( صفحه 63 )
دون التقييد بالنافلة ـ هو ركعتي النافلة، ويؤيّده تعيين قراءة سورة (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)(1) في الركعة الاُولى، وسورة التوحيد في الثانية، مع دلالة روايات متعدّدة على تعيين مثل ذلك في خصوص النافلة.
كقول الصادق (عليه السلام) في مرسلة الصدوق: صلِّ ركعتي الفجر قبل الفجر، وعنده، وبعده، تقرأ في الاُولى «الحمد» و «قل يا أيّها الكافرون»، وفي الثانية «الحمد» و «قل هو الله أحد»(2). مع وضوح كون وقت الفريضة بعد الفجر وعدم الحاجة إلى بيانه، بخلاف وقت النافلة.
وثانياً: عدم ظهور دعوى الصراحة في إحدى الطائفتين، والظهور في الاُخرى، فكما أنّ الروايات الدالّة على التأخير ليس لهما إلاّ ظهور في التعيّن ووجوب التأخير، كذلك الطائفة الدالّة على التقديم لا صراحة فيها على ذلك، بل لها ظهور في التعيّن ووجوب التقديم، من دون أن يكون لإحداهما مزيّة على الاُخرى أصلاً.
فانقدح أنّه لا مناص عن الجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير; لصراحة مايدلّ عليه في ذلك، وكونه شاهداً للجمع بلا إشكال.
نعم، يقع الإشكال في تحديد القبليّة، وقد عرفت(3) أنّ الشهرة المحقّقة إنّما هي على أنّ أوّل وقتها طلوع الفجر الأوّل، وقد ذكره الأصحاب في كتبهم المعدّة لنقل الفتاوى المأثورة عن العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، وصرّح
(1) سورة الكافرون 109: 1.
(2) الفقيه 1: 313 ح1422، وعنه وسائل الشيعة 4: 269، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52 ح6.
(3) في ص56.
( صفحه 64 )
سيّدنا العلاّمة الاُستاذ البروجردي (قدس سره) بأنّ الذكر في تلك الكتب يكشف عن وجود نصّ معتبر، غاية الأمر أنّه لم يصل إلينا(1).
وكيف كان، فالروايات التي بأيدينا، التي تمكن استفادة التحديد منها ثلاثة:
أحداها: رواية محمد بن مسلم المتقدّمة(2)، الواردة في الجواب عن السؤال عن أوّل وقت ركعتي الفجر، الدالّة على التعيين بسدس الليل الباقي، ودلالتها على مذهب المشهور تبتني على أن يكون المراد من الليل فيها هو مجموع ما بين غروب الشمس وطلوعها.
وعليه: فيكون شروع سدسه قريباً من طلوع الفجر ومنطبقاً على الفجر الأوّل، ولا يبعد دعوى كون المراد ذلك، ولها شواهد كثيرة ليس هنا مجال ذكرها، ولعلّه يأتي التنبيه عليها في الموضع المناسب.
ثانيتها: رواية أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: متى اُصلّي ركعتي الفجر؟ فقال: حين يعترض الفجر، وهو الذي تسمّيه العرب: الصديع(3).
فإنّ تعرّضه (عليه السلام) لتفسير الفجر ـ مع أنّ الفجر الصادق لا يفتقر إلى التفسير; لأجل وضوح المراد منه ـ دليل على أنّ مراده هو الفجر الأوّل، خصوصاً مع أنّ الصديع بحسب أصل اللّغة(4): بمعنى الانشقاق، وهو ينطبق على الفجر
(1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر: 19 ـ 21، نهاية التقرير 1: 109 و153 و173 ـ 174.
(2) في ص59.
(3) تهذيب الأحكام 2: 133 ح517، وعنه وسائل الشيعة 4: 268، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح10.
(4) لسان العرب 4: 23، النهاية لابن الأثير 3: 16 ـ 17، الصحاح 2: 96، القاموس المحيط 3: 63 ـ 64.
( صفحه 65 )
الكاذب; لأنّه على شكل عموديّ وخطّ واقع بين الظلمة يوجب انشقاقها.
ثالثتها: رواية إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين اللّتين قبل الفجر؟ قال: قبل الفجر ومعه وبعده. قلت: فمتى أدعها حتّى أقضيها؟ قال: قال: إذا قال المؤذِّن: قد قامت الصلاة(1). بناءً على أن يكون الصادر هي كلمة «قبيل» كما في نقل الرواية في الكتب الفقهيّة(2).
وأمّا بناءً على كون الصادر هي كلمة «قبل» كما في الطبع الجديد من الوسائل(3)، فلا دلالة لها على التحديد، ولعلّ الترجيح مع النقل الأوّل لاشتمال السؤال على قبل الفجر، ولو كان الصادر في مقام الجواب أيضاً كذلك لم يكن هناك حاجة إلى التكرار، فتدبّر.
