( صفحه 43 )
وموردها وإن كان خصوص صلاة النافلة بالنهار، إلاّ أنّ الملازمة التي يدلّ عليها الجواب ـ وهي الملازمة بين جواز النافلة، وتماميّة الفريضة ـ تقتضي سقوط نافلة العشاء أيضاً، كما هو ظاهر.
ومنها: رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب; فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهنّ في سفر ولا حضر، وليس عليك قضاء صلاة النهار، وصلِّ صلاة الليل واقضه(1).
وأمّا ما يدلّ أو استدلّ به على عدم السقوط فروايات أيضاً:
منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الصلاة تطوّعاً في السفر؟ قال: لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً(2).
فإنّ تخصيص النهي في الجواب بخصوص النوافل النهاريّة مع كون السؤال عن مطلق الصلاة تطوّعاً في السفر لا يلائم مع سقوط نافلة العشاء، خصوصاً مع انحصار القصر في الليل بها، كما لايخفى.
ومنها: رواية رجاء بن أبي الضحّاك، عن الرضا (عليه السلام) أنّه كان في السفر يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين إلاّ المغرب; فإنّه كان يصلّيها ثلاثاً، ولا يدع نافلتها، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر،
(1) الكافي 3: 439 ح3، تهذيب الأحكام 2: 14 ح36، وعنهما وسائل الشيعة 4: 83 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح7.
(2) تهذيب الأحكام 2: 14 ح32، وعنه وسائل الشيعة 4: 81 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح1.
( صفحه 44 )
وكان لا يصلّي من نوافل النهار في السفر شيئاً(1).
ومنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: وإنّما صارت العتمة مقصورة، وليس تترك ركعتيها (ركعتاها خ ل); لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين، وإنّما هي زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتمّ بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع(2).
والرواية من حيث الدلالة تامّة; لأنّها تدلّ على مفروغيّة عدم ترك النافلة، كمفروغيّة قصر الفريضة في العتمة، إلاّ أنّ الإشكال إنّما هو في سندها; لأنّ في طريق الصدوق إلى فضل بن شاذان علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري المعروف بالقتيبي، وعبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطّار النيسابوري، وهما لم تثبت وثاقتهما(3); فإنّ غاية ما ذكر في وثاقة الأوّل ما ذكره في الحدائق في مقام الجواب عن صاحب المدارك(4) ـ القائل بعدم إمكان الاعتماد على روايته لعدم توثيقه ـ من أنّه لا حاجة إلى التوثيق الصريح بعد كونه من المشايخ ومورداً لاعتماد مثل الكشّي(5); لأنّ اعتماد المشايخ
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 182 ح5، وعنه وسائل الشيعة 4: 83 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح8 .
(2) الفقيه 1: 290 ح1320، علل الشرائع: 267، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 113، وعنها وسائل الشيعة 4: 95، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح3.
(3) أمّا القتيبي، فراجع رجال النجاشي: 259، الرقم 678، وجامع الرواة 1: 106، ومعجم رجال الحديث 12: 160، الرقم 8461 .
وأمّا عبد الواحد، فراجع جامع الرواة 1: 522، ومعجم رجال الحديث 11: 37، الرقم 7357.
(4) مدارك الأحكام 3: 27.
(5) كما حكاه النجاشي في رجاله: 259، الرقم 678.
( صفحه 45 )
المتقدّمين على النقل، وأخذ الأخبار منهم، والتلمّذ عليهم يزيد على قولهم في كتب الرجال: فلان ثقة.
وقد نقل في الحدائق عن العلاّمة في المختلف أنّه عندما ذكر حديث الإفطار على محرّم، وأنّ الواجب فيه كفّارة واحدة أو ثلاث، لم يذكر التوقّف في صحّة الحديث إلاّ من حيث عبد الواحد بن عبدوس، وقال: إنّه كان ثقة والحديث صحيح(1). وهذا يدلّ على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة. وقد حكى عن العلاّمة أيضاً أنّه صحّح حديثه في ترجمة يونس بن عبد الرحمن(2)،(3).
ولكن شيء من ذلك لا يثبت وثاقته; فإنّ اعتماد الكشّي لا دليل على وثاقته، فقد اعتمد على نصر الغالي(4) أيضاً، لكن قد يقال بأنّه يمكن استفادة وثاقته من قول الكشّي في إبراهيم بن عبدة: حكى بعض الثقات بنيسابور أنّه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمّد (عليه السلام) توقيع...(5) بأن يكون هو مراده من بعض الثقات.
ويدفعه ـ مضافاً إلى أنّه ليس في نسخة الكشّي المطبوعة عندي كلمة بنيسابور ـ أنّه على تقديره لا دليل على كونه هو المراد من بعض الثقات.
