( صفحه 23 )
مات على وتر، فإن لم يحدث به حدث الموت يصلّي الوتر في آخر الليل.
فقلت: هل صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاتين الركعتين؟ قال: لا. قلت: ولِمَ؟ قال: لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتيه الوحي، وكان يعلم أنّه هل يموت في هذه (تلك خ ل) الليلة أم لا، وغيره لا يعلم، فمن أجل ذلك لم يصلّهما، وأمر بهما(1).
وأمّا ما يدلّ على أنّها ست وأربعون، فهي رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التطوّع بالليل والنهار؟ فقال: الذي يستحبّ أن لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس، وبعد الظهر ركعتان، وقبل العصر ركعتان، وبعد المغرب ركعتان، وقبل العتمة ركعتان، ومن (وفي خ ل) السحر ثمان ركعات، ثمّ يوتر، والوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثمّ ركعتان قبل صلاة الفجر، وأحبّ صلاة الليل إليهم آخر الليل(2).
وأمّا ما يدلّ على أنّها أربع وأربعون، فهي صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إنّي رجل تاجر أختلف وأتّجر، فكيف لي بالزوال والمحافظة على صلاة الزوال؟ وكم تصلّي؟ قال: تصلّي ثماني ركعات إذا زالت الشمس، وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، فهذه اثنتا عشرة ركعة، وتصلّي بعد المغرب ركعتين، وبعدما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر، ومنها ركعتا الفجر، فتلك سبع وعشرون ركعة سوى الفريضة.
وإنّما هذا كلّه تطوّع وليس بمفروض، إنّ تارك الفريضة كافر، وإنّ تارك
(1) علل الشرائع: 330 ح1، وعنه وسائل الشيعة 4: 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح8 .
(2) تهذيب الأحكام 2: 6 ح11، الاستبصار 1: 219 ح777، وعنهما وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح2.
( صفحه 24 )
هذا ليس بكافر، ولكنّها معصية; لأنّه يستحبّ إذا عمل الرجل عملاً من الخير أن يدوم عليه(1).
وهنا رواية بها يرتفع الاختلاف لأجل تعيينها لما هو الحقّ; لوقوعها جواباً عن السؤال عن وجود الاختلاف; وهي رواية البزنطي قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إنّ أصحابنا يختلفون في صلاة التطوّع، بعضهم يصلّي أربعاً وأربعين، وبعضهم يصلّي خمسين، فأخبرني بالذي تعمل به أنت، كيف هو حتّى أعمل بمثله؟
فقال: اُصلّي واحدة وخمسين ركعة، ثمّ قال: امسك ـ وعقد بيده ـ الزوال ثمانية، وأربعاً بعد الظهر، وأربعاً قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل العشاء الآخرة، وركعتين بعد العشاء من قعود تعدّان بركعة من قيام، وثمان صلاة الليل، والوتر ثلاثاً، وركعتي الفجر، والفرائض سبع عشرة، فذلك إحدى وخمسون(2).
ومراد السائل من قوله: «بعضهم يصلّي خمسين» يمكن أن يكون هو الواحدة والخمسين على ما عرفت. وعليه: فالجواب ناظر إلى تعيين قول هذا البعض، كما أنّه على التقدير الآخر يكون الجواب نافياً لكلا القولين.
وعلى أيّ، فالرواية بلحاظ السؤال فيها، وكون المسؤول هو أبا الحسن الرضا (عليه السلام) ، المتأخّر زماناً عن الأئمـّة (عليهم السلام) ، التي رويت عنهم الروايات المتقدّمة،
(1) تهذيب الأحكام 2: 7 ح13، وعنه وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح1.
(2) الكافي 3: 444 ح8 ، تهذيب الأحكام 2: 8 ح14، وعنهما وسائل الشيعة 4: 47، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح7.
( صفحه 25 )
ترفع الاختلاف وتعيّن الحقّ، فلا يبقى إشكال حينئذ.
ويمكن الجمع بين الأخبار المختلفة في نافلتي العصر والمغرب بالحمل على مراتب الاستحباب، وأنّ الإتيان بأربع ركعات في نافلة العصر يشترك مع الإتيان فيها بثمان ركعات في أصل فضيلة نافلة العصر، ولكنّه واقع في المرتبة الدانية، وهي في المرتبة العالية، وكذا في نافلة المغرب، ولا ينافيه التعبير عنه بالاختلاف في رواية البزنطي المتقدّمة; فإنّ المراد حينئذ هو الاختلاف في مقام العمل دون الفتوى; وإن كان ظاهرها هو العمل المستمرّ الناشىء عن الفتوى بذلك، دون العمل أحياناً.
ويؤيّد هذا الجمع التعبير عن تمام الخمسين بأفضل ما جرت السنّة به من الصلاة في رواية محمد بن أبي عمير المتقدّمة، وعن الستّ والأربعين بأنّه يستحبّ أن لايقصر منه في رواية أبي بصير المتقدّمة أيضاً، وإن كان المناسب حينئذ وقوع هذا التعبير في رواية الأربع والأربعين.