هذا كلّه، مع ما عرفت من ظهور كلمة «القبل» في روايات التخيير مطلقاً ـ الشاهدة للجمع ـ في القبل القريب، فينطبق على الفجر الأوّل; وإن كان كلمة «البعد» الواقعة فيها أيضاً ليس لها ظهور في البعد القريب بهذا المقدار; لأنّ البعديّة في النافلة أوسع من القبليّة، كما لا يخفى.
المقام الثاني: في وقت نافلة الصبح من حيث الامتداد، والمشهور هو امتداد وقتها إلى أن تطلع الحمرة المشرقيّة(4)، وعن الشهيد (قدس سره) (5) الميل
(1) تهذيب الأحكام 2: 340 ح1408، وعنه وسائل الشيعة 4: 269، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52ح5.
(2) جواهر الكلام 7: 388، مصباح الفقيه 9: 306، وكذا في التهذيب.
(3) وسائل الشيعة 3: 195، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52 ح5، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الربّاني، ط مكتبة الإسلاميّة بطهران.
(4) جامع المقاصد 2: 22، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 2: 493، مدارك الأحكام 3: 86 ، كشف اللثام 3: 62، الحدائق الناضرة 6: 240، مفتاح الكرامة 5: 120، جواهر الكلام 7: 383 ـ 384.
(5) ذكرى الشيعة 2: 379.
( صفحه 66 )
إلى الامتداد إلى آخر وقت الفريضة، والروايات في هذا المقام أربعة:
الاُولى: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلّي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر، أيركعهما أو يؤخّرهما؟ قال: يؤخّرهما(1).
بناءً على ظهورها في أنّ الأمر المتعلّق بركعتي الفجر قد انقطع بظهور الحمرة، وأنّ استمراره إنّما كان إلى هذا الحدّ فحسب، فلا يؤتى بهما بعده.
ويرد عليه: أنّه إن كان مراد المشهور من الامتداد إلى ذلك الوقت، هي صيرورتهما قضاءً بعد طلوع الحمرة، كصيرورة الفريضة كذلك بعد طلوع الشمس، فالصحيحة لا دلالة لها على ذلك; لأنّ عدم جواز مزاحمتهما مع الفريضة بعد طلوع الحمرة، ولزوم تأخيرهما عنها لا دلالة له على صيرورتهما قضاءً وخروج وقتهما بطلوع الحمرة. نعم، لو كان المراد من الامتداد إليه هو مزاحمتهما للفريضة قبله، وعدمها بعده، من دون أن تصيرا قضاءً، فالصحيحة دالّة عليه.
الثانية: رواية حسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : الرجل يقوم وقد نوّر بالغداة، قال: فليصلّ السجدتين اللّتين قبل الغداة، ثمّ ليصلِّ الغداة(2).
والظاهر أنّ التنوّر بالغداة أعمّ من ظهور الحمرة، والرواية تدلّ على
(1) تهذيب الأحكام 2: 340 ح1409، وعنه وسائل الشيعة 4: 266، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح1.
(2) تهذيب الأحكام 2: 135 ح525، الاستبصار 1: 285 ح1042، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح4.
( صفحه 67 )
مذهب الشهيد، ولا تنطبق على مرام المشهور إلاّ على تقدير كون المراد بالامتداد هي المزاحمة، بضميمة تقييد إطلاقها بصحيحة علي بن يقطين المتقدّمة، الدالّة على عدم جواز المزاحمة بعد طلوع الحمرة المشرقيّة.
الثالثة: مرسلة إسحاق بن عمّار المتقدّمة(1)، الحاكية لقوله (عليه السلام) : صلِّ الركعتين ما بينك، وبين أن يكون الضوء حذاء رأسك، فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر.
بناءً على أن يكون المراد بكون الضوء حذاء الرأس هو الفجر الكاذب، كما عرفت(2).
ولكنّ الظاهر عدم جواز الالتزام بالرواية; لأنّه ـ مضافاً إلى ظهورها حينئذ في جواز الابتداء بالفريضة بعد طلوع الفجر الكاذب ـ يكون مقتضاها أنّ طلوع الفجر الكاذب آخر وقت الركعتين، فتدبّر.
وعليه: فلابدّ من الحمل على أنّ المراد بذلك هو تنوّر السماء وضوء العالم كلّه وإن كان يبعّده تقييده بكونه حذاء رأسك.
الرابعة: رواية سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين قبل الفجر؟ قال: تركعهما حين تنزل (تترك)(3) الغداة، إنّهما قبل الغداة(4).
(1 ، 2) في ص60.