وأمّا كونه من المشايخ وأخذ المتقدّمين الروايات عنه، فهو لا دلالة له أيضاً على التوثيق، فقد حكي أنّ من مشايخ الصدوق من هو ناصب زنديق، بحيث
(1) مختلف الشيعة 3: 314 مسألة 60.
(2) خلاصة الأقوال: 296، الرقم 1103.
(3) الحدائق الناضرة 6: 47 ـ 48.
(4) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشّي»: 322، الرقم 584.
(5) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشّي»: 575 و 578 ـ 579، الرقم 1088.
( صفحه 46 )
لم ير أنصب منه وأبلغ من نصبه; لأنّه كان يقول: اللّهمّ صلِّ على محمّد فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله(1).
وأمّا تصحيح العلاّمة، فقد نوقش فيه من وجهين:
الأوّل: أنّه يظهر من التتبّع في كلماته أنّه (قدس سره) يصحّح رواية كلّ إماميّ لم يرد فيه قدح، ولا يعتمد على رواية غير الشيعي وإن كان موثّقاً، فتصحيحه أعمّ من التوثيق، بل غايته تصديق تشيّعه، وأنّه لم يرد فيه قدح.
الثاني: أنّ توثيقه وتوثيقات مثله من معاصريه أو المتأخّرين عنه حيث لايكون إلاّ شهادة حدسيّة، منشؤها ملاحظة القرائن والأمارات، من دون أن يكون متّصلاً سنداً إلى من يشهد بوثاقته بشهادة حسيّة لا ينبغي الاعتماد عليه; لطول الفصل ومضيّ الأزمنة والقرون، ووضوح عدم اعتبار الشهادة عن غير حسّ(2).
وأمّا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، فقد ذكر المامقاني في رجاله أنّ في الرجل أقوالاً:
أحدها: أنّه ثقة، وهو خيرة التحرير والمسالك وبعض آخر(3).
ثانيها: أنّه حسن، وهو المحكيّ عن المجلسي الثاني في غير الوجيزة(4).
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 279 ـ 280 ب69 ح3.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 71 ـ 73، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 52 ـ 54.
(3) تحرير الأحكام 4: 372، الرقم 5964، مسالك الأفهام 2: 23 وج10: 16، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127 ذ ح2، حاوي الأقوال في معرفة الرجال 3: 21 ـ 22، الرقم 774.
(4) ملاذ الأخيار 6: 546 ذح 12.
( صفحه 47 )
ثالثها: أنّه مجهول، وهو الذي بنى عليه المحقّق، حيث ترك العمل بروايته(1); لأنّه مجهول الحال، ومثله العلاّمة في المختلف(2)،(3).
ومع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على روايته والأخذ بحديثه؟
ومنها: رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) : هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شيء؟ قال: لا، غير أنّي اُصلّي بعدها ركعتين، ولست أحسبهما من صلاة الليل(4).
نظراً إلى أنّ المستفاد منها أنّها نافلة مستقلّة، ولها نحو ارتباط بنافلة الليل، ولذا أجاب الإمام (عليه السلام) بـ «لا»، ومع استقلالها لا يشملها الأخبار الدالّة على سقوط نافلة الصلاة المقصورة.
وأورد على هذا الاستدلال بعض الأعلام بأنّ الظاهر أنّ المراد من الركعتين فيها هما الركعتان اللّتان تؤتى بها عن قيام، وهما مستحبّان مستقلّتان زائدة على النوافل المرتّبة، وذلك بقرينة قوله (عليه السلام) : «ولست أحسبهما من صلاة الليل»; فإنّ ما يمكن أن يتوهّم كونه من صلاة الليل إنّما هو تلك الصلاة التي يؤتى بها قائماً، دون الوتيرة التي تصلّى جالساً; فإنّه لم يتوهّم أحد كونها من صلاة الليل بوجه، خصوصاً مع كون الراوي هو الحلبي الذي
(1) المعتبر 2: 668، شرائع الإسلام 1: 191.
(2) مختلف الشيعة 3: 314 مسألة 60.
(3) تنقيح المقال 2: 233 (ط .ق).
(4) الكافي 3: 443 ح6، تهذيب الأحكام 2: 10 ح19، وعنهما وسائل الشيعة 4: 93، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب27 ح1.
( صفحه 48 )
لا يخفى عليه مثل ذلك(1).