ثمّ إنّه على تقدير عدم إمكان الجمع بالنحو المذكور، وعدم كون رواية البزنطي رافعة للاختلاف، ووصول النوبة إلى قواعد باب التعارض، فالترجيح مع الطائفة الاُولى; لموافقتها للشهرة(1) من حيث الفتوى، بل المجمع عليه بين الأصحاب(2)، وقد تقرّر في محلّه أنّ أوّل المرجّحات هي الشهرة الفتوائيّة(3).
(1) تقدّم تخريجها في ص19.
(2) الانتصار: 159، الخلاف 1: 525 ـ 526 مسألة 266، المهذّب البارع 1: 278، غاية المرام 1: 115، مجمع الفائدة والبرهان 2: 4.
(3) دراسات في الاُصول 2: 431 ـ 436، سيرى كامل در اصول فقه 16: 532 وما بعدها.
( صفحه 26 )
ثمّ إنّه ورد في بعض الروايات ما يدلّ بظاهره على أنّ نافلة الظهر أربع ركعات; وهو ما رواه الحميري في قرب الإسناد، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) أنّه كان يقول: إذا زالت الشمس عن كبد السماء فمن صلّى تلك الساعة أربع ركعات فقد وافق صلاة الأوّابين، وذلك بعد نصف النهار(1).
ولكنّها ـ مضافاً إلى عدم صحّة سندها; لأنّ حسين بن علوان من الزيديّة ـ محمولة على التقيّة من جهة موافقتها لمذهب الحنفيّة(2)، إلاّ أن يقال بأنّ الجمع بين الروايات بالحمل على مراتب الاستحباب يشمل نافلة الظهر أيضاً بعد الإغماض عن سند الرواية، أو الرجوع إلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن(3)، فتدبّر.
وينبغي التنبيه في هذه المسألة على أمرين:
أحدهما: أنّ اختلاف تعبير النصوص ـ في نافلة العصر بكونها ثمانياً قبل العصر، أو ستّاً بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، أو أربعاً قبل العصر وأربعاً بعد الظهر، وهكذا في نافلة المغرب بكونها أربعاً بعد المغرب، أو ركعتين بعدها، وركعتين قبل العشاء الآخرة ـ لا يكون إلاّ من الاختلاف في التعبير، والمقصود من الكلّ واحد وإن استفاد المحقّق الهمداني (قدس سره) (4) من هذه الجهة
(1) قرب الإسناد: 115 ح403، وعنه وسائل الشيعة 4: 94، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب28 ح4.
(2) راجع المغني لابن قدامة 1: 765، والبدائع الصنائع 1: 636 ـ 637، وردّ المحتار على الدّر المختار شرح تنوير الأبصار 2: 451.
(3) العناوين 1: 420 قاعدة 15، عوائد الأيّام: 793 عائدة 81 ، مناهج الأحكام: 178.
(4) مصباح الفقيه 9: 31 ـ 37.
( صفحه 27 )
مطلباً في الأمر الثاني الذي ننبّه عليه الآن.
ثانيهما: أنّه لا ريب في أنّ نافلة كلّ فريضة عبادة مستقلّة لا ارتباط لها بنافلة فريضة اُخرى، فيجوز الإتيان بها وإن ترك غيرها من النوافل، وهذا ممّا لا إشكال فيه، إنّما الإشكال في أنّ النوافل التي تكون أزيد من صلاة واحدة ـ مثل نافلة المغرب المركّبة من صلاتين، ونافلة الظهر أو العصر المركّبة من أربع صلوات، كلّ واحدة منها ركعتان، بناءً على لزوم الإتيان بالنوافل ركعتين ركعتين، كما هو المشهور(1)، وادّعي عليه الإجماع(2)، كما أنّها تكون متعدّدة بما أنّها مصداق لعنوان الصلاة بلا ريب ـ هل تكون أيضاً متعدّدة بعنوان أنفسها، أم لا؟
وبعبارة اُخرى: هل تكون للظهر مثلاً نافلة واحدة مركّبة من أربع صلوات، أو نوافل متعدّدة حسب تعدّد الصلوات.
فعلى الأوّل: تصير مثل صلاة جعفر (عليه السلام) (3)، التي لا يترتّب عليها شيء من الآثار المترتّبة عليها، المترقّبة منها: من غفران الذنوب، وسعة الرزق، وغيرهما من الآثار إلاّ بعد الإتيان بأربع ركعات المركّبة من صلاتين مفصولتين.
وعلى الثاني: كالنوافل المطلقة، ظاهر الروايات الواردة في الباب(4) هو
(1) في الحدائق الناضرة 6: 75، المعروف من مذهب الأصحاب. ولم نعثر على من ادّعى الشهرة عاجلاً.