(3) كذا في وسائل الشيعة 3: 193، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح2، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الربّاني، ط مكتبة الإسلاميّة بطهران.
(4) تهذيب الأحكام 2: 133 ح514، وعنه وسائل الشيعة 4: 266، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح2.
( صفحه 68 )
قال في الوسائل بعد نقل الرواية بمثل ما ذكر: وفي رواية اُخرى: حين تنوّر الغداة(1).
فإن كانت الرواية «حين تنوّر» تصير من حيث المفاد موافقة لرواية حسين بن أبي العلاء المتقدّمة، ومقتضى إطلاقها الامتداد إلى بعد طلوع الحمرة أيضاً. وأمّا إذا كانت «حين تترك» يكون مفادها أنّه مع عدم إرادة خصوص الفريضة والإتيان به تأتي بالركعتين، ومقتضى إطلاقها أيضاً ما ذكر.
وأمّا إذا كانت «حين تنزل»، فإن كان المراد بالغداة النازلة هي نفس الغداة التي بمعنى الصبح، فنزول الغداة مرجعه إلى تنوّرها وتجلّلها، وإن كان المراد بها هي فريضة الغداة، كما ربما يؤيّده قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية ـ الذي هو بمنزلة التعليل ـ : «إنّهما قبل الغداة» لا يعلم المراد من نزول الفريضة، ولعلّ المراد منه الإتيان بها، ومرجعه حينئذ إلى الإتيان بالنافلة حين إرادة الإتيان بالفريضة، ومقتضى إطلاقها أيضاً ما ذكرنا.
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّه لو كان مراد المشهور من الامتداد إلى طلوع الحمرة; هو صيرورتها قضاءً بعده، لا يمكن المساعدة عليه من جهة الروايات الواردة في الباب. وأمّا لو كان مرادهم هي المزاحمة مع الفريضة إلى ذلك الوقت، فلامانع من الأخذ به; لصحيحة علي بن يقطين الصريحة في ذلك، بل لا مانع من دعوى امتداد الوقت إلى مقدار ما بقي إلى الطلوع من أداء الفريضة، كما أفاده الماتن دام ظلّه;
(1) الاستبصار 1: 283 ح1032، وعنه وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح3.
( صفحه 69 )
لأنّ الغرض هو أن لا يفوت وقت فضيلة الفريضة، وهو يتوقّف على بقاء المقدار المذكور، فتدبّر.
وقت صلاة الليل
المسألة الرابعة: في وقت صلاة الليل، والكلام فيه أيضاً يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في وقتها من حيث المبدأ، ونقول:
قد استقرّت الفتاوى(1) على أنّ أوّل وقتها هو انتصاف الليل، وحكي عن بعض(2) أنّ مبدأ وقتها أوّل الليل، وما يمكن أن يستدلّ، أو استدلّ به على مرام المشهور(3) وجوه:
الأوّل: الإجماع(4) على أنّ أوّل وقتها هو الانتصاف، وأنّه لا يجوز تقديمها عليه إلاّ فيما ورد النصّ على الجواز فيه.
وفيه: أنّ الإجماع في المسائل التي تشتمل على الأدلّة اللفظيّة لا أصالة له أصلاً; لقوّة احتمال أن تكون تلك الأدلّة مستند المجمعين، فلا اعتبار بالإجماع حينئذ.
الثاني: مرسلة الصدوق قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : وقت صلاة الليل ما بين
(1) المراسم: 63، النهاية: 60، المهذّب 1: 70، الوسيلة: 83 ، السرائر 1: 195 و202، مختلف الشيعة 2: 336 مسألة 228، وفيه: أنّه المشهور، تحرير الأحكام 1: 179، الرقم 558، جامع المقاصد 2: 21، الروضة البهيّة 1: 184، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 1: 492، مفاتيح الشرائع 1: 93 مفتاح 104، مفتاح الكرامة 5: 115 ـ 116، جواهر الكلام 7: 312.
(2) ذخيرة المعاد: 199 ـ 200 سطر 30 ـ 34 وص201 ـ 202، سطر 15 ـ 42، وفي رياض المسائل 3: 52، وجواهر الكلام 7: 315: «كما يتوهّم من الموثّقين».
(3) مصباح الفقيه 9: 254 ـ 255، نهاية التقرير 1: 182، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 378.
(4) الخلاف 1: 533 مسألة 272، المعتبر 2: 54، تذكرة الفقهاء 2: 318 مسألة 343، منتهى المطلب 4: 97، مدارك الأحكام 3: 76، ويلاحظ الرقم 1.
( صفحه 70 )
نصف الليل إلى آخره(1).