ويدفعه ـ مضافاً إلى ما عرفت(2) من عدم معهوديّة صلاة فيما بين العشاء ونافلتها ـ : أنّه بناءً على ما أفاده تكون نافلة العشاء أقرب إلى صلاة الليل من تلك الصلاة التي يؤتى بها قبلها، ومجرّد الاختلاف في القيام والجلوس لا يوجب أقربيّة ما يؤتى به أوّلاً، كما هو ظاهر.
والجواب عن أصل الاستدلال ـ بعد ملاحظة إطلاق محطّ السؤال، وعدم كون النظر إلى حال السفر ـ : أنّ قوله (عليه السلام) : «ولست أحسبهما من صلاة الليل» لا دلالة له على استقلال الركعتين، كما أنّ قوله (عليه السلام) : «لا» لا ينفي طرفي السؤال بحيث يصير قرينة على نفي ارتباط الركعتين بالعشاء، بل الظاهر أنّ المراد من النفي هو النفي بلحاظ كون نافلة العشاء مزيدة في النوافل لتتمّ بهما الواحدة والخمسون.
كما أنّ عدم الاحتساب من صلاة الليل، إنّما هو لدفع توهّم كون وقوعها بعد العشاء قرينة لكونها من صلاة الليل، كنافلة الصبح التي عدّت منها في بعض الروايات المتقدّمة(3).
وعلى أيّ حال فلا دلالة للرواية على عدم السقوط، بل لا ارتباط لها بالمقام لو لم نقل بكون مقتضى إطلاقها بعد التقييد بالروايات الدالّة على السقوط، هو السقوط، فتدبّر.
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 75، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 55.
(2) في ص40 ـ 41.
(3) مثل رواية زرارة المتقدّمة في ص23 ـ 24.
( صفحه 49 )
ومنها: الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلايبيتنّ إلاّ بوتر(1).
وتقريب الاستدلال بها من وجهين ـ بعد ظهور كون المراد بالوتر فيها هي الوتيرة ونافلة العشاء; لتفسيرها بذلك في رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتنّ إلاّ بوتر. قال: قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم، إنّهما بركعة، فمن صلاّهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر، الحديث(2) ـ :
الأوّل: أنّ التعبير بكون الإتيان بها وعدم تركها من شؤون الإيمان بالله واليوم الآخر، لا يلائم مع الاختصاص بوقت دون وقت، ولا يجتمع مع السقوط في السفر، كما لايخفى.
الثاني: أنّ النسبة بين هذه الروايات الدالّة بإطلاقها على ثبوت الوتيرة في السفر أيضاً، وبين الروايات(3) الواردة في سقوط نافلة الصلاة المقصورة، الشاملة بإطلاقها لصلاة العشاء، هي العموم من وجه، والمرجع في مادّة الاجتماع ـ وهي الوتيرة في السفر ـ هي الروايات(4) الواردة في أصل مشروعيّة الوتيرة وفي تعداد النوافل، وأنّها أربع وثلاثون(5).
(1) وسائل الشيعة 4: 95 ـ 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح1، 2، 4 و 8 .
(2) تقدّمت بتمامها في ص22 ـ 23.
(3) تقدّمت في ص42 ـ 44.
(4) تقدّمت في ص19 ـ 24.
(5) مصباح الفقيه 9: 62.
( صفحه 50 )
واُورد على الاستدلال بها ـ بعد تضعيف رواية أبي بصير الشارحة لها; لوقوع عدّة مجاهيل في سندها بالمعنى الأعمّ من المهمل ـ بأنّ الأخبار المذكورة إنـّما وردت في الوتر لا في الوتيرة; فإنّ معنى البيتوتة إنهاء الليل إلى طلوع الفجر، ومعنى الروايات أنّ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يطلع عليه الفجر إلاّ بوتر، مع أنّ نافلة العشاء لم تسمّ بالوتيرة في شيء من الروايات، وإنّما الفقهاء سمّوها بالوتيرة، فلا يمكن الاستدلال بها على أصل استحبابها، فضلاً عن عدم سقوطها في السفر(1).
والجواب عن هذا الإيراد: ما أفاده المورد نفسه في مسألة وقت نافلة العشاء ممّا حاصله: أنّ المستفاد من هذه الروايات إنّ آخر وقت الوتيرة صدق البيتوتة، والغالب فيها وقوعها قبل الانتصاف; لأنّ أغلب الناس إنّما يبدؤون بالمنام قبل الانتصاف، وهذه الروايات وإن كانت مطلقة غير مقيّدة بكونها بعده أو قبله، إلاّ انّها لا تقبل الحمل على البيتوتة بعد الانتصاف; لأنّها قليلة نادرة، فتدلّ الروايات المذكورة على أنّ آخر وقت الوتيرة هو انتصاف الليل وغسقه(2).
