في عنوان الرجل.
( صفحه 151 )
شكّ بين الصلاة والأربع» يفهم منه حكم شكّ المصلّي بلا فرق بين الصنفين.
ولكن هذا الكلام لا يجري في المقام ممّا تضمّن النصّ الأمر باستنابة الرجل; والسرّ في ذلك: أنّ ذاك الكلام إنّما هو في فرض كون عنوان الرجل مذكوراً في موضوع الحكم، كما في قولهم: إذا قتل الرجل أو إذا أفطر أو إذا ارتكب بعض تروك الإحرام وما شاكل ذلك.
وأمّا إذا اُخذ الرجل قيداً في متعلّق الحكم كما في قول: أعتق رجلاً أو استنبه فلا ظهور للقضيّة فيما يعمّ الاُنثى. وتمام الكلام في غير المقام.
تحديد وظيفة النائب
وكيف كان فقد علم بما قدّمناه أنّ البحث ليس في الوظائف الواقعيّة لكلّ من المباشر والمنوب; فإنّه لا ريب في كون العبرة في تلك بوظيفة المباشر; ويسقط عن المنوب بدليل جواز النيابة لو كان له إطلاق; وبالأصل العملي مع الإجمال.
مثلاً نيابة ذوي الأعذار عن غيرهم لو لم يكن في أدلّة النيابة ظهور في عدم جوازها تكون جائزة إمّا لإطلاق أدلّة النيابة أو لأصل البراءة; فلو شكّ في جواز نيابة فاقد الماء أو المعذور عن استعماله في حجّ ونحوه فلا بأس بالاكتفاء بها.
وإنّما البحث في الوظائف الظاهرية من قبيل التقليد فهل يجب على المباشر أن يراعي وظيفته; ويكفي عن المنوب أيضاً وإن كان المنوب لا يجوز
( صفحه 152 )
له الاكتفاء بذلك لو كان هو المباشر؟ أو يجب على النائب مراعاة وظيفة المنوب حيث إنّه يأتي بما على المنوب؟ أو أنّ وظيفته غير ذلك؟
مقتضى القاعدة هو التفصيل، وبيانه: إنّ لزوم رعاية وظيفة المنوب عنه أو المباشر أو المستنيب تارةً من حيث تمشّي قصد التقرّب من العامل المباشر إذا كان العمل عباديّاً. واُخرى من حيث استحقاق الاُجرة إذا كان العامل غير متبرّع; وثالثة من حيث صحّة العمل. فهذه جهات ثلاث من البحث. ثمّ الكلام في الصحّة تارةً من حيث كونها موضوعاً للحكم بالإجزاء واُخرى من حيث غيره من الأحكام.
ثمّ الحكم المفروض قد يكون حكماً في حقّ المباشر العامل، كحلّ تروك الإحرام له بعد النسك إذا أتى بها على وجه صحيح، وأيضاً امتثال الأمر بإتمام الحجّ والعمرة حيث إنّه وظيفة المباشر بعد التلبّس بالنسك.
وقد يكون حكماً في حقّ المنوب، وقد يكون حكماً في حقّ المستنيب إذا كان غير المنوب كما في وليّ الميّت; وقد يكون حكماً في حقّ غيرهم; كما في ائتمام المكلّف بصلاة النائب، وكما في استحقاق الوارث الإرث بعد الاستنابة في حجّ صحيح وبعد أداء ديون الميّت على وجه صحيح من أخماسه وزكاته وسائر ديونه.
وكما في زوج المرأة إذا كانت المرأة هي المباشرة للحجّ فلا يحلّ له مضاجعتها إذا كانت متلبّسة بالإحرام على وجه صحيح. إلى غير ذلك ممّا لا يحصى من الأحكام.
ثمّ إنّه قد يكون المأمور بالاستنابة هو المنوب عنه نفسه، كما في استنابة
( صفحه 153 )
المريض والشيخ الكبير من يحجّ عنه، وقد يكون المأمور بالنيابة شخص آخر كوليّ الميّت مثل الولد الأكبر والوصيّ. وفي الفرضين يكون الأمر بالنيابة متوجّهاً إلى المكلّف مستقيماً من قبل الشارع; فالمريض والعاجز هو المأمور بالاستنابة; كما أنّ الوليّ والوصي مأموران بالنيابة أو الاستنابة; وليست النيابة وظيفة الميّت وتكليفه.