وقد اُورد على الاستدلال بها بالإرسال(2)، ولكنّه مندفع بأنّ الإرسال إن كان بنحو الإسناد إلى الرواية بمثل «روي»، فلا يصلح للاستدلال، وإن كان بنحو الإسناد إلى المعصوم (عليه السلام) ، الذي لا يكاد يجتمع إلاّ مع توثيق الوسائط والاعتماد عليهم والاطمئنان بهم، فيجوز الاستناد إليه إذا كان مرسله مثل الصدوق، الذي لا يقصر توثيقه عن توثيق أرباب الرجال; لأنّه لا يعتبر في التوثيق التصريح به، بل يكفي الاعتماد الكاشف عن الوثاقة عنده، فتدبّر.
الثالث: الأخبار الواردة في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) والوصيّ (عليه السلام) لم يكونا يصلّيان صلاة الليل قبل الانتصاف، وهي كثيرة، مثل:
ما رواه فضيل، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلّي بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة(3).
ورواية عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلّى العشاء آوى إلى فراشه، فلم يصلِّ شيئاً حتّى ينتصف الليل(4).
ورواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) لا يصلّي من الليل شيئاً إذا صلّى العتمة حتّى ينتصف الليل، ولا يصلّي من النهار حتّى
(1) الفقيه 1: 302 ح1379، وعنه وسائل الشيعة 4: 248، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب43 ح2.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 379، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 263.
(3) تهذيب الأحكام 2: 117 ح442، الاستبصار 1: 279 ح1012، وعنهما وسائل الشيعة 4: 248، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب43 ح3.
(4) الفقيه 1: 302 ح1378، وعنه وسائل الشيعة 4: 248، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب43 ح1.
( صفحه 71 )
تزول الشمس(1).
واُورد على الاستدلال بها بأنّ هذه الروايات ليس فيها غير حكاية فعل المعصوم (عليه السلام) ، ولا دلالة لها على التوقيت; لأنّه من المحتمل أن يكون التزامه بصلاة الليل بعد الانتصاف مستنداً إلى أفضليّتها بعده، لا إلى عدم مشروعيّتها وحرمتها قبله(2).
ويدفعه: تماميّة الإيراد إذا كان الحاكي غير الإمام (عليه السلام) ، وأمّا إذا كان الحاكي هو الإمام، وكان غرضه من الحكاية بيان الأحكام كما هو شأنه; لأنّه في مثل هذه الموارد لا يكون إلاّ بصدد بيان الحكم، لا مجرّد الحكاية ونقل الواقعة، فيجوز الاستدلال بكلامه الصادر في هذا المقام، ومن الظاهر ظهور كلامه في عدم المشروعيّة قبل الانتصاف، كما إذا كان بيان الحكم بصورة الأمر بإيقاع صلاة الليل بعده، أو النهي عن الإتيان بها قبله.
ويؤيّده ذيل رواية زرارة، المشتملة على حكاية أبي جعفر (عليه السلام) عمل عليّ (عليه السلام) ; فإنّ تأخير النافلة إلى وقت الزوال كان بنحو العزيمة; لعدم جواز الإتيان بها قبله، والإنصاف تماميّة دلالة هذه الروايات على مرام المشهور.
الرابع: الروايات الكثيرة الدالّة على جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف لمثل المسافر، أو الشابّ، أو خائف الجنابة، أو البرد، أو نحوها من الأعذار التي جمعها في الوسائل في الباب الرابع والأربعين
(1) تهذيب الأحكام 2: 266 ح1061، الاستبصار 1: 277 ح1005، وعنهما وسائل الشيعة 4: 231، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب36 ح6.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 379.
( صفحه 72 )
من أبواب المواقيت.
منها: رواية الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن خشيت أن لا تقوم في آخر الليل، أو كانت بك علّة، أو أصابك برد، فصلِّ وأوتر في أوّل الليل في السفر(1).
ومنها: رواية سماعة بن مهران أنّه سأل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن وقت صلاة الليل في السفر؟ فقال: من حين تصلّي العتمة إلى أن ينفجر الصبح(2).
فإنّ صلاة الليل إذا لم تكن موقّتة بما بعد الانتصاف، وكانت جائزة قبله أيضاً، لما كان وجه لتخصيص الجواز بخصوص المعذورين المذكورين، بل كان اللاّزم هو التجويز بالإضافة إلى غير المعذور أيضاً; لمشروعيّتها في وقتها مطلقاً.
واُورد على الاستدلال بها: أنّه من الجائز أن يكون الإتيان بصلاة الليل جائزاً في نفسه، ومرجوحاً عند الاختيار قبل الانتصاف، ولا تكون مرجوحة لدى العذر، فعدم الترخيص مع الاختيار مستند إلى المانع; وهي الحزازة الموجودة فيه(3).