وأقول: ظاهر الروايات هو وقوع البيتوتة متأخّرة عن الوتر، بحيث كان شروعها بعد الإتيان بها، وهذا لا يلائم مع كون المراد بها غير نافلة العشاء; لأنّ صلاة الوتر التي هي جزء صلاة الليل يكون أفضل أوقاتها السحر،
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 76 ـ 77، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 56.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 360.
( صفحه 51 )
وأفضل منه القريب إلى الفجر.
وعليه: فمن راعى هذه الجهة وأتى بصلاة الوتر في آخر أجزاء الليل، هل يصدق عليه أنّه بات بوتر أو على وتر؟ الظاهر العدم، وهذه قرينة على أنّ المراد بالوتر في هذه الروايات هي الوتيرة، وإن قلنا بضعف رواية أبي بصير الشارحة لها والمفسِّرة إيّاها، فهذه الروايات بنفسها ظاهرة في نافلة العشاء.
وأمّا ما اُورد(1) على الاستدلال بها ثانياً; من منع المعارضة، وكون الروايات الدالّة على أنّه لا شيء قبل الركعتين ولا بعدهما ـ مؤيّدة بما دلّ على أنّ النافلة لو صلحت في السفر تمّت الفريضة ـ حاكمة على هذه الروايات; لكونها ناظرة إليها، فتتقدّم عليها.
فالجواب عنه: منع ذلك; لعدم تماميّة الحكومة، بل يمكن أن يقال بالعكس، وأنّ هذه الروايات تكون حاكمة عليها ناظرة إليها; لدلالتها على اختصاص تلك الروايات بغير نافلة العشاء، التي لا يبيت بدونها من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فتدبّر.
ومنها: ما استدلّ به بعض الأعلام من صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أباعبد الله (عليه السلام) يقول في حديث... منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر، الحديث(2).
بتقريب أنّ الوتيرة لم تثبت كونها نافلة للعشاء ليقال: إنّ نافلة الصلوات
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 77، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 57.
(2) تقدّمت في ص19 ـ 20.
( صفحه 52 )
المقصورة ساقطة في السفر، بل هي صلاة مستحبّة، وإنّما شرّعت للبدليّة عن الوتر على تقدير عدم التوفّق لإتيانها في وقتها، فلا تشملها الأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّه لا شيء قبل الركعتين ولا بعدهما(1).
ويرد عليه: أنّ التعبير الوارد في نافلة العشاء هو بعينه التعبير الوارد في سائر النوافل، فكما أنّ نافلة المغرب قد عبّر عنها في الروايات(2) بأنّها ما يؤتى بها بعدها، كذلك نافلة العشاء(3)، مع أنّ ثبوت الركعتين بعد العشاء من دون أن يكون لهما عنوان أصلاً بعيد جدّاً، خصوصاً مع ثبوت العنوان لغيرها من جميع النوافل والفرائض اليوميّة، مع أنّ الروايات(4) الدالّة على السقوط لم يعلّق الحكم فيها على عنوان النافلة المضافة إلى الفريضة، بل الحكم فيها يرجع إلى عدم ثبوت شيء قبل الركعتين ولا بعدهما، فلا يتوقّف دلالتها على السقوط على ثبوت عنوان نافلة العشاء لها، كما لايخفى.
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّ الأظهر هو ثبوت نافلة العشاء في السفر، ولكنّ الاحتياط بالإتيان بها رجاءً لا ينبغي تركه.
الجهة الثالثة: في وقت نافلة العشاء، فنقول:
أمّا من حيث المبدأ، فلا شبهة في أنّ مبدءها إنّما هو الفراغ عن فريضة
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 78 ـ 79، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 58.
(2) وسائل الشيعة 4: 47 و 48، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6 و 9.
(3) تقدّمت في ص20 وغيرها.
(4) تقدّمت في ص42 ـ 44.
( صفحه 53 )
العشاء على ما تدلّ عليه الروايات المستفيضة(1)، المصرّحة بكونها بعد العشاء، الظاهرة في أنّ مبدءها هو الفراغ منها.
وأمّا من حيث المنتهى، فلا إشكال أيضاً من جهة الفتوى في امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة، وقد تحقّقت عليه الشهرة العظيمة، بل ادّعى المحقّق في المعتبر الإجماع عليه(2)، ويكفي دليلاً على ذلك ذكر المسألة في الكتب الموضوعة لنقل الفتاوى المأثورة عن الأئمـّة الطاهرة (عليهم السلام) بعين الألفاظ الصادرة(3); فإنّه يكشف عن وجود نصّ معتبر مذكور في الجوامع الأوّلية، غاية الأمر أنّه لم يصل إلينا.
نعم، يمكن الاستدلال بالروايات المتقدّمة(4) الدالّة على أنّ المؤمن لا يبيت إلاّ بوتر; نظراً إلى أنّ المراد بالوتر هي الوتيرة; لظهور الروايات في نفسها في ذلك، كما مرّ، ودلالة رواية أبي بصير المتقدّمة(5) عليه أيضاً، وأنّ المراد أنّ آخر وقت الوتيرة صدق البيتوتة، والغالب فيها وقوعها قبل الانتصاف; لأنّ أغلب الناس كانوا يبدؤون بالمنام قبله.
ويدلّ على ذلك أيضاً ما دلَّ من الروايات على أنّ الوتيرة بدل الوتر(6)،
(1) وسائل الشيعة 4: 48 ـ 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح7، 9، 16، 23 و25.
(2) المعتبر 2: 54، وفي منتهى المطلب 4: 97 «ذهب إليه علماؤنا أجمع».
(3) المقنعة: 91، النهاية: 60، المبسوط 1: 76، المهذّب 1: 70، غنية النزوع: 72، إصباح الشيعة: 60، الوسيلة: 83 ، الجامع للشرائع: 62.
(4 ، 5) في ص22 و 49.
(6) الكافي 1: 266 ح4، وعنه وسائل الشيعة 4: 45 ـ 46، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2.
( صفحه 54 )
بضميمة أنّ وقت صلاة الليل بعد الانتصاف، وعدم مشروعيّتها قبله إلاّ لعذر; فإنّ ملاحظتهما تقضي بأنّه قبل الانتصاف يكون وقت البدل، وبعده الذي يشرع الإتيان بالمبدل لا يكون إلاّ ظرف المبدل، ولا مجال مع التمكّن من الإتيان بالمبدل، له كما لا يخفى.
والذي يسّهل الخطب ما عرفت من وضوح المسألة بلحاظ فتاوى الأصحاب، ولا حاجة إلى إقامة الدليل.
الجهة الرابعة: في أنّه هل يعتبر في نافلة العشاء ـ التي يؤتى بها بعدها ـ البعديّة العرفيّة المتّصلة، كما يظهر من بعض المتأخّرين(1)، حيث اعتبر عدم الفصل المفرط بين فريضة العشاء ونافلتها، فلا يشرع الإتيان بها قريباً من نصف الليل مع الإتيان بالفريضة في أوّله، أو لا يعتبر ذلك؟
ربما يستدلّ(2) للأوّل بأنّ المنساق من الأدلّة(3) الدالّة على البعديّة، هي البعديّة المتّصلة العرفيّة.
وقد اُورد عليه(4) بأنّ الظاهر كون البعديّة في نافلة العشاء في مقابل القبليّة في نافلة الظهرين، فالمراد أنّ نافلة العشاء لابدّ أن يؤتى بها بعد العشاء لا قبل الفريضة، كما في نافلة الظهرين.
والجواب عنه: ـ مضافاً إلى منع الاستظهار ـ الروايات الواردة في نافلة
(1) مجمع الفائدة والبرهان 2: 32، جواهر الكلام 7: 309، مصباح الفقيه 9: 251.
(2) كما في جواهر الكلام 7: 309.
(3) وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2، 3، 6 و 9 وغيرها.
(4) نهاية التقرير 1: 195 ـ 196.
( صفحه 55 )
العصر، الدالّة على تفريقها والإتيان ببعضها بعد الظهر، وبالبعض الآخر قبل العصر(1)، وكذا الروايات الدالّة على تفريق نافلة المغرب والإتيان بالركعتين بعد المغرب، وبالركعتين قبل العشاء(2); فإنّها ظاهرة في اتّصال القبليّة والبعديّة، وإلاّ لكان المجموع متّصفاً بوقوعها بعد الظهر أو قبل العصر، وكذا بعد المغرب أو قبل العشاء، كما لايخفى.
نعم، في مقابل هذا الظهور أمران:
أحدهما: استحباب جعل نافلة العشاء خاتمة للنوافل، كما عليه الشهرة المحقّقة(3)، ويمكن الاستدلال له بالنصّ أيضاً(4)، ومن المعلوم أنّه ربما تكون النوافل كثيرة، كما في ليالي شهر رمضان(5)، وكما في ليلة الفطر إذا أتى بالصلاة المعروفة، المشتملة على ألف سورة التوحيد بعد فريضة العشاء(6). وعليه: فلا تصدق البعديّة العرفيّة; لثبوت الفصل الطويل.
ويدفعه أنّه لا مانع من الالتزام بجواز التأخير لمن يأتي بالنوافل، كجواز تقديم نافلة الصبح من انتصاف الليل لمن يأتي بصلاة الليل على ما يأتي.
ثانيهما: ما ذكره بعض الأعلام(7) من أنّ المستفاد ممّا دلّ على أنّ المؤمن
(1 ، 2) وسائل الشيعة 4: 47 و 59 ـ 60، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح7، وب14 ح1 ـ 3.
(3) الحدائق الناضرة 6: 72 ـ 73، نهاية التقرير 1: 194.
(4) وسائل الشيعة 4: 93، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب27 ح1 وص96 ب29 ح7.
(5) وسائل الشيعة 8 : 17 ـ 42، كتاب الصلاة، أبواب نافلة شهر رمضان ب1 ـ 8 .
(6) تهذيب الأحكام 3: 71 ح328، الإقبال 1: 459 ـ 461، المقنعة: 171، مسارّ الشيعة، سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد 7: 30، وعنها وسائل الشيعة 8 : 85 و 87 ، كتاب الصلاة، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب1 ح1و7.
(7) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 361 ـ 362، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 253 ـ 254.
( صفحه 56 )
لا يبيت إلاّ بوتر(1)، عدم اعتبار الوصل، وإنّما الغرض أن لا يبيت المكلّف إلاّ بوتر; بأن يصلّي الوتيرة فينام، ويصدق أنّه نام عن وتر.
والجواب: أنّ هذه الروايات لا دلالة لها على أزيد من أنّ بيتوتة المؤمن تكون متأخّرة عن الوتر. وأمّا أنّ شرائط الوتر ماذا؟ فهي لا دلالة لها عليها، ولابدّ من استفادتها من دليل خارج، ومن الشرائط البعديّة المتّصلة بالعشاء على ما تدلّ عليه الروايات المتقدّمة، فهي متقدّمة على هذه الروايات، فتدبّر.
وقت نافلة الصبح
المسألة الثالثة: في وقت نافلة الصبح، والكلام فيه في مقامين:
الأوّل: وقتها من حيث الابتداء، وقد تحقّقت الشهرة(2) على أنّ أوّل وقتها هو طلوع الفجر الكاذب، وحكي عن بعض(3) جواز إتيانها بعد الفراغ من صلاة الوتر، ونسبه في الحدائق إلى المشهور(4). وقد ورد في هذا الباب روايات كثيرة مختلفة; وهي على طوائف:
الاُولى: ما تدلّ على الإحشاء بها في صلاة الليل ودسّها فيها.
كرواية البزنطي قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن ركعتي الفجر؟ فقال: احشوا بهما صلاة الليل(5).
(1) وسائل الشيعة 4: 95 ـ 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح1، 2 و 8 .
(2) نهاية التقرير 1: 199 ـ 200، ولم نعثر على من ادّعى الشهرة غيره، بل الظاهر تحقّق الشهرة على خلافه، كما يثبت هذا بالمراجعة إلى مفتاح الكرامة 5: 118 ـ 120.
(3) النهاية: 61، جامع المقاصد 2: 22، ذكرى الشيعة 2: 375.
(4) الحدائق الناضرة 6: 240.
(5) تهذيب الأحكام 2: 132 ح511، الاستبصار 1: 283 ح1029، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح1.
( صفحه 57 )
وهذه الرواية شاهدة على أنّ المراد بركعتي الفجر متى اُطلقت هي النافلة، ولايحتمل الفريضة.
ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: ركعتا الفجر من صلاة الليل هي؟ قال: نعم(1).
ورواية البزنطي أيضاً قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : ركعتي الفجر اُصلّيهما قبل الفجر، أو بعد الفجر؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : احش بهما صلاة الليل، وصلّهما قبل الفجر(2).
ورواية علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) : الركعتان اللّتان قبل صلاة الفجر من صلاة الليل هي، أم من صلاة النهار، وفي أيّ وقت اُصلّيهما؟ فكتب (عليه السلام) بخطّه: احشها في صلاة الليل حشواً(3).
ومقتضى هذه الطائفة جواز الإتيان بهما قبل الفجر الكاذب; لشمول إطلاقها لما إذا اشتغل بصلاة الليل بعد الانتصاف بلا فصل، ثمّ أتى بالركعتين كذلك، بل يشمل إطلاقها ما إذا قدّم صلاة الليل لمرض أو سفر أو نحوهما، فيجوز عليه الإتيان بركعتي الفجر بعدها بلا فصل.
كما يدلّ عليه أيضاً رواية أبي جرير بن إدريس، عن أبي الحسن موسى بن
(1) تهذيب الأحكام 2: 132 ح512، الاستبصار 1: 283 ح1030، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح4.
(2) تهذيب الأحكام 2: 133 ح516، الاستبصار 1: 283 ح1034، وعنهما وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح6.