(2) الخلاف 1: 527 مسألة 267، غنية النزوع: 106 ـ 107، السرائر 1: 193، مجمع الفائدة والبرهان 3: 40، وحكاه في مفتاح الكرامة 5: 38 عن إرشاد الجعفريّة.
(3) وسائل الشيعة 8 : 49 ـ 53، كتاب الصلاة، أبواب صلاة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) ب1.
(4) راجع وسائل الشيعة 4: 45 ـ 66، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ـ 15.
( صفحه 28 )
كون المجموع نافلة واحدة متعلّقة لأمر استحبابيّ واحد وإن كانت بما هي صلاة متعدّدة; فإنّ مثل قوله (عليه السلام) : «ثمان ركعات للظهر»(1) ليس له ظهور إلاّ في كون الثمان كالأربع التي هي فريضة الظهر متعلّقة لأمر واحد، غاية الأمر اختلاف الأمرين في الوجوب والاستحباب، واختلاف العبادتين في كونها صلاة واحدة أو متعدّدة. وأمّا من جهة عدم تعدّد الأمر، والعنوان الواحد المأمور به، فلا اختلاف بينهما.
ويظهر من الجواهر خلاف ذلك، ونسبه إلى العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) ، واستدلّ عليه بالأصل وتحقّق الفصل، وهو يقتضي التعدّد وعدم وجوب إكمالها بالشروع فيها، وكونها مشروعة لتكميل الفرائض، فيكون لكلّ بعض منها قسط منه(2).
ويرد على التمسّك بالأصل ـ مضافاً إلى أنّه لا مجال له مع وجود الدليل الاجتهادي مطلقاً موافقاً كان أم مخالفاً، وقد عرفت ظهور الروايات في كون المجموع نافلة واحدة متعلّقة لأمر استحبابي واحد ـ : أنّ محلّ البحث في المقام هو ارتباط الأجزاء والصلوات المتعدّدة بعضها مع بعض، والأصل الذي يتصوّر هو استصحاب عدم الارتباط بلحاظ أنّه قبل تشريع النافلة لم يكن ارتباط بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فيستصحب العدم وينتج عدم الارتباط بعد تشريعها أيضاً.
وقد قرّرنا في محلّه(3) أنّه لا أصل لمثل هذه الاُصول التي كانت الحالة
(1) تقدّم في ص23.
(2) جواهر الكلام 7: 54 ـ 55.
(3) سيرى كامل در اُصول فقه 8 : 239 ـ 248، وج15: 318.
( صفحه 29 )
السابقة المتيقّنة منتفية بانتفاء الموضوع، والحالة المشكوكة هي المنتفية بانتفاء المحمول، بل الأصل الذي يمكن التمسّك به في المقام هي أصالة عدم استحباب الأقلّ من المجموع، بعد وضوح كون المجموع مستحبّاً قطعاً بجميع أجزائه وأبعاضه، ومنه يعلم الفرق بين المقام، وبين مسألة الأقلّ والأكثر الارتباطيين المعروفة(1); فإنّه في تلك المسألة يكون تعلّق الأمر بالأكثر كتعلّقه بالأقلّ مشكوكاً، فهذا الدليل غير تامّ.
وأمّا تحقّق الفصل وجواز الإتيان بالمنافي بين كلّ ركعتين، فهو يقتضي التعدّد بما أنّها صلاة ولا بحث فيها، ولكنّه لا يقتضي التعدّد بما أنّها نافلة الظهر مثلاً، وذلك كصلاة جعفر (عليه السلام) ; فإنّها مع تحقّق الفصل بين كلّ ركعتين لا تكون إلاّ عملاً واحداً مستحبّاً.
وأمّا عدم وجوب إكمالها بالشروع فيها، فهو لا دلالة له على اتّصاف البعض المأتيّ بكونه منطبقاً عليه عنوان المأمور به; لأنّه لا منافاة بين اعتبار الارتباط بين الأبعاض، والحكم بعدم وجوب الإكمال وجواز رفع اليد عنه في الأثناء، كما أنّ النافلة المطلقة يجوز قطعها بناءً على الجواز، ولا يوجب اتّصاف المأتيّ به بكونه صلاة مترتّباً عليها آثار الصلاة ومزاياها، كما لا يخفى.
وأمّا كونها مشروعة لتكميل الفرائض، فهو أيضاً لا يقتضي جواز التقسيط بحيث كان كلّ قسط دخيلاً في التكميل مستقلاًّ، وإلاّ لجاز الاقتصار على بعض صلاة واحدة، كالركعة وما دونها أيضاً.
(1) كفاية الاُصول: 413، مصباح الاُصول، موسوعة الإمام الخوئي 1: 494، سيرى كامل در اُصول فقه 12: 327 وما بعدها.
( صفحه 30 )
وأمّا ما أفاده المحقّق الهمداني (قدس سره) في مطاوي كلماته من أنّ مغروسيّة كون الأبعاض في حدّ ذاتها بعنوان كونها صلاة عبادات مستقلّة في النفس، وكون كلّ منها في حدّ ذاتها مشتملة على مصلحة مقتضية للطلب، وكون الأعداد الواقعة في حيّز الطلب غالباً عناوين إجماليّة انتزاعيّة عن موضوعاتها توجب صرف الذهن إلى إرادة التكليف غير الارتباطي، كما لو أمر المولى عبده بأن يعطي زيداً عشرين درهماً(1).