وجوابه واضح; فإنّه ـ مضافاً إلى أنّ هذا الاحتمال لا يعتنى به عند العقلاء في مقابل الظهور ـ نقول: إنّ رواية سماعة تدلّ على مفروغيّة اختلاف وقت
(1) الفقيه 1: 289 ح1315، تهذيب الأحكام 3: 227 ح578، وعنهما وسائل الشيعة 4: 250، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح2.
(2) الفقيه 1: 289 ح1317، تهذيب الأحكام 3: 227 ح577، وعنهما وسائل الشيعة 4: 251، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح5.
(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 380.
( صفحه 73 )
صلاة الليل في السفر معه في الحضر، ولذا يكون السؤال فيها مقيّداً بقيد السفر. وعليه: فكيف يجري فيه احتمال عدم اختلاف الوقتين، وثبوت الاختلاف في الحزازة وعدمها؟ كما لايخفى.
الخامس: رواية محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتّى يمضي لذلك العشر والخمس عشرة، فيصلّي أوّل الليل أحبّ إليك، أم يقضي؟
قال: لا، بل يقضي أحبّ إليّ، إنّي أكره أن يتّخذ ذلك خلقاً، وكان زرارة يقول: كيف تقضي صلاة لم يدخل وقتها؟ إنّما وقتها بعد نصف الليل(1).
واُورد عليه بأنّ محلّ الاستشهاد في الرواية إنّما هو قول زرارة دون الإمام (عليه السلام) ، ولم يعلم أنّه ينقله عنه، ولعلّه قد اجتهد في ذلك، ولا اعتداد باجتهاده(2).
ويدفعه ـ مضافاً إلى أنّه يحتمل قويّاً أن يكون الناقل لقول زرارة هو الإمام (عليه السلام) لا محمد بن مسلم راوي الرواية، ويؤيّده سياقها، فتدبّر ـ : أنّ نقل محمد بن مسلم عنه شاهد على عدم كون ذلك اجتهاداً من زرارة; لوضوح عدم حجّية اجتهاده لغيره، خصوصاً إذا كان مثل محمد بن مسلم، فنقله عنه دليل على كونه رواية لا فتوى.
السادس: موثّقة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّما على أحدكم إذا انتصف
(1) تهذيب الأحكام 2: 119 ح448، الاستبصار 1: 280 ح1016، وعنهما وسائل الشيعة 4: 256، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب45 ح7.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 380.
( صفحه 74 )
الليل أن يقوم فيصلّي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة، ثمّ إن شاء جلس فدعا، وإن شاء نام، وإن شاء ذهب حيث شاء(1).
وقد استدلّ بها بعض الأعلام(2) مدّعياً لظهور دلالتها وخلوّها عن الإيرادات المتقدّمة، مع أنّه يمكن الإيراد عليها بأنّ تقييد الصلاة المأمور بها بانتصاف الليل يجوز أن يكون من جهة تقيّد الفضيلة بها، وإلاّ فأصل الوقت لا يتوقّف على الانتصاف، كما لايخفى.
السابع: الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ قضاء صلاة الليل بعد الفجر أفضل من تقديمها على نصف الليل والإتيان بها قبله، وقد جمعها في الوسائل في الباب الخامس والأربعين من أبواب المواقيت، ودلالتها على مذهب المشهور ظاهرة; فإنّه إذا لم تكن صلاة الليل موقّتة بما بعد النصف، وكان قبله أيضاً وقتاً لها، لم يكن وجه لأفضليّة القضاء عن الإتيان قبل الانتصاف; فإنّه لا وجه لأفضليّة القضاء عن الأداء ولو لم يكن وقت الفضيلة; فإنّها تنافي التوقيت وتشريع الوقت، كما هو واضح.
وقد استدلّ على القول بجواز الإتيان بها اختياراً من أوّل الليل بوجوه أيضاً:
الأوّل: المطلقات(3) الواردة في صلاة الليل، الدالّة على استحبابها وأنّها ثمان ركعات، أو أحد عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة في الليل، بتقريب أنّ كلمة
(1) تهذيب الأحكام 2: 137 ح533، وص339 ح1400، الاستبصار 1: 349 ح1320، وعنهما وسائل الشيعة 6: 495، كتاب الصلاة، أبواب التعقيب ب35 ح2.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 381.
(3) وسائل الشيعة 4: 47 ـ 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6، 7، 9، 16، 21 و23 ـ 25.
( صفحه 75 )
«الليل» الواقعة فيها مطلقة تشمل جميع أجزاء الليل من أوّله ووسطه وآخره.
والجواب: أنّها لا تكون بصدد بيان وقت صلاة الليل حتّى يجوز التمسّك بإطلاقها، بل هي في مقام بيان تعدادها في رديف سائر النوافل اليوميّة أو مجموعها والفريضة، فراجع.