(3) الكافي 3: 450 ح35، تهذيب الأحكام 2: 132 ح510، الاستبصار 1: 283 ح1028، وعنها وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح8 .
( صفحه 58 )
جعفر (عليهما السلام) قال: قال: صلِّ صلاة الليل في السفر من أوّل الليل في المحمل والوتر وركعتي الفجر(1).
وبالجملة: لا إشكال في جواز تقديم ركعتي الفجر على الفجر الأوّل، والإحشاء بهما في صلاة الليل وإن وقعت قبله، وقد أفتى بذلك حتّى من ذهب إلى أنّ أوّل وقتهما هو الفجر الأوّل، كالمحقّق(2).
إنّما الإشكال في جواز الإتيان بهما في وقت صلاة الليل قبل طلوع الفجر مع الانفراد وعدم الدسّ; بأن يقتصر على فعلهما منفردتين قبله، ولم يأت بصلاة الليل أصلاً، أو أتى بها مع الفصل بينهما بكثير، وقد صرّح بعض بالجواز(3)، ويظهر من صاحب الوسائل، حيث ذكر في عنوان الباب: «باب استحباب تقديم ركعتي الفجر على طلوعه بعد صلاة الليل بل مطلقاً»(4).
ولكنّ الظاهر عدم الجواز وإن كان يمكن توجيهه بأنّ مقتضى كون ركعتي الفجر مستحبّاً مستقلاًّ، وعنواناً في مقابل صلاة الليل ـ بضميمة ما يدلّ على جواز الإحشاء بهما في صلاة الليل ـ جواز تقديمهما على الفجر الأوّل مطلقاً، كالاقتصار على صلاتي الشفع والوتر، أو على ثمان ركعات صلاة الليل، إلاّ أنّه مع ذلك يكون القدر المتيقّن هي صورة ضمّهما إلى صلاة الليل ودسّهما فيها،
(1) الفقيه 1: 302 ح1384، وعنه وسائل الشيعة 4: 251، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح6.
(2) المعتبر 2: 56.
(3) بل هو ظاهر ابن الجنيد على ما حكى عنه في مختلف الشيعة 2: 57 مسألة 13، كما في مصباح الفقيه 9: 298 ـ 299، ولاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 364، والمستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 255، ولم نعثر على من صرّح بذلك عاجلاً.
(4) وسائل الشيعة 4: 263، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، ب50.
( صفحه 59 )
خصوصاً مع أنّ التسمية بنافلة الفجر لا تناسب الإتيان بها قبل الفجر، فلا يستفاد من روايات الإحشاء جواز التقديم في غير صورته.
الثانية: ما تدلّ على أنّ وقتها قبل الفجر:
كرواية زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الركعتان اللّتان قبل الغداة
أين موضعهما؟ فقال: قبل طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة(1).
وروايته الاُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضاً قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر، إنّهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان، أكنت تطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة؟ فابدأ بالفريضة(2).
ورواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أوّل وقت ركعتي الفجر؟ فقال: سدس الليل الباقي(3).
ورواية أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : متى اُصلّي ركعتي الفجر؟ قال: فقال لي: بعد طلوع الفجر. قلت له: إنّ أبا جعفر (عليه السلام) أمرني أن اُصلّيهما قبل طلوع الفجر، فقال: يا أبا محمّد إنّ الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم
(1) الكافي 3: 448 ح25، تهذيب الأحكام 2: 132 ح509، وص336 ح1389، الاستبصار 1: 282 ح1027، وعنها وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح7.
(2) تهذيب الأحكام 2: 133 ح513، الاستبصار 1: 283 ح1031، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح3.
(3) تهذيب الأحكام 2: 133 ح515، الاستبصار 1: 283 ح1033، وعنهما وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح5.
( صفحه 60 )
بمرّ الحقّ، وأتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقيّة(1).
الثالثة: ما تدلّ على أنّ وقتها بعد طلوع الفجر:
كصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : صلّهما بعدما يطلع الفجر(2).
وصحيحة يعقوب بن سالم البزّاز قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : صلّهما بعد الفجر، واقرأ فيهما في الاُولى (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)، وفي الثانية (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(3).
ومرسلة إسحاق بن عمّار، عمّن أخبره، عنه (عليه السلام) قال: صلِّ الركعتين ما بينك، وبين أن يكون الضوء حذاء رأسك، فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر(4).
بناءً على أن يكون المراد بكون الضوء حذاء الرأس هو الإسفار، ولكنّه ممنوع; فإنّ المراد من ذلك هو الفجر الكاذب; لأنّه يطلع على شكل عموديّ لا أفقيّ، كما في الفجر الصادق.
الرابعة: ما تدلّ على التخيير في ركعتي الفجر بين الإتيان بهما قبل الفجر، أو عنده، أو بعده; وهي روايات كثيرة جمعها في الوسائل في الباب الثاني
(1) تهذيب الأحكام 2: 135 ح526، الاستبصار 1: 285 ح1043، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح2.
(2) تهذيب الأحكام 2: 134 ح523، الاستبصار 1: 284 ح1040، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح5.
(3) تهذيب الأحكام 2: 134 ح521، الاستبصار 1: 284 ح1038، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح6.
(4) تهذيب الأحكام 2: 134 ح524، الاستبصار 1: 284 ح1041، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح7.
( صفحه 61 )
والخمسين من أبواب المواقيت.
منها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ركعتي الفجر؟ قال: صلّهما قبل الفجر، ومع الفجر، وبعد الفجر(1).
وهذه الطائفة الأخيرة شاهدة للجمع بين الطائفتين اللّتين قبلها بالحمل على التخيير; لكونها نصّاً في ثبوت التخيير، وهما ظاهرتان في تعيّن مفادهما من وجوب التقديم، أو التأخير.
هذا، مضافاً إلى أنّ الأمر في الطائفة الدالّة على التقديم غير ظاهر في الوجوب; لوروده في مقام توهّم الحظر; لأنّ بناء العامّة(2) كان على الإتيان بهما بعد الفجر، وحينئذ ربما يتوهّم من هذا البناء لزوم التأخير عنه، فصارت هذه الطائفة بصدد دفع هذا التوهّم، فلا دلالة لها على هذا التقدير على أزيد من مجرّد الجواز.
مع أنّ رواية أبي بصير تدلّ على أنّ الإفتاء بالإتيان بهما بعد الفجر ـ الظاهر في تعيّنه ـ إنّما كان للتقيّة، فالحكم الواقعي حينئذ عدم التعيّن وجواز الإتيان قبله أيضاً.
وربما يقال(3) في وجه الجمع; بأنّ المراد من الفجر في الطائفة الدالّة على وجوب التقديم هو الفجر الصادق، وفي الطائفة الدالّة على وجوب التأخير هو الفجر الكاذب.
(1) تهذيب الأحكام 2: 134 ح522، الاستبصار 1: 284 ح1039، وعنهما وسائل الشيعة 4: 268، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52 ح3.
(2) تذكرة الفقهاء 2: 319 ـ 320، مسألة 40، المجموع 4: 14، المغني لابن قدامة 1: 765.
(3) راجع نهاية التقرير 1: 204.
( صفحه 62 )
ولكن يدفعه ـ مضافاً إلى أنّه لا شاهد على هذا الجمع ـ : أنّ المتبادر من الفجر في كلتا الطائفتين هو الفجر الصادق; لأنّ الفجر الكاذب كما سيأتي لا عبرة به حتّى عند علماء العامّة، فهذا الوجه غير تامّ.
وذكر بعض الأعلام أنّ الصحيحتين الدالّتين على التأخير لا تعارضان الطائفة الدالّة على التقديم.
أمّا أوّلاً: فلأنّ مرجع الضمير في قوله (عليه السلام) : «صلّهما» غير مذكور فيهما، ولا هو معلوم بالقرينة، فلا دلالة فيهما ولا في غيرهما على أنّ المراد بهما نافلة الفجر، ومن المحتمل أن يكون المراد نفس الفريضة، وإيرادهما في باب النافلة لا دلالة له إلاّ على فهم من أوردهما فيه، كالشيخ وغيره من أرباب الكتب.
وأمّا ثانياً: فلأنّه على تقدير الرجوع إلى النافلة لا تنافي بينهما، وبين الطائفة الاُخرى أيضاً; لصراحة صحيحة زرارة ـ المشتملة على قوله (عليه السلام) : «إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة» ـ في أنّ الإتيان بركعتي الفجر قبل الفجر أفضل، كما أنّ الأفضل بعد الفجر هو الإتيان بالفريضة.
وعليه: فتحمل الطائفة الاُخرى على الرخصة وجواز الإتيان بهما بعد الفجر; لعدم صراحتها في وجوب ذلك وتعيّنه، غاية الأمر ظهورهما في أنّ الإتيان بالركعتين بعد الفجر هو المحبوب للشارع، ولا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور بصراحة الصحيحة المتقدّمة(1).
ويرد عليه أوّلاً: وضوح رجوع الضمير إلى ركعتي النافلة، كوضوح كون المراد من ركعتي الفجر ـ الذي وقع السؤال عنه في كثير من الروايات من
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 366.