فيرد عليه: أنّ الأبعاض وإن كانت بعنوان كونها صلاة عبادات مستقلّة، إلاّ أنّ العنوان المأمور به أخصّ من ذلك العنوان، وقد عرفت(2) ظهور الروايات في وحدة متعلّق الأمر; فإنّ نافلة الظهر نافلة واحدة متعلّقة للأمر الاستحبابي، لا نوافل متعدّدة، ووقوع الأعداد في حيّز الطلب لا دلالة فيه على التكليف غير الارتباطي; فإنّ الأقلّ والأكثر تارة: يكون استقلاليّاً، واُخرى: يكون ارتباطيّاً، ولا دلالة فيه على الأوّل.
ثمّ إنّه أفاد المحقّق المزبور أنّه لا ينبغي الاستشكال في جواز الاقتصار في نافلة المغرب على ركعتين، وفي نافلة العصر على أربع ركعات; لدلالة بعض الأخبار عليه(3)، بل الظاهر جواز الإتيان بركعتين من نافلة العصر; لما في غير واحد من الأخبار الآمرة بأربع ركعات بين الظهرين من التفصيل بالأمر
(1) مصباح الفقيه 9: 38.
(2) في ص28.
(3) تهذيب الأحكام 2: 6 ـ 7 ح11 ـ 13، الاستبصار 1: 219 ح777، الفقيه 1: 146 ح678، وعنها وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح1 ـ 3 وص 61 ح6.
( صفحه 31 )
بركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر(1); فإنّ ظاهرها بشهادة السياق أنّ كلّ واحد من العناوين المذكورة في تلك الروايات نافلة مستقلّة، فللمكلّف الإتيان بكلّ منها بقصد امتثال الأمر المتعلّق بذلك العنوان من غير التفات إلى ما عداها من التكاليف.
ثمّ قال: وبهذا ظهر أنّه يجوز الإتيان بستّ ركعات أيضاً من نافلة العصر; لقوله (عليه السلام) في موثّقة سليمان بن خالد: صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، وستّ ركعات بعد الظهر، وركعتان قبل العصر، الحديث(2); فإنّ ظاهرها كون الستّ ركعات في حدّ ذاتها نافلة مستقلّة.
وفي خبر عيسى بن عبد الله القمّي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) : إذا كانت الشمس من هاهنا من العصر فصلِّ ستّ ركعات(3).
واستظهر بعد ذلك من رواية حسين بن علوان المتقدّمة(4) ـ المرويّة في قرب الإسناد ـ جواز الاقتصار في نافلة الزوال أيضاً على أربع ركعات(5).
ويرد عليه: أنّ الروايات الدالّة على جواز التفريق في نافلة العصر وكذا المغرب لا دلالة لها على الاستقلال، ولا منافاة بينها، وبين الروايات الدالّة على الثمان بنحو الاجتماع; فإنّ جواز التفريق الراجع إلى الإتيان بالمجموع
(1) المصدر السابق.
(2) تهذيب الأحكام 2: 5 ح8 ، وعنه وسائل الشيعة 4: 51، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح16.
(3) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشي»: 333، الرقم 610، وعنه وسائل الشيعة 4: 62، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح8 .
(4) في ص26.
(5) مصباح الفقيه 9: 34 ـ 35.
( صفحه 32 )
في وقتين أمر، والاستقلال الراجع إلى اتّصاف كلّ صلاة بأنّها نافلة مستقلّة أمر آخر. وعليه: فلا معارض; لظهور الروايات الدالّة على الثمان بنحو الاجتماع في الارتباط، وعدم الاستقلال من جهة الدليل على جواز التفريق.
وأمّا الروايات الدالّة على أنّ نافلة العصر أقلّ من الثمان، والمغرب أقلّ من الأربع، فإن جمعنا بينها، وبين الروايات(1) الدالّة على الأكثر بالحمل على اختلاف مراتب الفضل والاستحباب، فاللاّزم هو الالتزام بجواز الاقتصار على مفادها، وأنّه لا يجوز الاكتفاء بما دونه.
وعليه: فيجوز التعميم بالإضافة إلى نافلة الزوال أيضاً; وإن كانت الرواية الدالّة عليه(2) ضعيفة السند; لقاعدة التسامح في أدلّة السنن، ومجرّد موافقتها لفتوى أبي حنيفة(3) لا يوجب الحمل على التقيّة بعد ثبوت الجمع الدلالي على ما هو المفروض، ووجود التسامح في مثله.