الثاني: رواية حسين بن علي بن بلال قال: كتبت إليه في وقت صلاة الليل، فكتب: عند زوال الليل وهو نصفه أفضل، فإن فات فأوّله وآخره جائز(1).
والجواب: أنّ الرواية ضعيفة السند بالحسين بن علي بن بلال; لعدم توثيقه بوجه، ويمكن المناقشة في دلالتها أيضاً بعد ظهور كون السؤال عن أصل الوقت لا وقت الفريضة، وبعد تعليق الجواز على الفوت عند نصف الليل، الظاهر في عدمه عند غيره. وعليه: فلا يبعد أن يكون المراد بالأفضل هو أصل الوقت، والمراد من الأوّل والآخر هو التقديم والتأخير الراجع إلى القضاء.
الثالث: الأخبار الدالّة(2) على جواز تقديم صلاة الليل على نصفه عند العذر، كخوف الجنابة والسفر، وخوف عدم القيام ونحوها، بتقريب: أنّ التجويز مع تلك الأعذار يلائم مع عدم التوقيت بما بعد الانتصاف; فإنّها
(1) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1392، وعنه وسائل الشيعة 4: 253، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح13.
(2) وسائل الشيعة 4: 249 ـ 254، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44.
( صفحه 76 )
لا تنافي الإتيان بها في وقتها، غاية الأمر الانتقال إلى الطهارة الترابيّة، كما في الفريضة، وسقوط شرط الاستقرار الذي هو شرط الكمال في النافلة لا الصحّة، ويظهر ذلك من المحقّق الهمداني في المصباح(1).
والجواب: ظهور هذه الروايات في تعدّد الوقت واختلافه، ولا منافاة; فإنّه حيث يكون صلاة الليل نافلة مخصوصة لها مزايا كثيرة، اُريد بذلك التوسعة بالإضافة إلى الوقت لخصوص المعذور، غاية الأمر التوسّع في العذر وتعميم موارده، فلا يستفاد منها وحدة الوقت أصلاً.
الرابع: موثّقة سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوّله إلى آخره، إلاّ أنّ أفضل ذلك بعد انتصاف الليل(2).
الخامس: صحيحة محمد بن عيسى قال: كتبت إليه أسأله: يا سيّدي روي عن جدّك أنّه قال: لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في أوّل الليل؟ فكتب: في أيّ وقت صلّى فهو جائز إن شاء الله(3).
وهاتان الروايتان تامّتان من حيث السند والدلالة، والجمع بينهما، وبين الروايات المتقدّمة الدالّة على أنّ أوّل وقتها هو انتصاف الليل ـ بعد ثبوت الإطلاق لكلتيهما من جهة ثبوت العذر وعدمه ـ هو حملهما على صورة العذر، وحملها على حال الاختيار، والشاهد للجمع هو الأخبار الدالّة على
(1) مصباح الفقيه 9: 263 ـ 270.
(2) تهذيب الأحكام 3: 233 ح607، وج2: 337 ح1394، وعنه وسائل الشيعة 4: 252، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح9.
(3) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1393، وعنه وسائل الشيعة 4: 253، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح14.
( صفحه 77 )
جواز التقديم على الانتصاف في موارد العذر، الظاهرة في اختصاص المعذورين بوقت خاصّ، وثبوت تعدّد الوقت واختلافه، فلا تعارض في البين كما لا يخفى.
المقام الثاني: في منتهى وقت صلاة الليل، والمعروف بل المتسالم عليه بينهم هو امتداد وقت صلاة الليل إلى طلوع الفجر الصادق(1)، وفي مقابله احتمالان:
أحدهما: الامتداد إلى طلوع الشمس، ومنشؤه استدامة الليل إليه وإطلاق صلاة الليل عليها.
والآخر: الامتداد إلى طلوع الفجر الكاذب، ونسب ذلك إلى السيّد المرتضى (قدس سره) (2).
أمّا الاحتمال الثاني: فيردّه رواية إسماعيل بن جابر، أو عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : إنّي أقوم آخر الليل وأخاف الصبح، قال: إقرأ الحمد واعجل واعجل(3).
ورواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقوم من آخر الليل وهو يخشى أن يفجأه الصبح، أيبدأ بالوتر، أو يصلّي الصلاة على
(1) مسائل الناصريّات: 198 مسألة 176، الخلاف 1: 533 مسألة 272، المعتبر 2: 54، منتهى المطلب 4: 97، جامع المقاصد 2: 21 ـ 22، مجمع الفائدة والبرهان 2: 33.