وقد يكون الشخص مأموراً من قبل إنسان بالنيابة كما إذا أمر وليّ الميّت أجيراً أو عاملاً آخر بالنيابة; ومثله لو أمره المنوب نفسه بالعمل.
وقد يكون العامل متبرّعاً بالعمل عن الغير حيّ أو ميّت.
والضابط: أنّ المأمور شرعاً بالنيابة أو الاستنابة لابدّ أن يراعي وظيفته لو باشر العمل، لا وظيفة المنوب; إذ لا تكليف على المنوب، وإنّما المكلّف هو غيره.
وأمّا المأمور من قبل الوليّ والوصي فلابدّ أن يراعي وظيفتهما; ثمّ لو كان الوصي مأموراً من قبل الموصي برعاية نظره لزمه ـ تحقيقاً للوصيّة ـ توظيف العامل برعاية وظيفة الموصي; كما أنّ المباشر للعمل قد يكون موظّفاً برعاية وظيفته أيضاً; فيما كانت صحّة عمله موضوعاً لحكم في حقّه كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأمّا المتبرّع فليس عليه إلاّ العمل بما يعتقده.
ثمّ البحث في الجهتين الاُوليين أعني تمشّي قصد القربة واستحقاق الأجرة لا يكاد يخفى; فإنّ قصد القربة يكفي له احتمال المطلوبيّة، ولا يتوقّف على إحراز ذلك; كما أنّ استحقاق الاُجرة يكفيه الإتيان بما أمر به الغير وتصحّ
( صفحه 154 )
الإجارة على ما يحتمل صحّته; وسيأتى إن شاء الله تعالى لذلك تتمة كلام إنّما المهمّ البحث عن الجهة الثالثة.
وأمّا الكلام في الجهة الثالثة; أعني صحّة العمل النيابي من حيث كونها موضوعاً للإجزاء ولغيره من الأحكام; فهل العبرة بصحّة العمل في نظر المباشر أو العبرة بها في نظر المنوب عنه أو أنّ العبرة بالصحّة في نظر المستنيب; إذا كان غير المنوب عنه كوليّ الميّت، أو العبرة بالصحّة في نظر من تكون الصحّة موضوعاً للحكم في شأنه كالمؤتم بصلاة النائب، أو لابدّ من الاحتياط؟
الحقّ أنّ العبرة في الصحّة بنظر كلّ من كانت الصحّة موضوعاً للأثر في حقّه; ولا عبرة بالصحّة في نظر غيره، فليست العبرة بالصحّة في نظر بعض في ترتّب أثر الصحّة بالنسبة إلى غيره من سائر الناس، فتكون الصحّة من قبيل الأمر النسبي; بل الصحّة الظاهرية أمر نسبي حقيقة بمعنى أنّه يجوز لبعض المكلّفين أن يتعامل مع عمل معاملة العمل الصحيح ولا يجوز لغيره ذلك; وذلك لقيام الحجّة على الصحّة لأحدهما وعلى الفساد في نظر الآخر.
وعلى ما ذكرنا فالمأمور بالاستنابة إنّما يسقط أمره إذا اعتقد ولو بحجّة امتثال ذاك الأمر ـ أعني الأمر بالاستنابة ـ ولا يكون هذا إلاّ في فرض اعتقاده صحّة عمل النائب، ولا عبرة باعتقاد غير من هو مخاطب بالاستنابة حتّى لو كان غير المخاطب هو النائب أو المنوب عنه; فوليّ الميّت هو المكلّف بالنيابة أو الأعمّ منها ومن الاستنابة كتكليفه بسائر تكاليفه الأصليّة من صلاة وصيام وغيرهما; فكما أنّ الوليّ مخاطب بفرائضه اليوميّة
( صفحه 155 )
لنفسه وعليه أن يأتي بها على وفق عقيدته، ولا عبرة بنظر أبيه وغيره من قريب أو بعيد، فكذا هو مخاطب بالنيابة عن ميّته في صلاة وصيام وحجّ وغيرها; وقد سقط التكليف عن الميّت; فعليه أن يعتقد ـ ولو بحجّة ـ امتثال هذا التكليف حذو غيره من تكاليفه.
ثمّ المأمور بالاستنابة إذا كان هو المنوب، كما في الحجّ عن الشيخ الكبير والمريض فالعبرة في الصحّة هو ذلك بنظر المنوب، وإن كان المأمور بالاستنابة غير المنوب عنه كوليّ الميّت فالعبرة في سقوط الوظيفة عن عهدته بنظره دون نظر المنوب عنه. هذا كلّه بلحاظ الصحّة من حيث كونها موضوعاً لسقوط الأمر بالنيابة والإجزاء عنه.
وأمّا الصحّة من حيث كونها موضوعاً لسائر الأحكام فالعبرة ـ كما تقدّم ـ في الصحّة بنظر من يكون الحكم ثابتاً في شأنه.
فصحّة حجّ العامل المباشر موضوع لحلّ التروك والخروج عن الإحرام لنفس العامل; فلا يحلّ لمباشر الحجّ ارتكاب محرّمات الإحرام ما لم يعتقد ـ ولو بحجّة معتبرة ـ الخروج عن الإحرام وصحّة ما أتى به من النسك وإن اعتقد المنوب عنه أو المستنيب صحّة عمله.
فلو طاف طواف النساء خلف المقام وكان المنوب عنه يكتفي بذلك ولكن المباشر يعتقد بطلان الطواف خلف المقام وأنّه مشروط بكونه بين البيت والمقام لم يحلّ له النساء، وإن جاز للمنوب عنه والمستنيب الاكتفاء بعمله بحيث لا يجب عليهما الاستنابة ثانياً.
نعم لو قصد المباشر للإحرام العمل مقيّداً بإتيان النسك بعده على وجه
( صفحه 156 )
خاصّ بحيث لم يكن قاصداً للإحرام إذا كان المخرج له عن الإحرام الإتيان بالنسك على وجه آخر لم يكن عليه رعاية صحّة النسك في نظره; بل جاز له الاكتفاء بالصحّة في نظر الغير.
مثلاً لو قصد المعتمر حين إحرامه الاكتفاء بالطواف خارج الحدّ ولا يرى هو كفاية ذلك في صحّة العمرة، مع اعتقاد المنوب عنه الكفاية لم يكن بأس بالاكتفاء بالطواف الصحيح في نظر المنوب عنه; والسرّ في ذلك: أنّه غير متلبّس بالإحرام في نظره ليحتاج في خروجه عنه إلى طواف صحيح في
نظره; فإنّ العمرة عمل مركّب ارتباطي، وما لم يكن المكلّف قاصداً لمجموع العمل لا ينعقد شيء من عمله، ولذا لو كان المصلّي عازماً في مبدأ صلاته على ترك بعض أجزائها لم تنعقد صلاته وإن بدا له فعل ذاك الجزء حين الوصول إلى محلّه.
نعم هناك حكم لمباشر الحجّ والعمرة وهو عدم جواز التجاوز من الميقات ولا دخول مكّة أو الحرم إلاّ محرماً على وجه صحيح; فلو قصد الإحرام مقيّداً على وجه لا يعتقد صحّته لم يجز له التجاوز من الميقات ولا دخول مكّة.
كما أنّ قصده الإحرام على الوجه المقيّد إنّما يجوز ويتمشّى منه قصد القربة له إذا كان محتملاً لصحّته واقعاً وإن كانت الحجّة على عدم الصحّة; فإنّ ذلك لا ينافي تمشي قصد القربة، كما هو واضح(1).
(1) يمكن الإشكال في تقيّد وقوع العبادات بالقيد الذي قصده الفاعل، كما لو قصد شخص امتثال الأمر بالصلاة على تقدير مجيء ابنه وهو شاكّ في ذلك; فإنّه لا يقع امتثاله معلّقاً على تعليقه; بل يقع امتثاله فعلاً، حيث إنّ الصلاة ليست إلاّ الأفعال الخاصّة مع قصد التقرّب; فإذا تحقّق ذلك كلّه وقع الامتثال، ولا أثر للتعليق. وعلى هذا الأساس لو قصد الفاعل أمراً لا واقع له على وجه التقييد صحّ عمله إذا كان العمل مأموراً بأمر آخر; كما لو قصد صوم عاشوراء بعنوانه ولم يكن صوم ذاك اليوم مطلوباً بخصوصيّته فإنّه يقع أصل الصوم امتثالاً وعبادة; وإن لم يكن امتثال الأمر العام بالصوم مقصوداً له; فإنّ المراد بالامتثال الصحّة ومطابقة العمل للأمر وإن لم يكن امتثال ذاك الأمر مقصوداً للفاعل.
وإن شئت قلت: إنّ صحّة العمل ليست أمراً قصديّاً، فلا معنى لتعليق الصحّة على تقدير إلاّ إذا رجع التعليق إلى التعليق في أمر قصدي.
وعليه فما يصدر من بعض من تقييد قصد الإحرام بما يتلوه من النسك على وجه خاصّ كالطواف خارجاً عن حدّ المقام وذبح الهدي خارجاً من منى وما شاكل ذلك بحيث لو كانت الوظيفة هي خلاف ذلك لم يكن الإحرام مقصوداً من الأوّل، لا أثر له في تقيّد وقوع الإحرام على ذلك التقدير، بل ينعقد الإحرام مطلقاً، ولا يتحلّل المحرم حينئذ إلاّ بما قامت الحجّة على الخروج من الإحرام بسببه; حيث إنّ الإحرم ليس إلاّ التلبية مشروطاً بوقوعها في الميقات مع قصد التقرّب في ظرف الأمر به، وكلّ ذلك متحقّق في الفرض المتقدّم. وأمّا كون ذاك الأمر بعينه مقصوداً للفاعل فلا يقوّم الإحرام، وإنّما مقوّمه قصد القربة ولو بدون قصد ذاك الأمر.
نعم، ذكرنا في محلّه أنّه إذا أمكن فعلاً وقوع العمل على أكثر من وجه لتعدّد الأمر بعمل مشترك في الصورة يتعيّن في مثل ذلك قصد الأمر الخاصّ فلا يمتثل الأمر بدون ذلك; وذلك كالأمر بصلاة ركعتي الفجر ونافلته ومطلق النافلة وقضاء صلاة الفجر; فإنّ هذه أربع صلوات متّحدة في الصورة ولا يميّز بعضها عن بعض في مقام الامتثال عدا قصد أمره الخاصّ; يترتّب أثر العنوان الخاصّ بدون امتثاله الموقوف على قصد أمره; إذ بدون قصد الأمر الخاصّ لا مرجّح لوقوع العمل على بعض الوجوه، فيكون قصد الأمر في مثل ذلك مقوّماً للامتثال. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن للعمل إلاّ وجه واحد كصوم شهر رمضان; فإنّه يكفي لامتثال أمره قصد الصوم وإن لم يقصد عنوانه الخاصّ ما لم يكن قاصداً خلاف ذلك فإنّه يخلّ بقصد القربة ولا يتمشّى قصد التقرّب معه بعد العلم بعدم وقوع صوم غير شهر رمضان في هذا الشهر.
وبالجملة: ففيما أمكن وقوع العمل على وجوه لو لم يقصد الفاعل أمراً خاصّاً يلغى العمل كما لو كان عليه قضاء صلاة فجر ويمكنه فعل صلاة فجر أدائية، فلو صلّى ركعتين مردّدتين لم تقع قضاءً ولا أداءً.
( صفحه 157 )
وأيضاً صحّة صلاة النائب في حجّ وغيره موضوع لجواز الائتمام
( صفحه 158 )
وصحّته، والعبرة في الصحّة بثبوتها بنظر المأموم واعتقاده جواز الاقتداء وصحّته. هذا من حيث جواز الاقتداء، وكذا العبرة بثبوتها بنظر الإمام في صحّة إمامته بمعنى ترتيبه آثار صلاة الجماعة من الرجوع إلى المأموم عند الشكّ، ولا عبرة في ذلك كلّه بثبوت الصحّة بنظر الميّت أو وليّه.
كما أنّه لو كانت الصلاة فاسدة في نظر المأموم لم يجز له الائتمام وترتيب آثار الجماعة وإن كانت صحيحة بنظر الإمام فضلاً عن المنوب وغيره.
ولو كانت الصلاة فاسدة في عقيدة الإمام لم يجز له الرجوع إلى المأموم عند الشكّ وإن جازت إمامته بمعنى جواز الاقتداء به لمن يرى صحّة عمله; لعدم تقوّم الجماعة بقصد الإمام لها بل هي متقوّمة بقصد المأموم; ولذا يجوز الاقتداء بمَن لا يدري ولا يحتمل اقتداء الغير به. نعم، استحقاق الإمام لثواب الجماعة منوط بقصده لها، وهذا أمر آخر.
نوع حق الميّت في تركته بالنسبة إلى النيابة الواجبة عنه
بقي في المقام شيء، وهو إنّ من جملة الأحكام التي موضوعها صحّة العمل هو إرث التركة بحيث لا إرث إلاّ بعد صحّة عمل النائب، فإذا اعتقد الوارث صحّة العمل ورث، وأمّا إذا اعتقد البطلان ـ ولو بحجّة ـ مع أنّ وصيّ الميّت أو وليّه ممّن هو مأمور بالاستنابة عنه يعتقد الصحّة ففي الحكم بالإرث تفصيل يبتني على كيفيّة تعلّق حقّ الميّت بماله لصرفه في النيابة عنه؟
( صفحه 159 )
فإمّا أن يكون حقّه من قبيل الإشاعة أو من قبيل الكلّي في المعيّن أو من قبيل حقّ الرهانة أو غير ذلك. وقد تعرّض السيد اليزدي في العروة لما يناسب هذا الفرع في مسائل النيابة في الحجّ.
والذي يلوح لي عاجلاً أنّ تعلّق حقّ الميّت من قبيل تعلّق الدَّين بالتركة وأنّه من قبيل الكلّي في المعيّن مع جواز أدائه من غير التركة أيضاً; فما دام لم يؤدّ من مال آخر فتعلّقه بالتركة من قبيل الكلّي في المعيّن; فيشبه حقّ الرهانة; فإذا وفت حصّة الوارث بصرفها في الحجّ تعيّن ذلك; وحيث إنّ الوارث يعتقد شركته واقعاً مع بقيّة الورثة فيما قسّموه من الحصص فيرفع الأمر إلى الحاكم; وإذا تحقّقت شروط المقاصّة بجحد بقيّة الورثة جاز له التقاص. نعم يبقى عليه أنّ صرفه حصّته في دين الميّت موقوف على رضى سائر الورثة، فإذا لم يكونوا جاحدين للدَّين ـ لجهلهم به وعدم حجّة عليهم في ذلك ـ فكيف يتولّى هو أداء الدين وليس له ولاية على سائر الورثة؟!
فاتّضح الكلام في ضابط كفاية العمل عن المنوب عنه بحيث لا يجب عليه الاستنابة ثانياً لو كان حيّاً ولا على الوليّ لو كان هو المستنيب، وأنّه ما لم يأت النائب بالعمل على وجه يعتقد المنوب عنه أو المستنيب ـ ولو عن تقليد ـ كفايته لا يكون مجزياً عنه; لأنّه مأمور بالاستنابة في العمل الصحيح لا مطلق العمل، فإذا اعتقد المنوب عنه اشتراط الإحرام بالصلاة والغسل فهو يرى بطلان الإحرام الفاقد لذلك، فيكون إطلاق تكليفه بالاستنابة قاضياً بوجوب تجديد الاستنابة، ولا موجب لتقييد الشرط بمن يرى الشرطية.
( صفحه 160 )
وبذلك يفترق المقام عمّا إذا كان العمل مجزياً للمباشر واقعاً; لكونه الوظيفة الواقعيّة له ولو في ظرف خاصّ كالنسيان ونحوه; فلو ناب النائب عن غيره في صلاة وأخلّ بغير الخَمس أجزأت عن المنوب عنه; لقصور الشرطية والجزئية عن هذا الفرض، فيكون العمل صحيحاً; فإذا كانت الوظيفة النيابة في عمل صحيح فهو يعمّ مثل ذلك، ومع الشكّ في كفاية مطلق الصحيح ـ ولو بمثل ما كانت صحّته ثابتة بقاعدة «لا تعاد» فالمرجع الاُصول العملية وقد تقدّم اقتضاؤها البراءة; ومع الدليل على عدم جواز الاستنابة في مثل ذلك يحكم بعدم الإجزاء.
وهذا بخلاف المقام الذي لم تثبت صحّة العمل من النائب، بل ثبت بالحجّة بطلانها.
وإنّما المحتمل إجزاء العمل الباطل ـ حسب القواعد ـ عن المنوب عنه; وهو ممّا لا يساعده ظهور دليل الاستنابة; فإنّه ظاهر في الاستنابة في العمل الصحيح; أعني ما للمكلّف حجّة على الصحّة ولو تقليداً.
والمراد من الصحيح ما يشمل المجزي ولو على أساس اقتضاء أصل البراءة ونحوها وإن لم تثبت صحّته.
نعم، لو كان لدليل الاستنابة إطلاق لمثل ما إذا كان العمل صحيحاً في اعتقاد المباشر وفاسداً في نظر المنوب عنه ـ ولو تقليداً ـ أو كان دليل الاستنابة مجملاً على الأقلّ جاز الاكتفاء بذلك للمنوب عنه، أمّا في الأوّل فظاهر; وأمّا في الثاني فلأصل البراءة عن وجوب الزائد عن ذلك كما تكرّر; فإنّه من الأقلّ والأكثر الارتباطيين لدوران الأمر فيه بين التعيين والتخيير.
( صفحه 161 )
وبالجملة: فمقتضى عقيدة المنوب عنه ـ ولو عن تقليد ـ إذا كان بطلان عمل النائب فلا موجب لكفايته عن المنوب عنه حيث لم يقم عليه دليل خاصّ، والمفروض عدمه.
إن قلت: الدليل على الإجزاء في المقام هو الدليل القاضي بإجزاء العمل عن تقليد صحيح فيما عمل المكلّف على أساسه مدّة ثمّ وجب عليه تقليد آخر لموت المقلّد الأوّل وغيره فليكن هو دليلاً على الإجزاء في المقام.
قلت: مقتضى القاعدة هناك أيضاً عدم الإجزاء; إلاّ أنّه نرفع اليد عن القاعدة إمّا للإجماع المدّعى أو للإطلاق المقامي، بل اللفظي في الأدلّة اللفظية لجواز التقليد; كما في الإرجاع إلى الرواة وأخذ معالم الدِّين منهم وأمرهم بالإفتاء; فإنّ بطلان العمل في أمثال ذلك ـ مع العدول عن التقليد ونحوه ـ ممّا يغفل عنه العامّة، فلو كان ثابتاً لنبّه عليه في النصوص، ولو نبّه عليه لعلم ولبانَ واشتهر لكثرة الابتلاء به.
ومن هنا يظهر وجه رابع للإجزاء، وهو كون المسألة ممّا يعمّ الابتلاء بها، فلو كانت الوظيفة فيها الإعادة والتكرار لكان معروفاً معلوماً.
وشيء من هذه الوجوه لا مجرى له في المقام.
لا يقال: لعلّ الترخيص في التقليد والأخذ بأخبار الثقاة كما هو عليه في بناء العقلاء حيث يعتمدون على الخبير والثقة من دون أن يثبت لهما موضوعيّة سوى الكاشفية بحيث لا يجزيان عن الواقع عند انكشاف الخلاف.
قلت: فرق بين اعتبار التقليد والخبر شرعاً عمّا هما عليه عند العقلاء،
( صفحه 162 )
وذلك للترخيص في العمل بأحد الخبرين أو الرأيين عند التعارض، مع أنّ الحكم عند العقلاء هو التساقط; فما تضمّن جواز العمل بأحد المتعارضين يدلّ بإطلاقه المقامي لو لم يكن اللفظي على عدم وجوب الإعادة والتكرار على تقدير انكشاف الخلاف علماً; فضلاً عمّا إذا كان كشف الخلاف تعبّداً.
فلو فرض أنّ المكلّف قلّد من يقول بكفاية غسل المتنجّس بالبول مرّة في الكرّ وصلّى على هذا المنوال ثمّ قلّد من يقول باعتبار التعدّد ـ لكونه أعلم فعلاً من الآخر وإن لم يكن كذلك في ظرف التقليد الأوّل وربّما لم يكن مجتهداً آنذاك ـ لم تجب عليه إعادة ما صلاّها سابقاً، وإن وجب عليه من الآن العمل على طبق التقليد الثاني، بل ويجب عليه ـ طبقاً للتقليد الثاني ـ غسل ما غسله سابقاً على طبق التقليد الأوّل إذا كان موجوداً فعلاً.
بل يمكن أن يقال: إنّ مذاهب العامّة في الفروع تعتبر مصداقاً للتقليد; فلو فرض في اعتقاد العامّة الإجزاء على تقدير العدول من مذهب إلى غيره كالحنبلي يعدل إلى الشافعي دخل هذا فيما تكرّر منّا من أنّ الفتوى في المسائل سيما التي يعمّ الابتلاء بها حيث تكون في مرآى ومسمع المعصومين (عليهم السلام) ، فلو كانت باطلة لنبّه على ذلك كما هو دأب الأئمّة (عليهم السلام) في المسائل على ما يظهر من التتبّع في الموارد الكثيرة; ولا يكتفون بظهور اختلال الحكم من بعض الجهات، بل ينبّهون على اختلاله من سائر الجهات أيضاً، فمثلاً بعد اشتراط صحّة الأعمال بولاية الأئمّة (عليهم السلام) لا يكتفون (عليهم السلام) بذلك عن التنبيه على فساد عمل المخالفين من سائر الجهات كالإخلال بشرائط الوضوء والصلاة وغيرهما.
( صفحه 163 )
كما يمكن الاستدلال أيضاً لحكم التقليد مع اختلاف المراجع بما ورد في الأخبار المتعارضة.
هذا بالغضّ عمّا تضمّن عدم وجوب الإعادة على المستبصر; فإنّه قد يشكل بعدم دلالته على عدم وجوب الإعادة في العدول من تقليد شيعي إلى غيره.
هل تصح الإجارة على العمل المشكوك صحّته؟
ثمّ إنّه يقع الكلام في الجهة الاُخرى أعني استحقاق الاُجرة وصحّة الإجارة، فنقول بعد التوكّل على الله:
إنّه قد يعيّن على الأجير كيفيّة خاصّة أو يرخّص فيها فالأمر تابع لما جعل عليه في عقد الإجارة من تعيين أو تخيير; كما لو عيّن عليه الطواف بين البيت والمقام أو رخّص في التجاوز عن الحدّ.
ثمّ الأجير إذا لم يعلم بعلم وجداني ـ لا تعبّداً ـ بطلان العمل المرخّص فيه أو المعيّن عليه بحيث أمكنه قصد القربة بما جعل عليه صحّت الإجارة واستحقّ الأجر وإن اقتضت الحجّة عليه بطلان العمل; فإنّه يكفي في صحّة الإجارة كون العمل غير محرّم وأن يكون فيه غرض عقلائي للمستأجر. ولا تتوقّف صحّة الإجارة على مشروعيّة العمل واقعاً لتكون الحجّة على عدم مشروعيّة العمل حجّة على بطلان الإجارة.
وإنّما اعتبرنا في صحّة الإجارة عدم العلم الوجداني ببطلان العمل