وإن جعلنا رواية البزنطي المتقدّمة(4) رافعة للاختلاف ومعيّنة لما هو الحقّ، بناءً على أن يكون المراد من الاختلاف الذي وقع فيها السؤال عنه هو الاختلاف في الفتوى والنظر، فلا يجوز الاقتصار لمن يريد الإتيان بالنوافل على الأقلّ; لأنّ مرجعها إلى رفع اليد عن جميع الروايات الدالّة على الخلاف.
وأمّا بناءً على أن يكون المراد من الاختلاف فيها هو الاختلاف في مقام العمل، ومرجعه حينئذ إلى استفسار حال الإمام (عليه السلام) ، وأنّه في مقام العمل يأتي بأيّة مرتبة
(1) وسائل الشيعة 4: 45 ـ 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13.
(2 ، 3) تقدّم تخريجهما في ص26.
(4) في ص24.
( صفحه 33 )
من المراتب، فلا دلالة لرواية البزنطي على عدم اختلاف المراتب، بل يقرّر ثبوته.
ولكن هذا الاحتمال بعيد; وإن كانت الألفاظ الواقعة في السؤال تؤيّده; لوضوح أنّه بناءً على اختلاف المراتب تكون المرتبة العالية هي المشتملة على الأكثر، فلا يبقى مجال للسؤال حينئذ; وإن كان يمكن أن يقال بأنّ السائل على هذا التقدير لا يكون عالماً بالمرتبة العالية من حيث العدد.
وبالجملة: فهذا الاحتمال بعيد، والظاهر هو الاحتمال الأوّل، وثمرته عدم جواز التبعيض وثبوت الارتباط.
ثمّ إنّ مقتضى كلامه(1) جواز الإتيان بنافلة الظهر ستّ ركعات أيضاً; لخبر رجاء ابن أبي الضحّاك، الدالّ على أنّ الرضا (عليه السلام) صلّى ستّاً من نافلة الظهر، ثمّ أذّن، ثمّ صلّى ركعتين(2); فإنّ الفصل بالأذان دليل على جواز الاقتصار على الستّ، بناءً على مبناه، فتدبّر.
هذا كلّه في غير صلاة الليل.
وأمّا صلاة الليل، فمقتضى بعض الروايات أنّها ثلاث عشرة ركعة بإدراج نافلة الفجر فيها أيضاً.
كرواية الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي ثلاث عشرة ركعة من الليل(3).
(1) أي المحقّق الهمداني (قدس سره) .
(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 180 ح5، وعنه وسائل الشيعة 4: 55، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح24.
(3) الكافي 3: 446 ح15، تهذيب الأحكام 2: 4 ح5 وص9 ح16، وعنهما وسائل الشيعة 4: 48، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح9.
( صفحه 34 )
ورواية اُخرى للحارث بن المغيرة في حديث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : كان أبي لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر ولا حضر(1).
ورواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة ـ منها الوتر وركعتا الفجر ـ في السفر والحضر(2).
ومقتضى بعض الروايات أنّ صلاة الليل ثمان، والوتر ثلاث، ونافلة الفجر ركعتان.
كرواية حنّان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثماني صلاة الليل، وثلاثاً الوتر، وركعتي الفجر، الحديث(3).
ورواية ابن أبي نصر البزنطي، المشتملة على قول الرضا (عليه السلام) : وثمان صلاة الليل، والوتر ثلاثاً، وركعتي الفجر(4).
ورواية سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثمان ركعات من آخر الليل... ثمّ الوتر ثلاث ركعات... ثمّ الركعتان اللّتان قبل الفجر(5).
وكذا الروايات المتعدّدة الواردة في الوتر، الدالّة على أنّها ثلاث ركعات تفصل بينهنّ(6).
(1) تهذيب الأحكام 2: 15 ح39، وعنه وسائل الشيعة 4: 90، كتاب الصلاة، أبواب أعدادالفرائض ب25 ح1.
(2) الكافي 3: 446 ح14، وعنه وسائل الشيعة 4: 91، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، ب25 ح6.
(3) الكافي 3: 443 ح5، تهذيب الأحكام 2: 4 ح4، الاستبصار 1: 218 ح774، وعنها وسائل الشيعة 4: 47، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6.
(4) تقدّمت في ص24.
(5) تهذيب الأحكام 2: 5 ح8 ، وعنه وسائل الشيعة 4: 51، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح16.
(6) وسائل الشيعة 4: 64، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب15 وغيره.
( صفحه 35 )
ومقتضى بعض الروايات أنّ صلاة الوتر مركّبة من صلاتين: إحداهما: معنونة بعنوان الشفع، والاُخرى: بعنوان الوتر.
كرواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، المشتملة على أنّ الشفع والوتر ثلاث ركعات(1).
ورواية رجاء بن أبي الضحّاك، الحاكية لفعل الرضا (عليه السلام) ، المشتملة على قوله: ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع... فإذا سلّم قام وصلّى ركعة الوتر(2).
ورواية الأعمش، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدِّين، المشتملة على قوله (عليه السلام) : والشفع ركعتان، والوتر ركعة(3).