(2) حكى عنه في مختلف الشيعة 2: 56 مسألة 12، وذكرى الشيعة 2: 371. وفي مفتاح الكرامة 5: 116 نسبه إلى جمل العلم والعمل، ولكن لم نعثر عليه في النسخ الموجودة لدينا من الجمل، وكذا في بقيّة كتبه عاجلاً.
(3) الكافي 3: 449 ح27، تهذيب الأحكام 2: 124 ح273، الاستبصار 1: 280 ح1019، وعنها وسائل الشيعة 4: 257، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح1.
( صفحه 78 )
وجهها حتّى يكون الوتر آخر ذلك؟! قال: بل يبدأ بالوتر، وقال: أنا كنت فاعلاً ذلك(1).
ورواية معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح ويوتر ويصلّي ركعتي الفجر ويكتب له بصلاة الليل(2).
ولكن دلالة هذه الروايات الثلاثة على خلاف ما نسب إلى السيّد إنّما تتمّ على تقدير أن يكون مراده هو امتداد مجموع إحدى عشرة ركعة إليه، فينقضي وقتها بطلوعه وإن لم يطلع الفجر الصادق بعد; لصراحتها في جواز الوتر وعدم انقضاء وقته قبل الصبح.
نعم، يمكن أن يكون مراده هو امتداد خصوص ثمان ركعات التي عبّر عنها بصلاة الليل في روايات(3) متعدّدة، فيجوز الإتيان بالشفع والوتر بعد الفجر الأوّل، وعلى هذا التقدير يدفعه روايات(4) الامتداد إلى الفجر الثاني، الظاهرة في امتدادها بتمامها إليه، ويمكن أن يستفاد من رواية إسماعيل أو عبد الله المتقدّمة خلافه; نظراً إلى إطلاق: «إقرأ الحمد» الشامل لجميع الركعات، وعدم الاختصاص بالوتر، فتدبّر.
(1) الكافي 3: 449 ح28، تهذيب الأحكام 2: 125 ح274، الاستبصار 1: 281 ح1020، وعنها وسائل الشيعة 4: 257، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح2.
(2) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1391، وص341 ح1411، وعنه وسائل الشيعة 4: 258، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح3.
(3) وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6، 7، 16، 24 و 25.
(4) وسائل الشيعة 4: 257، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46.
( صفحه 79 )
وأمّا الاحتمال الأوّل: فيدفعه صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس؟ فقال: نعم، وبعد العصر إلى الليل، فهو من سرّ آل محمّد المخزون(1).
ومرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام) : قضاء صلاة الليل بعد الغداة وبعد العصر من سرّ آل محمّد المخزون(2).
وغيرهما من الروايات(3) الدالّة على تحقّق عنوان القضاء بطلوع الفجر.
بقي الكلام في هذه المسألة في أمرين:
الأوّل: ذكروا(4) أنّ الإتيان بصلاة الليل في السحر أفضل، وأفضل منه آخر الليل، الذي هو القريب من الفجر، ويستفاد من قوله ـ تعالى ـ : (وَبِالاَْسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(5) ثبوت مزيّة لهذه القطعة المسمـّاة بالسحر، وقد اختلف في تفسيره، فالمشهور بين الناس تفسيره بالثلث الباقي من الليل(6)، وربما يفسّر بأضيق من ذلك، وقد فسّر في اللغة بقبل الفجر، أو قبيله، أو سدس الليل ونحوها(7)، ولابدّ من ملاحظة الروايات الواردة ليظهر أصل
(1) تهذيب الأحكام 2: 173 ح689، الاستبصار 1: 290 ح1060، وعنهما وسائل الشيعة 4: 273، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب56 ح1.
(2) الفقيه 1: 315 ح1429، وعنه وسائل الشيعة 4: 274، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب56 ح3.
(3) وسائل الشيعة 4: 274 ـ 279، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب56 ح2، وب57.
(4) راجع ص77.
(5) سورة الذاريات 51: 18.
(6) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 167، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4: 38 ـ 39، وروح المعاني: 3: 137، والجواهر الحسان في تفسير القرآن (تفسير الثعالبي) 1: 236 ـ 237.
(7) لسان العرب 3: 253، معجم تهذيب اللغة 2: 164، القاموس المحيط 2: 108، المصباح المنير 1: 267.
( صفحه 80 )
الحكم، ولعلّه يظهر المراد من السحر أيضاً.
فنقول: الروايات الواردة في هذا الباب مختلفة من حيث العنوان المأخوذ فيها، فبعضها يشتمل على عنوان السحر.
كرواية أبي بصير الواردة فيما يستحبّ أن لا يقصر عنه من التطوّع، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) : ومن (في خ ل) السحر ثمان ركعات، ثمّ يوتر، والوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثمّ ركعتان قبل صلاة الفجر، وأحبّ صلاة الليل إليهم آخر اللّيل(1).