فانقدح ممّا ذكرنا أنّه لا إشكال في جواز الاقتصار على نافلة الفجر; لأنّها نافلة مستقلّة متعلّقة لأمر كذلك، كما أنّه لا إشكال في جواز الاقتصار على الثمان صلاة الليل; لأنّها معنونة بعنوان واحد متعلّق لأمر كذلك، وكذا العكس; فإنّه يجوز الاقتصار على صلاتي الشفع والوتر وترك صلاة الليل.
وأمّا الاقتصار على خصوص الوتر الذي هي ركعة واحدة، فإن كان في ضيق الوقت فلا إشكال فيه، وإن لم يكن فيه، فيمكن استفادة الجواز من رواية معاوية بن وهب قال:
سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح ويوتر
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123 ب35 ح1، تحف العقول: 417، وعنهما وسائل الشيعة 4: 54، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح23.
(2) وسائل الشيعة 4: 56، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 قطعة من ح24.
(3) الخصال: 603 ح9، وعنه وسائل الشيعة 4: 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح25.
( صفحه 36 )
ويصلّي ركعتي الفجر ويكتب له بصلاة الليل(1).
وأمّا التبعيض في الثمان صلاة الليل، فالظاهر عدم جوازه; لأنّ ظاهر الأدلّة كون المجموع عملاً واحداً، وعبادة واحدة متعلّقة لأمر واحد، فلا يجوز التبعيض فيه وإن كان يستفاد من الجواهر(2) أنّه لا مانع منه فيه، كسائر النوافل المركّبة من صلوات متعدّدة، هذا تمام الكلام في المسألة الاُولى.
نافلة العشاء ووقتها
المسألة الثانية: في نافلة العشاء المسمّـاة بالوتيرة; لكونها بدلاً عن الوتر كما عرفت(3)، والكلام فيه من جهات:
الجهة الاُولى: في أنّه هل يتعيّن الجلوس فيها، أم يجوز القيام أيضاً؟
فنقول: أمّا بالنظر إلى فتاوى الأصحاب، فقد ذكر سيّدنا العلاّمة الاُستاذ البروجردي في بحثه الشريف ـ على ما قرّرته ـ أنّ الظاهر تسالم الفقهاء(4)إلى زمن الشهيد الأوّل على ثبوت الجلوس في نافلة العشاء، ولم يفت أحد منهم بجواز القيام فيها، وأنّ أوّل من أفتى به هو الشهيد في الدروس واللمعة(5)، وتبعه الشهيد والمحقّق الثانيان(6)، وقد اشتهر الفتوى بذلك بعدهم(7).
(1) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1391، وص341 ح1411، وعنه وسائل الشيعة 4: 258، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح3.
(2) جواهر الكلام 7: 55.
(3) في ص22.
(4) الهداية: 132، المقنعة: 91، المبسوط 1: 71، النهاية: 19، المهذّب 1: 68، غنية النزوع: 106، الوسيلة: 81، السرائر 1: 193، الجامع للشرائع: 58.
(5) الدروس الشرعيّة 1: 136، اللمعة الدمشقيّة: 9.
(6) الروضة البهيّة 1: 169، مسالك الأفهام 1: 137، جامع المقاصد 2: 9.
(7) نهاية التقرير 1: 67 ـ 70.
( صفحه 37 )
وأمّا بالنظر إلى الروايات الواردة في الباب، فكثير منها ظاهر في تعيّن الجلوس، وأنّ الركعتين تعدّان بركعة.
كخبري فضيل بن يسار المتقدّمين(1).
ورواية البزنطي المتقدّمة(2) أيضاً.
ورواية الفضل بن شاذان كذلك(3).
ورواية الأعمش أيضاً كذلك(4).
ورواية أبي عبد الله القزويني قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) : لأيّ علّة تصلّى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود؟ فقال: لأنّ الله فرض سبع عشرة ركعة، فأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثليها، فصارت إحدى وخمسين ركعة، فتعدّان هاتان الركعتان من جلوس بركعة(5).
ورواية هشام المشرقي، عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: إنّ أهل البصرة سألوني فقالوا: إنّ يونس يقول: من السنّة أن يصلّي الإنسان ركعتين وهو جالس بعد العتمة؟ فقلت: صدق يونس(6).
واثنتان منها ظاهرتان في التخيير:
(1) في ص17 ـ 18.
(2) في ص24.
(3 ، 4) في ص35.
(5) علل الشرائع: 330 ب26 ح1، وعنه وسائل الشيعة 4: 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح6.
(6) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشّي»: 490، الرقم 934، وعنه وسائل الشيعة 4: 97، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح9.
( صفحه 38 )
إحداهما: رواية الحارث بن المغيرة النصري، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) في تعداد النوافل: وركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصلّيهما وهو قاعد، وأنا اُصلّيهما وأنا قائم، الحديث(1).
وليس المراد هو اختلافه مع أبيه (عليهما السلام) في الفتوى، كما هو واضح، بل المراد هو الاختلاف في العمل; لأجل التخيير بين القيام والقعود، وسرّه أنّ أباه (عليه السلام) كان بديناً ذات لحم يشقّ عليه الإتيان بالنوافل قائماً.
كما تدلّ عليه رواية حنّان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أتصلّي النوافل وأنت قاعد؟ فقال: ما أصلّيها إلاّ وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم وبلغت هذا السنّ(2).
ومن ذلك ظهر أنّ الرواية ظاهرة في أفضليّة القيام، وأنّ اختيار القعود إنّما هو لأجل المشقّة والكلفة.
ثانيتهما: رواية سليمان بن خالد، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) في تعداد النوافل: وركعتان بعد العشاء الآخرة، يقرأ فيهما مائة آية قائماً أو قاعداً، والقيام أفضل، ولا تعدّهما من الخمسين(3).
وقد يجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير، ولكنّ الفتوى بجواز القيام في غاية الإشكال; لأنّه ـ مضافاً إلى أنّ هاتين الروايتين كانتا بمرئى ومسمع من قدماء الأصحاب، ومع ذلك تسالموا على تعيّن الجلوس إلى زمن الشهيد
(1) تقدّم تخريجها في ص33.
(2) الكافي 3: 410 ح1، تهذيب الأحكام 2: 169 ح674، وعنهما وسائل الشيعة 5: 491، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب4 ح1.
(3) تقدّم تخريجها في ص31.
( صفحه 39 )
الأوّل، كما عرفت(1) وذلك يكشف عن وجود خلل فيهما، كصدورهما تقيّة; لأنّ نافلة العشاء بنحو الجلوس ممّا لم يقل به أحد من العامّة; فانّهم بين من ينكر مشروعيّتها رأساً، وبين من يقول بأنّها ثمان ركعات: أربع قبل الفريضة، وأربع بعدها، كأبي حنيفة، وبين من يقول: بأنّها ركعتان من قيام(2) ـ .
لا يجوز رفع اليد بسببهما عن الروايات الكثيرة الظاهرة ـ بل الصريحة ـ في تعيّن الجلوس بلحاظ التقييد بالجلوس، مع أنّ الأصل في الصلاة مطلقاً هو القيام وكونه أفضل من الجلوس، مع أنّ تشريعها ـ كما ظهر من بعض الروايات المتقدّمة(3) ـ إنّما هو لكونها بدلاً عن الوتر الذي هي ركعة واحدة، ولا معنى لكون الركعتين من قيام بدلاً من ركعة كذلك، فتدبّر.
أو لأجل كونها تعدّ بركعة، فيتحقّق عنوان ضعف الفريضة ومثليها، ولا يتحقّق ذلك إلاّ مع تعيّن الجلوس فيها.
وبالجملة: فالروايات الدالّة على أنّ مجموع الفرائض والنوافل إحدى وخمسون ركعة لا يلائم مع جواز القيام في نافلة العشاء، كسائر النوافل التي يكون المكلّف مخيّراً فيها.
ثمّ إنّه ذكر بعض الأعلام في شرحه على العروة في مقام الجمع أنّ الذي يظهر من ملاحظة الأخبار الواردة في المقام أنّ بعد العشاء الآخرة يستحبّ
(1) في ص36.
(2) المغني لابن قدامة 1: 762 و 765، المهذّب في فقه الشافعي 1: 157، الإنصاف 2: 176 و180، بدائع الصنائع 1: 636 ـ 638، العزيز شرح الوجيز 2: 116 ـ 117، تذكرة الفقهاء 2: 262 مسألة 314.
(3) في ص19 ـ 24.
( صفحه 40 )
أربع ركعات وصلاتان نافلتان، والتي يكون القيام فيها أفضل من الجلوس ركعتان غير ركعتي الوتيرة، وهما اللّتان يقرأ فيهما مائة آية، وهما غير الوتيرة المقيّدة بكونها عن جلوس، والدليل على ذلك:
صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تصلِّ أقلّ من أربع وأربعين ركعة. قال: ورأيته يصلّي بعد العتمة أربع ركعات(1).
وموثّقة سليمان بن خالد المتقدّمة(2); فإنّها مصرّحة بأنّ الركعتين اللّتين يكون القيام فيهما أفضل غير النوافل اليوميّة; أعني خمسين أو واحدة وخمسين ركعة، وأنّ هاتين الركعتين لا تعدّان منها.
وصحيحة الحجـّال قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلّي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية ولا يحتسب بهما، وركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بـ «قل هو الله أحد»، و«قل يا أيّها الكافرون»، فإن استيقظ من الليل صلّى صلاة الليل وأوتر.
وإن لم يستيقظ حتّى يطلع الفجر صلّى ركعتين (ركعة خ ل)، فصارت شفعاً (سبعاً خ ل)، واحتسب (بالركعتين اللتين صلاّهما بعد العشاء وتراً(3)،(4).
أقول: أمّا صحيحة عبد الله بن سنان، فلا دلالة فيها على عنوان أربع
(1) تهذيب الأحكام 2: 6 ح9، الاستبصار 1: 219 ح775، وعنهما وسائل الشيعة 4: 60، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح4.
(2) في ص38.
(3) تهذيب الأحكام 2: 341 ح1410، وعنه وسائل الشيعة 4: 253، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح15.
(4) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 64 ـ 65.
( صفحه 41 )
ركعات التي يصلّيها بعد العتمة، ولا على استمرار الإتيان بها، فلعلّه كانت الأربع صلاة جعفر (عليه السلام) ونحوها.
وأمّا موثّقة سليمان بن خالد، فلا محيص عن حمل الركعتين فيها على نافلة العشاء; لعدم التعرّض لها فيها، وعدم عدّهما من الخمسين لا ينافيها; لأنّها ـ كما في بعض الروايات الاُخر(1) ـ إنّما شرّعت لتكميل العدد وجعل النافلة ضعف الفريضة، فلا وجه لحملها على غير نافلة العشاء.
وأمّا صحيحة الحجّال، فهي وإن كانت دلالتها واضحة، إلاّ أنّه يشكل الأخذ بها; لأنّها ـ مضافاً إلى دلالتها على وقوع ترك صلاة الليل من الإمام (عليه السلام) أحياناً، ولعلّه لا يكون ملائماً لشأنه ـ تدلّ على ما لم يدلّ عليه شيء من الروايات مع كثرتها واستفاضتها; لعدم دلالته على ثبوت ركعتين بعد العشاء قبل نافلتها، مع أنّهما لاتكونان معنونة بعنوان أصلاً، مع أنّه لا وجه لعدم الاحتساب بالإضافة إليها، خصوصاً بعد ثبوت الكيفيّة المخصوصة لهما، واشتمالهما على مائة آية من القرآن، واحتساب نافلة العشاء مع وقوعها في حال الجلوس، فالإنصاف أنّه لا مجال لهذا الجمع.
الجهة الثانية: في سقوط نافلة العشاء في السفر وعدمه، وقد وقع فيه الإشكال والخلاف بعد أنّه لا إشكال ولا خلاف في سقوط نافلة الظهرين في السفر، وعدم سقوط نافلة الصبح والمغرب، كعدم سقوط صلاة الليل(2).
(1) الفقيه 1: 290 ح1320، علل الشرائع: 267، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 113، وعنهما وسائل الشيعة 4: 95، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح3.
(2) الخلاف 1: 586 ـ 587 مسألة 348، السرائر 1: 194، مسالك الأفهام 1: 138، الروضة البهيّة 1: 171، مجمع الفائدة والبرهان 2: 7 ـ 8 ، مدارك الأحكام 3: 26، كشف اللثام 3: 15، مستند الشيعة 5: 433، جواهر الكلام 7: 78 و 81 .
( صفحه 42 )
والمشهور بين الإماميّة(1) هو الأوّل، بل ادّعى الإجماع عليه في محكيّ السرائر والغنية(2)، وقال الشيخ وجماعة بعدم السقوط(3)، ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في الباب:
أمّا ما يدلّ على السقوط فروايات كثيرة:
منها: رواية حذيفة بن منصور، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنّهما قالا: الصلاة في السفر ركعتان، ليس قبلهما ولا بعدهما شيء(4).
ومنها: رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الصلاة في السفر ركعتان، ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب ثلاث(5).
ومنها: رواية أبي يحيى الحنّاط قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: يا بنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة(6).
(1) تذكرة الفقهاء 2: 273 ذ مسألة 9، مختلف الشيعة 2: 332 مسألة 223، ذكرى الشيعة 2: 297، التنقيح الرائع 1: 163، جامع المقاصد 2: 9، الروضة البهيّة 1: 171، رياض المسائل 3: 27 ـ 28، مفتاح الكرامة 5: 33 ـ 34، جواهر الكلام 7: 81 .
(2) السرائر 1: 194، غنية النزوع: 106.
(3) الأمالي للصدوق: 738 و 743، المقنعة: 91، المبسوط 1: 71، النهاية: 57، الخلاف 1: 586 ـ 587 مسألة 348، ذكرى الشيعة 2: 298، المهذّب البارع 1: 283.
(4) تهذيب الأحكام 2: 14 ح34، المحاسن 2: 120 ب32 ح1331، وعنهما وسائل الشيعة 4: 81 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح2 و ج8 : 504، أبواب صلاة المسافر ب16 ح1.
(5) تهذيب الأحكام 2: 13 ح31، الاستبصار 1: 220 ح778، وعنهما وسائل الشيعة 4: 82 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح3، و ج8 : 504، أبواب صلاة المسافر ب16 ح2.
(6) تهذيب الأحكام 2: 16 ح44، الاستبصار 1: 221 ح780، الفقيه 1: 285 ح1293، وعنها وسائل الشيعة 4: 82 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح4.