ويستفاد من هذه الرواية ـ بعد حمل السحر على وقت الفضيلة لا أصل الوقت، بقرينة الروايات المتقدّمة(2)، الدالّة على أنّ أوّل وقتها بعد انتصاف الليل، ووضوح عدم كون السحر تمام النصف الباقي من الليل ـ مغايرة عنوان السحر لعنوان آخر الليل، وأنّه أفضل من السحر، كما لا يخفى.
ورواية فضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثمان ركعات في السحر، الحديث(3).
ورواية الأعمش، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثمان ركعات في السحر; وهي صلاة الليل، الحديث(4).
(1) تهذيب الأحكام 2: 6 ح11، الاستبصار 1: 219 ح777، وعنهما وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح2.
(2) في ص 70 ـ 71 و 73 ـ 76.
(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123 ح1، تحف العقول: 417، وعنهما وسائل الشيعة 4: 54، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح23.
(4) الخصال: 603 ح9، وعنه وسائل الشيعة 4: 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح25.
( صفحه 81 )
وبعضها يشتمل على عنوان الثلث، كرواية رجاء بن أبي الضحّاك، الحاكية لفعل الرضا (عليه السلام) ، المشتملة على قوله: فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار فاستاك ثمّ توضّأ، ثمّ قام إلى صلاة الليل، فيصلّي ثماني ركعات ويسلِّم، الحديث(1).
ورواية إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ساعات الوتر؟ قال: أحبّها إليّ الفجر الأوّل. وسألته عن أفضل ساعات الليل؟ قال: الثلث الباقي، الحديث(2).
فإنّ المراد من أفضل ساعات الليل إمّا الأفضليّة بلحاظ خصوص صلاة الليل، وإمّا الأفضليّة بلحاظ جميع العبادات التي منها صلاة الليل قطعاً، بقرينة عدم ثبوت خصوصيّة مخرجة، ومسبوقيّة السؤال من ساعة الوتر، فتدبّر.
وبعضها يدلّ على عنوان آخر الليل، كرواية مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: متى اُصلّي صلاة الليل؟ قال: صلّها في آخر الليل، الحديث(3).
ورواية سليمان بن خالد، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) : وثمان ركعات من آخر الليل، تقرأ في صلاة الليل بـ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، و(قُلْ يا أَيُّهَا في الركعتين الاُوليين، الحديث(4).
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 180 ـ 181 ح5، وعنه وسائل الشيعة 4: 56، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 قطعة من ح24.
(2) تهذيب الأحكام 2: 339 ح1401، وعنه وسائل الشيعة 4: 272، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب54 ح4.
(3) تهذيب الأحكام 2: 335 ح1382، وعنه وسائل الشيعة 4: 272، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب54 ح3.
(4) تقدّم تخريجها في ص31.
( صفحه 82 )
والجمع بين هذه الروايات إنّما هو بحمل ما ورد فيه عنوان السحر على أنّ المراد به هو الثلث الباقي بقرينة ما تدلّ عليه، فيكون وقت الفضيلة هو الثلث، وحمل ما دلّ على آخر الليل على أنّه أفضل أجزاء السحر بالإضافة إليها، والشاهد هي رواية أبي بصير الظاهرة في مغايرة عنوان السحر وآخر الليل; بمعنى كون الثاني أضيق من الأوّل.
ويؤيّده أنّ السؤال في رواية مرازم ليس عن وقت صلاة الليل مطلقاً، بل عن الوقت الذي يصلّي الراوي في ذلك الوقت، والجواب أيضاً قد ورد بنحو الخطاب.
وعليه: فيرتفع البعد عن أن يكون المراد أفضل الأوقات، كما أنّ رواية ابن خالد بلحاظ اشتمالها على بيان خصوصيّة السورة في صلاة الليل، تكون ناظرة إلى الوقت الأفضل، وعلى ما ذكرنا فالجمع يصير في كمال الوضوح، ولا حاجة إلى ملاحظة أمر آخر في أصل الحكم أو في تفسير السحر، فتدبّر.
الأمر الثاني: قد ورد في جملة من الروايات أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يفرّق بين ركعات صلاة الليل.
فقد روى الحلبي ـ في الصحيح أو الحسن ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلّى العشاء الآخرة أمر بوضوئه وسواكه، فوضع عند رأسه مخمراً فيرقد ما شاء الله، ثمّ يقوم فيستاك ويتوضّأ ويصلّي أربع ركعات، ثمّ يرقد، ثمّ يقوم فيستاك ويتوضّأ ويصلّي أربع ركعات، ثمّ يرقد حتّى إذا كان في وجه الصبح قام فأوتر، ثمّ صلّى الركعتين، ثمّ قال: لقد كان لكم في رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة.