صفحه اصلی معرفی مرکز دانلود مقالات و فایل‌ها تماس با ما ورود اعضاء
كتاب الصلاة (ج1)
( صفحه 1 )

بسم الله الرحمن الرحيم

ألحمد لله الّذي خلق الجنّ والإنس ليعبدون، وما أمرهم بالعبادة إلاّ ليعرفون، وما يعرفونه إلاّ الّذين هم على صلواتهم يحافظون وفيها خاشعون، اُولئك هم المفلحون، الّذين هم عن الفحشاء والمنكر ينتهون، واُصلّي على محمّد صلّى الله عليه وآله أجمعين، والسّلام على الإمام المنتظر حين يصلّى ويقنت، والسّلام عليه حين يركع ويسجد، والسّلام عليه حين يهلّل ويكبّر، والسّلام عليه حين يحمد ويستغفر.

أمّا بعد; فإنّ هذا المشروع الّذي بين يديك هي الطبعة الثانية من كتاب الصلوة من الموسوعة القيّمة المسمّاة بـ «تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة» من تأليفات المرجع الدينيّ المجاهد الفقيد آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني (قدس سره) ، نسأل الله تعالى أن يجعله ذخراً لآخرته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

ثمّ اعلم إنّ أصل الكتاب كان مضبوطاً ومكتوباً في ثلاثة دفاتر مرتّبةً على حسب ترتيب المتن; وهو تحرير الوسيلة وكان من اللازم وقوع الطبع على هذا الترتيب، ومع الأسف تبدّل مكان الدفتر الثاني إلى الثالث وبالعكس، وتحقّق الاختلال لا محالة في الترتيب في الطبعة الاُولى من أوّل مبحث اللباس المشكوك، وحيث مضى من الطبعة الاُولى سنين عديدة، ولم يكن هذا المجلّد من الكتاب بأيدي الفضلاء، رأينا من الواجب إجابةً لإخواننا الأعزّاء نشره ثانياً باُسلوب جديد مع تخريج المصادر، وإصلاح النواقص الّتي تحقّق في الطبعة الاُولى، وممّا تمايز به هذه الطبعة عمّا سبقها أنّ كلّ ما ألّفه من مباحث الصلاة في الطبعة الاُولى طبع في مجلّد واحد، وفي هذه الطبعة حيث أضيفت إليها تحقيقات وتخريجات، طبع في مجلّدين.

وقد تمّ هذا المشروع بجهود جماعة من الفضلاء الأماجد في المركز:

الإشراف المباشر: سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد رضا الفاضل الكاشاني، مدير المركز.

تخريج المصادر: حجج الإسلام والمسلمين الشيخ إبراهيم الأميرى، والسيّد محمّد على المير صانع.

مراجعة التخريجات وتنظيم الفهارس: حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ رضا علي المهدوي.

المقابلة: حجج الإسلام والمسلمين الشيخ رضا علي المهدوي، والسيّد حسن يونسي.

المراجعة النهائيّة وتقويم النصّ وإبداء الملاحظات الفنيّة: حجة الإسلام والمسلمين الشيخ عباد الله سرشار الطهراني الميانجي. شكّر الله مساعيهم ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعلمون.

مركز فقه الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)

محمّد جواد الفاضل اللنكراني

( صفحه 5 )

صورة الصفحة الاُولى من كتاب الصلاة (ج1) بخطّ المؤلّف (رحمه الله)

( صفحه 6 )

صورة الصفحة الأخيرة من كتاب الصلاة (ج1) بخطّ المؤلّف (رحمه الله)

( صفحه 7 )

فضل الصلاة وأهمّيتها

[ فضل الصلاة وأهمّيتها ]

وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي عمود الدين، إن قبلت قبل ماسواها، وإن ردّت ردَّ ما سواها 1 .

1ـ وهي أحبّ الأعمال إلى الله تعالى، ولا شيء بعد المعرفة أفضل منه، قال مولانا الصادق (عليه السلام) في الصحيح: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال: (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً)(1)، (2). وهي آخر وصايا الأنبياء (عليهم السلام) (3)، وأوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، وهي عمود الدين، إن قبلت قُبِل ما سواها،

  • (1) سورة مريم 19: 31.

  • (2) الكافي 3: 264 ح1، الفقيه 1: 135 ح634، تهذيب الأحكام 2: 236 ح932، وعنها وسائل الشيعة 4: 38، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب10 ح1.

  • (3) الكافي 3: 264 ح2، الفقيه 1: 136 ح638، وعنهما وسائل الشيعة 4: 38، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب10 ح2.

( صفحه 8 )

وإن ردّت ردَّ ما سواها(1).

والظاهر أنّ المراد من القبول هي الصحّة والتماميّة، لا القبول الذي هو أخصّ من الصحّة، ويؤيّده التعبير بالصحّة أو التماميّة في بعض الروايات الاُخر(2)، والذي ينبغي التعرّض له هنا أمران:

الأوّل: في المراد من توصيفها بكونها ناهية عن الفحشاء والمنكر في الآية الشريفة، قال الله ـ تعالىـ: (أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)(3)، وهذا منتهى الثناء، كما قال صاحب الدرّة:

تنهى عن المنكر والفحشاء *** أقصر فذاك منتهى الثناء(4)

وقد وقع الاختلاف في المراد من الكريمة، ومنشؤه ما يرى من عدم اجتناب بعض المصلِّين ـ مع تماميّة صلاته وصحّتها ـ عن ارتكاب بعض المنكرات، والإتيان ببعض الفواحش، فكيف تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، ولأجله اختلفت الآراء في المراد منها.

فمنهم: من ذكر أنّ الصلاة في الآية بمعنى الدعاء; والمراد الدعوة إلى أمر الله; والمعنى أقم الدعوة إلى أمر الله; فإنّ ذلك يردع الناس عن الفحشاء والمنكر(5).

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 237 ح936، الفقيه 1: 134 ح626، وعنهما وسائل الشيعة 4: 34، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب8 ح13 و 10، أمالي الصدوق: 739 ـ 740.

  • (2) وسائل الشيعة 4: 31 و 35، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب8 ح1 و ذ ح13.

  • (3) سورة العنكبوت 29: 45.

  • (4) الدّرة النجفيّة: 85 .

  • (5) روح المعاني 20: 495.

( صفحه 9 )

ويرد عليه ـ مضافاً إلى أنّه لا معنى لإقامة الدعوة إلى أمر الله ـ : أنّ تفسير الصلاة بذلك صرف الكلام عن الظاهر من دون مسوّغ.

ومنهم: من قال: إنّ الصلاة في الآية في معنى النكرة، والمراد أنّ بعض أنواع الصلاة أو أفرادها يوجب الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وهو كذلك، وليس المراد الاستغراق حتّى يرد الإشكال(1).

وفيه: أنّه لا يلائم سياق الحكم والتعليل في الآية; فإنّه كما أنّ الصلاة التي اُمر بإقامتها لا يراد بها إلاّ الطبيعة التي هي مفاد لفظها، كذلك المراد بالصلاة الواقعة في التعليل لا يكاد يكون إلاّ نفس الطبيعة، وإلاّ يختلّ السياق ولا تصلح العلّة للعلّية، كما لا يخفى.

ومنهم: من ذكر أنّ المراد نهيها عن الفحشاء والمنكر ما دامت قائمة والمصلّي في صلاته، كأنّه قيل: إنّ المصلّي ما دام مصلّياً يكون بعيداً عن الاشتغال بالمعصية والإتيان بالفحشاء والمنكر(2).

ويرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ الاشتغال بالصلاة لا ينافي فعل بعض المعاصي، كالنظر إلى الأجنبيّة مثلاً ـ: أنّ الظاهر كون النهي مترتّباً على فعل الصلاة; بمعنى أنّ أثر الصلاة المترتّب عليها بعد وقوعها بأجمعها في الخارج هو النهي عن الفحشاء والمنكر، فلا معنى لدعوى تحقّق الانتهاء في الأثناء، كما لا يخفى.

ومنهم: من قال: إنّ الآية على ظاهرها ـ والصلاة بمنزلة الشخص الذي

  • (1) روح المعاني 20: 494.

  • (2) روح المعاني 20: 494، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) 11: 190، مجمع البيان 8 : 26، منهج الصادقين 7: 163.

( صفحه 10 )

ينهى ـ في أنّ النهي لا يستلزم الانتهاء، وليس نهي الصلاة بأعظم من نهيه تعالى، كما في قوله ـ تعالى ـ: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاْلإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)(1)، ونهيه ـ تعالى ـ لا يستلزم الانتهاء، فكذلك نهي الصلاة(2).

ويدفعه: أنّ الظاهر من الآية تحريك المكلّف إلى إقامة الصلاة; لأنّها عمل عباديّ يورث حصول صفة روحيّة في المقيم لها، بحيث يرتدع عن الفحشاء والمنكر بسبب ردع الصلاة ونهيها، وليس المراد الدعوة إلى إتيانها; لكونها ناهية في نفسها وإن لم يكن المصلّي منتهياً ومرتدعاً، ففي الحقيقة إقامة الصلاة لابدّ وأن يكون لها أثر وفائدة بالنسبة إلى المصلّي; وهو لا يكون إلاّ انتهاؤه، فعاد الإشكال(3).

والحقّ في معنى الآية ما أفاده بعض الأعاظم من المفسِّرين(4); من أنّ الردع أثر طبيعة الصلاة التي هي توجّه خاصّ عباديّ إلى الله سبحانه، ويتضمّن الاعتراف بالجهالة والافتقار إلى الهداية، والإقرار بيوم الدين، ووقوع الغضب على طائفة من المتمرّدين، وتكون مشروطة بشرائط خاصّة، الموجبة للتوجّه والالتفات إلى المحرَّم، وتمييزه عن المحلّل، وغير ذلك من الجهات الموجودة فيها.

  • (1) سورة النحل 16: 90.

  • (2) روح المعاني 20: 493 ـ 494، التبيان في تفسير القرآن 8 : 190، مجمع البيان 8 : 26، منهج الصادقين 7: 163.

  • (3) ذكر هذه الآراء وردّها في الميزان في تفسير القرآن 16: 134 ـ 135.

  • (4) الميزان في تفسير القرآن 16: 135.

( صفحه 11 )

غاية الأمر أنّ هذا الأثر إنّما يكون بنحو الاقتضاء، دون الاستيجاب والعلّية التامّة، فربما تخلّف عن أثرها; لمقارنة بعض الموانع، ولو قيس حال بعض من يسمّى بالإسلام وهو تارك للصلاة، مع من يأتي بأدنى مراتب الصلاة ممّا يسقط به التكليف، لا يوجد الأوّل إلاّ مضيّعاً بإضاعة الصلاة وفريضة الصوم والحجّ والزكاة والخمس وعامّة الواجبات الدينيّة، ولا يفرّق بين طاهر ونجس وحلال وحرام، والثاني إلاّ مرتدعاً عن كثير من الاُمور التي يقترفها تارك الصلاة، وإذا قيس إليه من هو فوقه في الاهتمام بأمر الصلاة لا يوجد إلاّ كونه أكثر ارتداعاً منه، وعلى هذا القياس.

الأمر الثاني: فيما يستفاد من الكتاب والسنّة بالإضافة إلى تارك الصلاة. أمّا الكتاب، فقوله ـ تعالى ـ : (فَإِذَا انْسَلَخَ اْلأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1).

قال الفاضل الجواد الكاظمي في كتابه مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: استدلّ بهذه الآية على أنّ تارك الصلاة عمداً يجب قتله: لأنّه ـ تعالى ـ أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرطين:

أحدهما: أن يتوبوا من الشرك.

والثاني: أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، والحكم المعلّق على مجموع لا يتحقّق إلاّ مع تحقّق المجموع، ويكفي في حصول نقيضه; أعني إباحة قتلهم فوت واحد من المجموع، ويلزم ما ذكرناه، والآية وإن كانت في المشركين،

  • (1) سورة التوبة 9: 4.

( صفحه 12 )

لكن يلزم هاهنا ثبوت الحكم في المسلمين بطريق أولى; لأنّهم قد التزموا شرائع الإسلام، فلو ترك الصلاة لا يخلّى سبيلهم، بل يجب قتلهم، وفي أخبارنا(1) دلالة على ذلك أيضاً.

وروي عن العامّة، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال في ترك الصلاة: فقد برئت منه الذّمة(2).

وقال أبو حنيفة: لا يتعرّض لتارك الصلاة; فإنّها أمانة منه ومن الله تعالى، والأمر منها موكول إليه تعالى(3). ولا يخفى ضعفه.

هذا، لكن إطلاق الآية يقتضي عدم الفرق بين كون الترك استحلالاً وعدمه، والمشهور(4) أنّ القتل إنّما يكون مع الاستحلال، ومن ثمّ حمل بعضهم(5) الإقامة والإيتاء على اعتقاد وجوبهما، والإقرار بذلك، لكنّه بعيد عن الظاهر، ولعلّهم فهموا ذلك من دليل خارج عن الآية، كالأخبار(6).

أقول: الاستدلال بالآية لا يتوقّف على ثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة، كما

  • (1) وسائل الشيعة 4: 41، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب11.

  • (2) سنن ابن ماجة 4: 417 ح4034، وفي المسند لابن حنبل 10: 382 ح27433، والمستدرك على الصحيحين 4: 44 ح6830، وكنز العمّال 7: 325 ح19096: «ذمّة الله ورسوله».

  • (3) العزيز شرح الوجيز 2: 462، وفيه: وفي رواية «يحبس ويؤدّب حتّى يصلّي»، وانظر الاُمّ 1: 255، والمغني لإبن قدامة 2: 299، وبداية المجتهد 1: 92، والمجموع 3: 17، والخلاف 1: 689، مسألة 465، وج5: 359، مسألة 9، وتذكرة الفقهاء 2: 393.

  • (4) في مفتاح الكرامة 9: 607، وجواهر الكلام 13: 205 نقلاً الإجماع عن جماعة، ولم نعثر على من ادّعى الشهرة عاجلاً.

  • (5) راجع كنز العرفان 1: 165، وزبدة البيان 1: 163.

  • (6) مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام 1: 251.

( صفحه 13 )

هو الظاهر من القول المذكور; لأنّ مقتضى إطلاق الصدر وجوب قتلهم في جميع الحالات ومع كلّ الخصوصيّات، وقد خرج منه في الذيل صورة واحدة، فالصور الباقية داخلة تحت إطلاق الصدر، فالآية تدلّ بإطلاقها على وجوب قتل المشركين في غير تلك الصورة، ومقتضى الأولويّة ثبوت الحكم في المسلم، فيجب قتله، ولا وجه لوجوبه إلاّ خروجه عن زمرة المسلمين.

هذا، ولكن يظهر من الروايات المختلفة الواردة في تارك الفريضة ـ بعد الجمع بينها ـ أنّ الحكم بكفره إنّما هو فيما إذا كان تركه ناشئاً عن الاستخفاف، فيقيّد بها إطلاق الآية; فإنّ منها: ما يدلّ على ثبوت الكفر مطلقاً.

كصحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث عدد النوافل قال: إنّما هذا كلّه تطوّع وليس بمفروض، إنّ تارك الفريضة كافر، وإنّ تارك هذا ليس بكافر(1).

وصحيحة عبيد بن زرارة أو حسنته، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث الكبائر قال: إنّ تارك الصلاة كافر; يعني من غير علّة(2).

ورواية بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما بين المسلم، وبين أن يكفر إلاّ ترك صلاة فريضة (إلاّ أن يترك الصلاة الفريضة خ ل) متعمّداً، أو يتهاون بها فلا يصلّيها(3).

ومنها: ما يدلّ على ثبوت الكفر في صورة الترك مع الاستخفاف; وهي

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 7 ح13، وعنه وسائل الشيعة 4: 41، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب11 ح1.

  • (2) الكافي 2: 212 ح8 ، وعنه وسائل الشيعة 4: 42، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب11 ح4.

  • (3) المحاسن 1: 160 ح228، عقاب الأعمال: 274 ـ 275 ح1، وعنهما وسائل الشيعة 4: 42، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب11 ح6.

( صفحه 14 )

رواية مسعدة بن صدقة، أنّه قال: سُئل أبو عبد الله (عليه السلام) : ما بال الزاني لا تسمّيه كافراً، وتارك الصلاة تسمّيه كافراً، وما الحجّة في ذلك؟ فقال: لأنّ الزاني وما أشبهه إنّما يفعل ذلك لمكان الشهوة; لأنّها تغلبه، وتارك الصلاة لا يتركها إلاّ استخفافاً بها، وذلك لأنّك لا تجد الزاني يأتي المرأة إلاّ وهو مستلذّ لإتيانه إيّاها، قاصداً إليها، وكلّ من ترك الصلاة قاصداً لتركها فليس يكون قصده لتركها اللذّة، فإذا نفيت اللذّة وقع الاستخفاف، وإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر(1).

وهذه الرواية وإن كانت ظاهرة في ملازمة مطلق الترك عن قصد مع الاستخفاف، إلاّ أنّ الظاهر عدم ثبوت هذه الملازمة، والقدر المتيقّن ثبوت الكفر في خصوص صورة الاستخفاف، ولعلّ الوجه فيه أنّ أهمّية الصلاة وعظم مرتبتها من ضروريّات الإسلام، كأصل وجوبها، فالاستخفاف يرجع إلى إنكار الضروري; وهو موجب للكفر إمّا بنفسه، أو لأجل استلزامه للموجب، فتدبّر.

  • (1) الفقيه 1: 132 ح616، علل الشرائع: 339 ب37 ح1، قرب الإسناد: 47 ح154، وعنها وسائل الشيعة 4: 41، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب11 ح2.

( صفحه 15 )

فصل في مقدّمات الصلاة

وهي ستّ:

أعداد الفرائض

المقدّمة الاُولى

في أعداد الفرائض ومواقيت اليوميّة ونوافلها

مسألة 1: الصلاة واجبة ومندوبة:

فالواجبة خمس: اليوميّة، ومنها الجمعة، وكذا قضاء ولد الأكبر عن والده، وصلاة الآيات، والطواف الواجب، والأموات، وما التزمه المكلّف بنذر أو إجارة أو غيرهما. وفي عدّ الأخيرة في الواجب مسامحة; إذ الواجب هو الوفاء بالنذر ونحوه، لا عنوان الصلاة 1 .

1ـ ربما يمكن أن يناقش في اختصاص الصلاة بالقسمين: الواجبة،

( صفحه 16 )

والمندوبة، بوجود قسم ثالث; وهي الصلاة المكروهة، كالصلاة في الحمّام، وقسم رابع; وهي الصلاة المحرّمة، كصلاة الحائض، لكنّها مدفوعة بوضوح عدم كون الكراهة في العبادات المكروهة بالمعنى المصطلح فيها، بل بمعنى أقلّية الثواب، وبأنّ الظاهر عدم كون الحرمة في مثل صلاة الحائض ذاتيّة، بل تشريعيّة مرجعها إلى كون المتعلّق هو التشريع الذي يتحقّق في مثلها بقصد التقرّب بما ليس بمقرّب، فلا يكون لها إلاّ قسمان مذكوران في المتن.

وأمّا أعداد الصلاة الواجبة، فقد ذكر المحقّق في الشرائع(1) أنّها تسع، بجعل الجمعة نوعاً مستقلاًّ، وإضافة صلاة العيدين، وجعل الكسوف والزلزلة نوعين آخرين في مقابل صلاة الآيات.

ولكنّ الظاهر عدم كون الجمعة نوعاً مستقلاًّ، بل هي من الفرائض اليوميّة، غاية الأمر كونها مشروطة بشرائط خاصّة، وبقاؤها على الركعتين اللّتين هما فرض الله في كلّ صلاة، كما تدلّ عليه الروايات المستفيضة(2)، كما أنّ قضاء الوليّ إنّما هو كقضاء الميّت بنفسه من شؤون اليوميّة.

وأمّا صلاة العيدين، فيجوز عدّها في الواجبة بلحاظ زمان الحضور، وفي المندوبة بالنظر إلى زمان الغيبة. وأمّا صلاة الآيات، فلا تكون إلاّ نوعاً واحداً، غاية الأمر أنّ سبب وجوبها قد يكون هو الكسوف الشامل للخسوف، وقد يكون هي الزلزلة، وقد يكون آيات اُخرى، كالريح السوداء ونحوها.

  • (1) شرائع الإسلام 1: 59.

  • (2) وسائل الشيعة 4: 45 ـ 53، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2، 12، 14 و22.

( صفحه 17 )

نعم، لا مانع من إسقاط صلاة الأموات; نظراً إلى عدم كونها صلاة حقيقة; لعدم اشتراطها بشرائط الصلاة، وعدم اشتمالها على أركانها.

وأمّا ما التزمه المكلّف بنذر أو إجارة أو نحوهما، فعدّها في الواجب فيه مسامحة واضحة أشار إلى وجهها في المتن، وهو: أنّ تعلّق النذر لا يوجب خروج المتعلّق عن الحكم المتعلّق به أوّلاً، وجوباً كان أو استحباباً، ولا اجتماع الحكمين فيه. أمّا الثاني: فواضح.

وأمّا الأوّل: فلأنّ انعقاد النذر إنّما هو لأجل تعلّق الحكم الوجوبي أو الاستحبابي به الكاشف عن رجحانه، فكيف يسقط مع تعلّق النذر، ولا طريق لنا إلى إثبات الرجحان غير تعلّق ذلك الحكم به؟ مع أنّه ربما يكون الحكم الوجوبي المتعلّق به أهمّ من وجوب الوفاء بالنذر.

فكيف يوجب سقوطه، مع أنّه لا دليل عليه في مقام الإثبات؟ فإنّ الحكم الجائي من قبل النذر أو الإجارة متعلّقه الوفاء بهما، ولا معنى لسراية الحكم من متعلّقه الذي هو العنوان والمفهوم إلى شيء آخر خارج عنه، فالصلاة المنذورة أو المستأجر عليها لا تصير واجبة أصلاً، فلا يكون نوعاً خاصّاً.

( صفحه 18 )

والمندوبة أكثر من أن تحصى; منها: الرواتب اليوميّة; وهي ثمان ركعات
للظهر قبله، وثمان للعصر قبله، وأربع للمغرب بعده، وركعتان من جلوس
للعشاء بعده تعدّان بركعة، تسمّى بالوتيرة، ويمتدّ وقتها بامتداد وقت
صاحبها، وركعتان للفجر قبل الفريضة، ووقتهما الفجر الأوّل، ويمتدّ إلى أن يبقى من طلوع الحمرة مقدار أداء الفريضة، ويجوز دسّهما في صلاة الليل قبل الفجر ولو عند نصف الليل، بل لا يبعد أن يكون وقتهما بعد مقدار إتيان صلاة الليل من انتصافها، ولكنّ الأحوط عدم الإتيان بهما قبل الفجر الأوّل إلاّ بالدسّ في صلاة الليل. تعداد الرواتب اليوميّة

وإحدى عشرة ركعة نافلة الليل; صلاة الليل ثمان ركعات، ثمّ ركعتا الشفع، ثمّ ركعة الوتر، وهي مع الشفع أفضل صلاة الليل، وركعتا الفجر أفضل منهما، ويجوز الاقتصار على الشفع والوتر، بل على الوتر خاصّة عند ضيق الوقت، وفي غيره يأتي به رجاءً.

ووقت صلاة الليل نصفها إلى الفجر الصادق، والسحر أفضل من غيره،
والثلث الأخير من الليل كلّه سحر، وأفضله القريب من الفجر، وأفضل
منه التفريق، كما كان يصنعه النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فعدد النوافل ـ بعد عدّ الوتيرة ركعة ـ
أربع وثلاثون ركعة ضعف عدد الفرائض، وتسقط في السفر الموجب للقصر
ثمانيةُ الظهر، وثمانيةُ العصر، وتثبت البواقي، والأحوط الإتيان
بالوُتَيرة رجاءً 1 .

1ـ في الرواتب اليوميّة مسائل:

الاُولى: في تعدادها، وقد وقع فيه الاختلاف بين المسلمين بعد اتّفاقهم

( صفحه 19 )

جميعاً ـ العامّة(1) والخاصّة(2) ـ على أنّ عدد ركعات الفرائض اليوميّة سبع عشرة ركعة بلا زيادة ولا نقصان، بل هو من ضروريّات الإسلام(3)، بحيث يعتقد به كلّ من انتحل إليه، وعلى أنّ نافلة الصبح ركعتان قبل الفريضة، وعلى أنّ نافلة الليل ـ التي يعبّر عنها بصلاة الليل ـ إحدى عشرة ركعة; وإن وقع الاختلاف بيننا وبينهم في الوصل بين ركعتي الشفع وركعة الوتر وعدمه، حيث ذهب الجمهور إلى الأوّل، والإماميّة إلى الثاني(4).

والمشهور بين الإماميّة(5) في سائر النوافل اليوميّة أنّ مجموع النوافل اليوميّة والنهاريّة لا يزيد على أربع وثلاثين ركعة، ومع انضمام الفرائض تبلغ إحدى وخمسين، والروايات الواردة في هذا الباب مختلفة، وكثير منها يدلّ على مرام المشهور:

منها: رواية فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في حديث: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل

  • (1) المغني لابن قدامة 1: 377، بداية المجتهد 1: 91 ـ 92، تذكرة الفقهاء 2: 260 ـ 261 مسألة 1، ولكن أوجب أبو حنيفة وأصحابه الوتر.

  • (2) المقنعة: 90، الكافي في الفقه: 116، المهذّب 1: 67، غنية النزوع: 73، الوسيلة: 80 ، المعتبر 2: 11، تذكرة الفقهاء 2: 260، كشف اللثام 3: 8 ، مفتاح الكرامة 5: 16.

  • (3) جواهر الكلام 7: 26 ـ 27، وفي منتهى المطلب 4: 12، بلا خلاف بين أهل العلم.

  • (4) المغني لابن قدامة 1: 789، الشرح الكبير 1: 716 ـ 717، المعتبر 2: 14 ـ 15، تذكرة الفقهاء 2: 263 ـ 264.

  • (5) المعتبر 2: 12 و 14، كشف الرموز 1: 124، ذكرى الشيعة 2: 289، التنقيح الرائع 1: 161 ـ 162، الرسالة الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي) 1: 98، جامع المقاصد 2: 8 ، الروضة البهيّة 1: 171 ـ 172، جواهر الكلام 7: 30.

( صفحه 20 )

الفريضة، لا يجوز تركهنّ إلاّ في سفر، وأفرد الركعة في المغرب، فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله له ذلك كلّه، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة.

ثمّ سنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله ـ عزّ وجلّ ـ له ذلك، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة: منها: ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر ـ إلى أن قال: ـ ولم يرخّص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأحد تقصير الركعتين اللّتين ضمّهما إلى ما فرض الله عزّوجلّ، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً، ولم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلاّ للمسافر، وليس لأحد أن يرخّص ما لم يرخّصه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فوافق أمر رسول الله أمر الله، ونهيه نهي الله; ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله(1).

ومنها: رواية فضيل بن يسار أيضاً، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة: منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّان بركعة وهو قائم، الفريضة منها سبع عشرة، والنافلة أربع وثلاثون ركعة(2).

والظاهر أنّها هي الرواية الاُولى وعدم كونها رواية اُخرى وإن جعلها في الوسائل روايتين.

ومنها: رواية فضيل بن يسار، والفضل بن عبد الملك، وبكير قالوا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي من التطوّع مثلي الفريضة،

  • (1) الكافي 1: 266 ح4، وعنه وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2.

  • (2) الكافي 3: 443 ح2، تهذيب الأحكام 2: 4 ح2، الاستبصار 1: 218 ح772، وعنها وسائل الشيعة 4: 46، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح3.

( صفحه 21 )

ويصوم من التطوّع مثلي الفريضة(1).

ومنها: رواية إسماعيل بن سعد الأحوص قال: قلت للرضا (عليه السلام) : كم الصلاة من ركعة؟ فقال: إحدى وخمسون ركعة(2).

ومنها: غير ذلك ممّا يدلّ على مرام المشهور(3).

وأمّا ما يدلّ على الخمسين; فمنها: رواية معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان في وصيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) أن قال: يا عليّ أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عنّي، ثمّ قال: اللّهمّ أعنه ـ إلى أن قال: ـ والسادسة الأخذ بسنّتي في صلاتي وصومي وصدقتي. أمّا الصلاة فالخمسون ركعة، الحديث(4).

ومنها: رواية محمد بن أبي عمير(5) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما جرت به السنّة من الصلاة؟ قال: تمام الخمسين(6).

ومنها: رواية حنّان قال: سأل عمرو بن حريث أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا جالس، فقال له: جعلت فداك أخبرني عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: كان

  • (1) الكافي 3: 443 ح3، تهذيب الأحكام 2: 4 ح3، الاستبصار 1: 218 ح773، وعنها وسائل الشيعة 4: 46، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح4.

  • (2) الكافي 3: 446 ح16، تهذيب الأحكام 2: 3 ح1، الاستبصار 1: 218 ح771، وعنها وسائل الشيعة 4: 49، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح11.

  • (3) وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13.

  • (4) الكافي 8 : 79 ح33، وعنه وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح1.

  • (5) في الوسائل: محمّد بن أبي حمزة.

  • (6) الكافي 3: 443 ح4، تهذيب الأحكام 2: 5 ح6، وعنهما وسائل الشيعة 4: 46، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح5.

( صفحه 22 )

النبيّ (صلى الله عليه وآله) يصلّي ثمان ركعات الزوال، وأربعاً الاُولى، وثمانياً (ثماني خ ل) بعدها، وأربعاً العصر، وثلاثاً المغرب، وأربعاً بعد المغرب، والعشاء الآخرة أربعاً، وثمان (ثماني خ ل) صلاة الليل، وثلاثاً الوتر، وركعتي الفجر، وصلاة الغداة ركعتين.

قلت: جعلت فداك وإن كنت أقوى على أكثر من هذا يعذّبني الله على كثرة الصلاة؟ فقال: لا، ولكن يعذّب على ترك السنّة(1).

فإنّ مجموعها باعتبار عدم التعرّض لنافلة العشاء لا يتجاوز عن خمسين، والظاهر أنّ المراد بالعذاب على ترك السنّة هو العذاب على الأقلّ من المجموع; بمعنى شدّة استحبابه، ويحتمل أن يكون المراد أنّ الكثرة موجبة لترك السنّة التي هي العدد المخصوص من دون زيادة ونقصان.

والجمع بين هذه الطائفة، والطائفة الاُولى أنّه لا منافاة بينهما أصلاً; فإنّ الرواية الأخيرة من هذه الطائفة شاهدة على أنّ عدّ الخمسين إنّما هو لإخراج نافلة العشاء. ولا مانع منه; فإنّه بدل عن الوتر ومكانه، كما تدلّ عليه رواية الفضيل المتقدّمة. ولأجله يطلق عليه عنوان الوتيرة، فالاختلاف بينهما إنّما هو في عدّ نافلة العشاء وعدمه، ولا مانع من شيء من الأمرين.

ويدلّ على البدليّة دلالة واضحة رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتنّ إلاّ بوتر، قال: قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم، إنّهما بركعة، فمن صلاّهما ثمّ حدث به حدث

  • (1) الكافي 3: 443 ح5، تهذيب الأحكام 2: 4 ح4، الاستبصار 1: 218 ح774، وعنها وسائل الشيعة 4: 47، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6.

( صفحه 23 )

مات على وتر، فإن لم يحدث به حدث الموت يصلّي الوتر في آخر الليل.

فقلت: هل صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاتين الركعتين؟ قال: لا. قلت: ولِمَ؟ قال: لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأتيه الوحي، وكان يعلم أنّه هل يموت في هذه (تلك خ ل) الليلة أم لا، وغيره لا يعلم، فمن أجل ذلك لم يصلّهما، وأمر بهما(1).

وأمّا ما يدلّ على أنّها ست وأربعون، فهي رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التطوّع بالليل والنهار؟ فقال: الذي يستحبّ أن لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس، وبعد الظهر ركعتان، وقبل العصر ركعتان، وبعد المغرب ركعتان، وقبل العتمة ركعتان، ومن (وفي خ ل) السحر ثمان ركعات، ثمّ يوتر، والوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثمّ ركعتان قبل صلاة الفجر، وأحبّ صلاة الليل إليهم آخر الليل(2).

وأمّا ما يدلّ على أنّها أربع وأربعون، فهي صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إنّي رجل تاجر أختلف وأتّجر، فكيف لي بالزوال والمحافظة على صلاة الزوال؟ وكم تصلّي؟ قال: تصلّي ثماني ركعات إذا زالت الشمس، وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، فهذه اثنتا عشرة ركعة، وتصلّي بعد المغرب ركعتين، وبعدما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر، ومنها ركعتا الفجر، فتلك سبع وعشرون ركعة سوى الفريضة.

وإنّما هذا كلّه تطوّع وليس بمفروض، إنّ تارك الفريضة كافر، وإنّ تارك

  • (1) علل الشرائع: 330 ح1، وعنه وسائل الشيعة 4: 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح8 .

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 6 ح11، الاستبصار 1: 219 ح777، وعنهما وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح2.

( صفحه 24 )

هذا ليس بكافر، ولكنّها معصية; لأنّه يستحبّ إذا عمل الرجل عملاً من الخير أن يدوم عليه(1).

وهنا رواية بها يرتفع الاختلاف لأجل تعيينها لما هو الحقّ; لوقوعها جواباً عن السؤال عن وجود الاختلاف; وهي رواية البزنطي قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إنّ أصحابنا يختلفون في صلاة التطوّع، بعضهم يصلّي أربعاً وأربعين، وبعضهم يصلّي خمسين، فأخبرني بالذي تعمل به أنت، كيف هو حتّى أعمل بمثله؟

فقال: اُصلّي واحدة وخمسين ركعة، ثمّ قال: امسك ـ وعقد بيده ـ الزوال ثمانية، وأربعاً بعد الظهر، وأربعاً قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل العشاء الآخرة، وركعتين بعد العشاء من قعود تعدّان بركعة من قيام، وثمان صلاة الليل، والوتر ثلاثاً، وركعتي الفجر، والفرائض سبع عشرة، فذلك إحدى وخمسون(2).

ومراد السائل من قوله: «بعضهم يصلّي خمسين» يمكن أن يكون هو الواحدة والخمسين على ما عرفت. وعليه: فالجواب ناظر إلى تعيين قول هذا البعض، كما أنّه على التقدير الآخر يكون الجواب نافياً لكلا القولين.

وعلى أيّ، فالرواية بلحاظ السؤال فيها، وكون المسؤول هو أبا الحسن الرضا (عليه السلام) ، المتأخّر زماناً عن الأئمـّة (عليهم السلام) ، التي رويت عنهم الروايات المتقدّمة،

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 7 ح13، وعنه وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح1.

  • (2) الكافي 3: 444 ح8 ، تهذيب الأحكام 2: 8 ح14، وعنهما وسائل الشيعة 4: 47، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح7.

( صفحه 25 )

ترفع الاختلاف وتعيّن الحقّ، فلا يبقى إشكال حينئذ.

ويمكن الجمع بين الأخبار المختلفة في نافلتي العصر والمغرب بالحمل على مراتب الاستحباب، وأنّ الإتيان بأربع ركعات في نافلة العصر يشترك مع الإتيان فيها بثمان ركعات في أصل فضيلة نافلة العصر، ولكنّه واقع في المرتبة الدانية، وهي في المرتبة العالية، وكذا في نافلة المغرب، ولا ينافيه التعبير عنه بالاختلاف في رواية البزنطي المتقدّمة; فإنّ المراد حينئذ هو الاختلاف في مقام العمل دون الفتوى; وإن كان ظاهرها هو العمل المستمرّ الناشىء عن الفتوى بذلك، دون العمل أحياناً.

ويؤيّد هذا الجمع التعبير عن تمام الخمسين بأفضل ما جرت السنّة به من الصلاة في رواية محمد بن أبي عمير المتقدّمة، وعن الستّ والأربعين بأنّه يستحبّ أن لايقصر منه في رواية أبي بصير المتقدّمة أيضاً، وإن كان المناسب حينئذ وقوع هذا التعبير في رواية الأربع والأربعين.

ثمّ إنّه على تقدير عدم إمكان الجمع بالنحو المذكور، وعدم كون رواية البزنطي رافعة للاختلاف، ووصول النوبة إلى قواعد باب التعارض، فالترجيح مع الطائفة الاُولى; لموافقتها للشهرة(1) من حيث الفتوى، بل المجمع عليه بين الأصحاب(2)، وقد تقرّر في محلّه أنّ أوّل المرجّحات هي الشهرة الفتوائيّة(3).

  • (1) تقدّم تخريجها في ص19.

  • (2) الانتصار: 159، الخلاف 1: 525 ـ 526 مسألة 266، المهذّب البارع 1: 278، غاية المرام 1: 115، مجمع الفائدة والبرهان 2: 4.

  • (3) دراسات في الاُصول 2: 431 ـ 436، سيرى كامل در اصول فقه 16: 532 وما بعدها.

( صفحه 26 )

ثمّ إنّه ورد في بعض الروايات ما يدلّ بظاهره على أنّ نافلة الظهر أربع ركعات; وهو ما رواه الحميري في قرب الإسناد، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) أنّه كان يقول: إذا زالت الشمس عن كبد السماء فمن صلّى تلك الساعة أربع ركعات فقد وافق صلاة الأوّابين، وذلك بعد نصف النهار(1).

ولكنّها ـ مضافاً إلى عدم صحّة سندها; لأنّ حسين بن علوان من الزيديّة ـ محمولة على التقيّة من جهة موافقتها لمذهب الحنفيّة(2)، إلاّ أن يقال بأنّ الجمع بين الروايات بالحمل على مراتب الاستحباب يشمل نافلة الظهر أيضاً بعد الإغماض عن سند الرواية، أو الرجوع إلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن(3)، فتدبّر.

وينبغي التنبيه في هذه المسألة على أمرين:

أحدهما: أنّ اختلاف تعبير النصوص ـ في نافلة العصر بكونها ثمانياً قبل العصر، أو ستّاً بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، أو أربعاً قبل العصر وأربعاً بعد الظهر، وهكذا في نافلة المغرب بكونها أربعاً بعد المغرب، أو ركعتين بعدها، وركعتين قبل العشاء الآخرة ـ لا يكون إلاّ من الاختلاف في التعبير، والمقصود من الكلّ واحد وإن استفاد المحقّق الهمداني (قدس سره) (4) من هذه الجهة

  • (1) قرب الإسناد: 115 ح403، وعنه وسائل الشيعة 4: 94، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب28 ح4.

  • (2) راجع المغني لابن قدامة 1: 765، والبدائع الصنائع 1: 636 ـ 637، وردّ المحتار على الدّر المختار شرح تنوير الأبصار 2: 451.

  • (3) العناوين 1: 420 قاعدة 15، عوائد الأيّام: 793 عائدة 81 ، مناهج الأحكام: 178.

  • (4) مصباح الفقيه 9: 31 ـ 37.

( صفحه 27 )

مطلباً في الأمر الثاني الذي ننبّه عليه الآن.

ثانيهما: أنّه لا ريب في أنّ نافلة كلّ فريضة عبادة مستقلّة لا ارتباط لها بنافلة فريضة اُخرى، فيجوز الإتيان بها وإن ترك غيرها من النوافل، وهذا ممّا لا إشكال فيه، إنّما الإشكال في أنّ النوافل التي تكون أزيد من صلاة واحدة ـ مثل نافلة المغرب المركّبة من صلاتين، ونافلة الظهر أو العصر المركّبة من أربع صلوات، كلّ واحدة منها ركعتان، بناءً على لزوم الإتيان بالنوافل ركعتين ركعتين، كما هو المشهور(1)، وادّعي عليه الإجماع(2)، كما أنّها تكون متعدّدة بما أنّها مصداق لعنوان الصلاة بلا ريب ـ هل تكون أيضاً متعدّدة بعنوان أنفسها، أم لا؟

وبعبارة اُخرى: هل تكون للظهر مثلاً نافلة واحدة مركّبة من أربع صلوات، أو نوافل متعدّدة حسب تعدّد الصلوات.

فعلى الأوّل: تصير مثل صلاة جعفر (عليه السلام) (3)، التي لا يترتّب عليها شيء من الآثار المترتّبة عليها، المترقّبة منها: من غفران الذنوب، وسعة الرزق، وغيرهما من الآثار إلاّ بعد الإتيان بأربع ركعات المركّبة من صلاتين مفصولتين.

وعلى الثاني: كالنوافل المطلقة، ظاهر الروايات الواردة في الباب(4) هو

  • (1) في الحدائق الناضرة 6: 75، المعروف من مذهب الأصحاب. ولم نعثر على من ادّعى الشهرة عاجلاً.

  • (2) الخلاف 1: 527 مسألة 267، غنية النزوع: 106 ـ 107، السرائر 1: 193، مجمع الفائدة والبرهان 3: 40، وحكاه في مفتاح الكرامة 5: 38 عن إرشاد الجعفريّة.

  • (3) وسائل الشيعة 8 : 49 ـ 53، كتاب الصلاة، أبواب صلاة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) ب1.

  • (4) راجع وسائل الشيعة 4: 45 ـ 66، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ـ 15.

( صفحه 28 )

كون المجموع نافلة واحدة متعلّقة لأمر استحبابيّ واحد وإن كانت بما هي صلاة متعدّدة; فإنّ مثل قوله (عليه السلام) : «ثمان ركعات للظهر»(1) ليس له ظهور إلاّ في كون الثمان كالأربع التي هي فريضة الظهر متعلّقة لأمر واحد، غاية الأمر اختلاف الأمرين في الوجوب والاستحباب، واختلاف العبادتين في كونها صلاة واحدة أو متعدّدة. وأمّا من جهة عدم تعدّد الأمر، والعنوان الواحد المأمور به، فلا اختلاف بينهما.

ويظهر من الجواهر خلاف ذلك، ونسبه إلى العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) ، واستدلّ عليه بالأصل وتحقّق الفصل، وهو يقتضي التعدّد وعدم وجوب إكمالها بالشروع فيها، وكونها مشروعة لتكميل الفرائض، فيكون لكلّ بعض منها قسط منه(2).

ويرد على التمسّك بالأصل ـ مضافاً إلى أنّه لا مجال له مع وجود الدليل الاجتهادي مطلقاً موافقاً كان أم مخالفاً، وقد عرفت ظهور الروايات في كون المجموع نافلة واحدة متعلّقة لأمر استحبابي واحد ـ : أنّ محلّ البحث في المقام هو ارتباط الأجزاء والصلوات المتعدّدة بعضها مع بعض، والأصل الذي يتصوّر هو استصحاب عدم الارتباط بلحاظ أنّه قبل تشريع النافلة لم يكن ارتباط بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فيستصحب العدم وينتج عدم الارتباط بعد تشريعها أيضاً.

وقد قرّرنا في محلّه(3) أنّه لا أصل لمثل هذه الاُصول التي كانت الحالة

  • (1) تقدّم في ص23.

  • (2) جواهر الكلام 7: 54 ـ 55.

  • (3) سيرى كامل در اُصول فقه 8 : 239 ـ 248، وج15: 318.

( صفحه 29 )

السابقة المتيقّنة منتفية بانتفاء الموضوع، والحالة المشكوكة هي المنتفية بانتفاء المحمول، بل الأصل الذي يمكن التمسّك به في المقام هي أصالة عدم استحباب الأقلّ من المجموع، بعد وضوح كون المجموع مستحبّاً قطعاً بجميع أجزائه وأبعاضه، ومنه يعلم الفرق بين المقام، وبين مسألة الأقلّ والأكثر الارتباطيين المعروفة(1); فإنّه في تلك المسألة يكون تعلّق الأمر بالأكثر كتعلّقه بالأقلّ مشكوكاً، فهذا الدليل غير تامّ.

وأمّا تحقّق الفصل وجواز الإتيان بالمنافي بين كلّ ركعتين، فهو يقتضي التعدّد بما أنّها صلاة ولا بحث فيها، ولكنّه لا يقتضي التعدّد بما أنّها نافلة الظهر مثلاً، وذلك كصلاة جعفر (عليه السلام) ; فإنّها مع تحقّق الفصل بين كلّ ركعتين لا تكون إلاّ عملاً واحداً مستحبّاً.

وأمّا عدم وجوب إكمالها بالشروع فيها، فهو لا دلالة له على اتّصاف البعض المأتيّ بكونه منطبقاً عليه عنوان المأمور به; لأنّه لا منافاة بين اعتبار الارتباط بين الأبعاض، والحكم بعدم وجوب الإكمال وجواز رفع اليد عنه في الأثناء، كما أنّ النافلة المطلقة يجوز قطعها بناءً على الجواز، ولا يوجب اتّصاف المأتيّ به بكونه صلاة مترتّباً عليها آثار الصلاة ومزاياها، كما لا يخفى.

وأمّا كونها مشروعة لتكميل الفرائض، فهو أيضاً لا يقتضي جواز التقسيط بحيث كان كلّ قسط دخيلاً في التكميل مستقلاًّ، وإلاّ لجاز الاقتصار على بعض صلاة واحدة، كالركعة وما دونها أيضاً.

  • (1) كفاية الاُصول: 413، مصباح الاُصول، موسوعة الإمام الخوئي 1: 494، سيرى كامل در اُصول فقه 12: 327 وما بعدها.

( صفحه 30 )

وأمّا ما أفاده المحقّق الهمداني (قدس سره) في مطاوي كلماته من أنّ مغروسيّة كون الأبعاض في حدّ ذاتها بعنوان كونها صلاة عبادات مستقلّة في النفس، وكون كلّ منها في حدّ ذاتها مشتملة على مصلحة مقتضية للطلب، وكون الأعداد الواقعة في حيّز الطلب غالباً عناوين إجماليّة انتزاعيّة عن موضوعاتها توجب صرف الذهن إلى إرادة التكليف غير الارتباطي، كما لو أمر المولى عبده بأن يعطي زيداً عشرين درهماً(1).

فيرد عليه: أنّ الأبعاض وإن كانت بعنوان كونها صلاة عبادات مستقلّة، إلاّ أنّ العنوان المأمور به أخصّ من ذلك العنوان، وقد عرفت(2) ظهور الروايات في وحدة متعلّق الأمر; فإنّ نافلة الظهر نافلة واحدة متعلّقة للأمر الاستحبابي، لا نوافل متعدّدة، ووقوع الأعداد في حيّز الطلب لا دلالة فيه على التكليف غير الارتباطي; فإنّ الأقلّ والأكثر تارة: يكون استقلاليّاً، واُخرى: يكون ارتباطيّاً، ولا دلالة فيه على الأوّل.

ثمّ إنّه أفاد المحقّق المزبور أنّه لا ينبغي الاستشكال في جواز الاقتصار في نافلة المغرب على ركعتين، وفي نافلة العصر على أربع ركعات; لدلالة بعض الأخبار عليه(3)، بل الظاهر جواز الإتيان بركعتين من نافلة العصر; لما في غير واحد من الأخبار الآمرة بأربع ركعات بين الظهرين من التفصيل بالأمر

  • (1) مصباح الفقيه 9: 38.

  • (2) في ص28.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 6 ـ 7 ح11 ـ 13، الاستبصار 1: 219 ح777، الفقيه 1: 146 ح678، وعنها وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح1 ـ 3 وص 61 ح6.

( صفحه 31 )

بركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر(1); فإنّ ظاهرها بشهادة السياق أنّ كلّ واحد من العناوين المذكورة في تلك الروايات نافلة مستقلّة، فللمكلّف الإتيان بكلّ منها بقصد امتثال الأمر المتعلّق بذلك العنوان من غير التفات إلى ما عداها من التكاليف.

ثمّ قال: وبهذا ظهر أنّه يجوز الإتيان بستّ ركعات أيضاً من نافلة العصر; لقوله (عليه السلام) في موثّقة سليمان بن خالد: صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، وستّ ركعات بعد الظهر، وركعتان قبل العصر، الحديث(2); فإنّ ظاهرها كون الستّ ركعات في حدّ ذاتها نافلة مستقلّة.

وفي خبر عيسى بن عبد الله القمّي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) : إذا كانت الشمس من هاهنا من العصر فصلِّ ستّ ركعات(3).

واستظهر بعد ذلك من رواية حسين بن علوان المتقدّمة(4) ـ المرويّة في قرب الإسناد ـ جواز الاقتصار في نافلة الزوال أيضاً على أربع ركعات(5).

ويرد عليه: أنّ الروايات الدالّة على جواز التفريق في نافلة العصر وكذا المغرب لا دلالة لها على الاستقلال، ولا منافاة بينها، وبين الروايات الدالّة على الثمان بنحو الاجتماع; فإنّ جواز التفريق الراجع إلى الإتيان بالمجموع

  • (1) المصدر السابق.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 5 ح8 ، وعنه وسائل الشيعة 4: 51، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح16.

  • (3) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشي»: 333، الرقم 610، وعنه وسائل الشيعة 4: 62، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح8 .

  • (4) في ص26.

  • (5) مصباح الفقيه 9: 34 ـ 35.

( صفحه 32 )

في وقتين أمر، والاستقلال الراجع إلى اتّصاف كلّ صلاة بأنّها نافلة مستقلّة أمر آخر. وعليه: فلا معارض; لظهور الروايات الدالّة على الثمان بنحو الاجتماع في الارتباط، وعدم الاستقلال من جهة الدليل على جواز التفريق.

وأمّا الروايات الدالّة على أنّ نافلة العصر أقلّ من الثمان، والمغرب أقلّ من الأربع، فإن جمعنا بينها، وبين الروايات(1) الدالّة على الأكثر بالحمل على اختلاف مراتب الفضل والاستحباب، فاللاّزم هو الالتزام بجواز الاقتصار على مفادها، وأنّه لا يجوز الاكتفاء بما دونه.

وعليه: فيجوز التعميم بالإضافة إلى نافلة الزوال أيضاً; وإن كانت الرواية الدالّة عليه(2) ضعيفة السند; لقاعدة التسامح في أدلّة السنن، ومجرّد موافقتها لفتوى أبي حنيفة(3) لا يوجب الحمل على التقيّة بعد ثبوت الجمع الدلالي على ما هو المفروض، ووجود التسامح في مثله.

وإن جعلنا رواية البزنطي المتقدّمة(4) رافعة للاختلاف ومعيّنة لما هو الحقّ، بناءً على أن يكون المراد من الاختلاف الذي وقع فيها السؤال عنه هو الاختلاف في الفتوى والنظر، فلا يجوز الاقتصار لمن يريد الإتيان بالنوافل على الأقلّ; لأنّ مرجعها إلى رفع اليد عن جميع الروايات الدالّة على الخلاف.

وأمّا بناءً على أن يكون المراد من الاختلاف فيها هو الاختلاف في مقام العمل، ومرجعه حينئذ إلى استفسار حال الإمام (عليه السلام) ، وأنّه في مقام العمل يأتي بأيّة مرتبة

  • (1) وسائل الشيعة 4: 45 ـ 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13.

  • (2 ، 3) تقدّم تخريجهما في ص26.

  • (4) في ص24.

( صفحه 33 )

من المراتب، فلا دلالة لرواية البزنطي على عدم اختلاف المراتب، بل يقرّر ثبوته.

ولكن هذا الاحتمال بعيد; وإن كانت الألفاظ الواقعة في السؤال تؤيّده; لوضوح أنّه بناءً على اختلاف المراتب تكون المرتبة العالية هي المشتملة على الأكثر، فلا يبقى مجال للسؤال حينئذ; وإن كان يمكن أن يقال بأنّ السائل على هذا التقدير لا يكون عالماً بالمرتبة العالية من حيث العدد.

وبالجملة: فهذا الاحتمال بعيد، والظاهر هو الاحتمال الأوّل، وثمرته عدم جواز التبعيض وثبوت الارتباط.

ثمّ إنّ مقتضى كلامه(1) جواز الإتيان بنافلة الظهر ستّ ركعات أيضاً; لخبر رجاء ابن أبي الضحّاك، الدالّ على أنّ الرضا (عليه السلام) صلّى ستّاً من نافلة الظهر، ثمّ أذّن، ثمّ صلّى ركعتين(2); فإنّ الفصل بالأذان دليل على جواز الاقتصار على الستّ، بناءً على مبناه، فتدبّر.

هذا كلّه في غير صلاة الليل.

وأمّا صلاة الليل، فمقتضى بعض الروايات أنّها ثلاث عشرة ركعة بإدراج نافلة الفجر فيها أيضاً.

كرواية الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي ثلاث عشرة ركعة من الليل(3).

  • (1) أي المحقّق الهمداني (قدس سره) .

  • (2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 180 ح5، وعنه وسائل الشيعة 4: 55، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح24.

  • (3) الكافي 3: 446 ح15، تهذيب الأحكام 2: 4 ح5 وص9 ح16، وعنهما وسائل الشيعة 4: 48، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح9.

( صفحه 34 )

ورواية اُخرى للحارث بن المغيرة في حديث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : كان أبي لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر ولا حضر(1).

ورواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة ـ منها الوتر وركعتا الفجر ـ في السفر والحضر(2).

ومقتضى بعض الروايات أنّ صلاة الليل ثمان، والوتر ثلاث، ونافلة الفجر ركعتان.

كرواية حنّان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثماني صلاة الليل، وثلاثاً الوتر، وركعتي الفجر، الحديث(3).

ورواية ابن أبي نصر البزنطي، المشتملة على قول الرضا (عليه السلام) : وثمان صلاة الليل، والوتر ثلاثاً، وركعتي الفجر(4).

ورواية سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثمان ركعات من آخر الليل... ثمّ الوتر ثلاث ركعات... ثمّ الركعتان اللّتان قبل الفجر(5).

وكذا الروايات المتعدّدة الواردة في الوتر، الدالّة على أنّها ثلاث ركعات تفصل بينهنّ(6).

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 15 ح39، وعنه وسائل الشيعة 4: 90، كتاب الصلاة، أبواب أعدادالفرائض ب25 ح1.

  • (2) الكافي 3: 446 ح14، وعنه وسائل الشيعة 4: 91، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، ب25 ح6.

  • (3) الكافي 3: 443 ح5، تهذيب الأحكام 2: 4 ح4، الاستبصار 1: 218 ح774، وعنها وسائل الشيعة 4: 47، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6.

  • (4) تقدّمت في ص24.

  • (5) تهذيب الأحكام 2: 5 ح8 ، وعنه وسائل الشيعة 4: 51، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح16.

  • (6) وسائل الشيعة 4: 64، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب15 وغيره.

( صفحه 35 )

ومقتضى بعض الروايات أنّ صلاة الوتر مركّبة من صلاتين: إحداهما: معنونة بعنوان الشفع، والاُخرى: بعنوان الوتر.

كرواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، المشتملة على أنّ الشفع والوتر ثلاث ركعات(1).

ورواية رجاء بن أبي الضحّاك، الحاكية لفعل الرضا (عليه السلام) ، المشتملة على قوله: ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع... فإذا سلّم قام وصلّى ركعة الوتر(2).

ورواية الأعمش، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدِّين، المشتملة على قوله (عليه السلام) : والشفع ركعتان، والوتر ركعة(3).

فانقدح ممّا ذكرنا أنّه لا إشكال في جواز الاقتصار على نافلة الفجر; لأنّها نافلة مستقلّة متعلّقة لأمر كذلك، كما أنّه لا إشكال في جواز الاقتصار على الثمان صلاة الليل; لأنّها معنونة بعنوان واحد متعلّق لأمر كذلك، وكذا العكس; فإنّه يجوز الاقتصار على صلاتي الشفع والوتر وترك صلاة الليل.

وأمّا الاقتصار على خصوص الوتر الذي هي ركعة واحدة، فإن كان في ضيق الوقت فلا إشكال فيه، وإن لم يكن فيه، فيمكن استفادة الجواز من رواية معاوية بن وهب قال:

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح ويوتر

  • (1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123 ب35 ح1، تحف العقول: 417، وعنهما وسائل الشيعة 4: 54، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح23.

  • (2) وسائل الشيعة 4: 56، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 قطعة من ح24.

  • (3) الخصال: 603 ح9، وعنه وسائل الشيعة 4: 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح25.

( صفحه 36 )

ويصلّي ركعتي الفجر ويكتب له بصلاة الليل(1).

وأمّا التبعيض في الثمان صلاة الليل، فالظاهر عدم جوازه; لأنّ ظاهر الأدلّة كون المجموع عملاً واحداً، وعبادة واحدة متعلّقة لأمر واحد، فلا يجوز التبعيض فيه وإن كان يستفاد من الجواهر(2) أنّه لا مانع منه فيه، كسائر النوافل المركّبة من صلوات متعدّدة، هذا تمام الكلام في المسألة الاُولى.

نافلة العشاء ووقتها

المسألة الثانية: في نافلة العشاء المسمّـاة بالوتيرة; لكونها بدلاً عن الوتر كما عرفت(3)، والكلام فيه من جهات:

الجهة الاُولى: في أنّه هل يتعيّن الجلوس فيها، أم يجوز القيام أيضاً؟

فنقول: أمّا بالنظر إلى فتاوى الأصحاب، فقد ذكر سيّدنا العلاّمة الاُستاذ البروجردي في بحثه الشريف ـ على ما قرّرته ـ أنّ الظاهر تسالم الفقهاء(4)إلى زمن الشهيد الأوّل على ثبوت الجلوس في نافلة العشاء، ولم يفت أحد منهم بجواز القيام فيها، وأنّ أوّل من أفتى به هو الشهيد في الدروس واللمعة(5)، وتبعه الشهيد والمحقّق الثانيان(6)، وقد اشتهر الفتوى بذلك بعدهم(7).

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1391، وص341 ح1411، وعنه وسائل الشيعة 4: 258، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح3.

  • (2) جواهر الكلام 7: 55.

  • (3) في ص22.

  • (4) الهداية: 132، المقنعة: 91، المبسوط 1: 71، النهاية: 19، المهذّب 1: 68، غنية النزوع: 106، الوسيلة: 81، السرائر 1: 193، الجامع للشرائع: 58.

  • (5) الدروس الشرعيّة 1: 136، اللمعة الدمشقيّة: 9.

  • (6) الروضة البهيّة 1: 169، مسالك الأفهام 1: 137، جامع المقاصد 2: 9.

  • (7) نهاية التقرير 1: 67 ـ 70.

( صفحه 37 )

وأمّا بالنظر إلى الروايات الواردة في الباب، فكثير منها ظاهر في تعيّن الجلوس، وأنّ الركعتين تعدّان بركعة.

كخبري فضيل بن يسار المتقدّمين(1).

ورواية البزنطي المتقدّمة(2) أيضاً.

ورواية الفضل بن شاذان كذلك(3).

ورواية الأعمش أيضاً كذلك(4).

ورواية أبي عبد الله القزويني قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) : لأيّ علّة تصلّى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود؟ فقال: لأنّ الله فرض سبع عشرة ركعة، فأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثليها، فصارت إحدى وخمسين ركعة، فتعدّان هاتان الركعتان من جلوس بركعة(5).

ورواية هشام المشرقي، عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: إنّ أهل البصرة سألوني فقالوا: إنّ يونس يقول: من السنّة أن يصلّي الإنسان ركعتين وهو جالس بعد العتمة؟ فقلت: صدق يونس(6).

واثنتان منها ظاهرتان في التخيير:

  • (1) في ص17 ـ 18.

  • (2) في ص24.

  • (3 ، 4) في ص35.

  • (5) علل الشرائع: 330 ب26 ح1، وعنه وسائل الشيعة 4: 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح6.

  • (6) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشّي»: 490، الرقم 934، وعنه وسائل الشيعة 4: 97، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح9.

( صفحه 38 )

إحداهما: رواية الحارث بن المغيرة النصري، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) في تعداد النوافل: وركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصلّيهما وهو قاعد، وأنا اُصلّيهما وأنا قائم، الحديث(1).

وليس المراد هو اختلافه مع أبيه (عليهما السلام) في الفتوى، كما هو واضح، بل المراد هو الاختلاف في العمل; لأجل التخيير بين القيام والقعود، وسرّه أنّ أباه (عليه السلام) كان بديناً ذات لحم يشقّ عليه الإتيان بالنوافل قائماً.

كما تدلّ عليه رواية حنّان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أتصلّي النوافل وأنت قاعد؟ فقال: ما أصلّيها إلاّ وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم وبلغت هذا السنّ(2).

ومن ذلك ظهر أنّ الرواية ظاهرة في أفضليّة القيام، وأنّ اختيار القعود إنّما هو لأجل المشقّة والكلفة.

ثانيتهما: رواية سليمان بن خالد، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) في تعداد النوافل: وركعتان بعد العشاء الآخرة، يقرأ فيهما مائة آية قائماً أو قاعداً، والقيام أفضل، ولا تعدّهما من الخمسين(3).

وقد يجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير، ولكنّ الفتوى بجواز القيام في غاية الإشكال; لأنّه ـ مضافاً إلى أنّ هاتين الروايتين كانتا بمرئى ومسمع من قدماء الأصحاب، ومع ذلك تسالموا على تعيّن الجلوس إلى زمن الشهيد

  • (1) تقدّم تخريجها في ص33.

  • (2) الكافي 3: 410 ح1، تهذيب الأحكام 2: 169 ح674، وعنهما وسائل الشيعة 5: 491، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب4 ح1.

  • (3) تقدّم تخريجها في ص31.

( صفحه 39 )

الأوّل، كما عرفت(1) وذلك يكشف عن وجود خلل فيهما، كصدورهما تقيّة; لأنّ نافلة العشاء بنحو الجلوس ممّا لم يقل به أحد من العامّة; فانّهم بين من ينكر مشروعيّتها رأساً، وبين من يقول بأنّها ثمان ركعات: أربع قبل الفريضة، وأربع بعدها، كأبي حنيفة، وبين من يقول: بأنّها ركعتان من قيام(2) ـ .

لا يجوز رفع اليد بسببهما عن الروايات الكثيرة الظاهرة ـ بل الصريحة ـ في تعيّن الجلوس بلحاظ التقييد بالجلوس، مع أنّ الأصل في الصلاة مطلقاً هو القيام وكونه أفضل من الجلوس، مع أنّ تشريعها ـ كما ظهر من بعض الروايات المتقدّمة(3) ـ إنّما هو لكونها بدلاً عن الوتر الذي هي ركعة واحدة، ولا معنى لكون الركعتين من قيام بدلاً من ركعة كذلك، فتدبّر.

أو لأجل كونها تعدّ بركعة، فيتحقّق عنوان ضعف الفريضة ومثليها، ولا يتحقّق ذلك إلاّ مع تعيّن الجلوس فيها.

وبالجملة: فالروايات الدالّة على أنّ مجموع الفرائض والنوافل إحدى وخمسون ركعة لا يلائم مع جواز القيام في نافلة العشاء، كسائر النوافل التي يكون المكلّف مخيّراً فيها.

ثمّ إنّه ذكر بعض الأعلام في شرحه على العروة في مقام الجمع أنّ الذي يظهر من ملاحظة الأخبار الواردة في المقام أنّ بعد العشاء الآخرة يستحبّ

  • (1) في ص36.

  • (2) المغني لابن قدامة 1: 762 و 765، المهذّب في فقه الشافعي 1: 157، الإنصاف 2: 176 و180، بدائع الصنائع 1: 636 ـ 638، العزيز شرح الوجيز 2: 116 ـ 117، تذكرة الفقهاء 2: 262 مسألة 314.

  • (3) في ص19 ـ 24.

( صفحه 40 )

أربع ركعات وصلاتان نافلتان، والتي يكون القيام فيها أفضل من الجلوس ركعتان غير ركعتي الوتيرة، وهما اللّتان يقرأ فيهما مائة آية، وهما غير الوتيرة المقيّدة بكونها عن جلوس، والدليل على ذلك:

صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تصلِّ أقلّ من أربع وأربعين ركعة. قال: ورأيته يصلّي بعد العتمة أربع ركعات(1).

وموثّقة سليمان بن خالد المتقدّمة(2); فإنّها مصرّحة بأنّ الركعتين اللّتين يكون القيام فيهما أفضل غير النوافل اليوميّة; أعني خمسين أو واحدة وخمسين ركعة، وأنّ هاتين الركعتين لا تعدّان منها.

وصحيحة الحجـّال قال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلّي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية ولا يحتسب بهما، وركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بـ «قل هو الله أحد»، و«قل يا أيّها الكافرون»، فإن استيقظ من الليل صلّى صلاة الليل وأوتر.

وإن لم يستيقظ حتّى يطلع الفجر صلّى ركعتين (ركعة خ ل)، فصارت شفعاً (سبعاً خ ل)، واحتسب (بالركعتين اللتين صلاّهما بعد العشاء وتراً(3)،(4).

أقول: أمّا صحيحة عبد الله بن سنان، فلا دلالة فيها على عنوان أربع

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 6 ح9، الاستبصار 1: 219 ح775، وعنهما وسائل الشيعة 4: 60، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح4.

  • (2) في ص38.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 341 ح1410، وعنه وسائل الشيعة 4: 253، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح15.

  • (4) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 64 ـ 65.

( صفحه 41 )

ركعات التي يصلّيها بعد العتمة، ولا على استمرار الإتيان بها، فلعلّه كانت الأربع صلاة جعفر (عليه السلام) ونحوها.

وأمّا موثّقة سليمان بن خالد، فلا محيص عن حمل الركعتين فيها على نافلة العشاء; لعدم التعرّض لها فيها، وعدم عدّهما من الخمسين لا ينافيها; لأنّها ـ كما في بعض الروايات الاُخر(1) ـ إنّما شرّعت لتكميل العدد وجعل النافلة ضعف الفريضة، فلا وجه لحملها على غير نافلة العشاء.

وأمّا صحيحة الحجّال، فهي وإن كانت دلالتها واضحة، إلاّ أنّه يشكل الأخذ بها; لأنّها ـ مضافاً إلى دلالتها على وقوع ترك صلاة الليل من الإمام (عليه السلام) أحياناً، ولعلّه لا يكون ملائماً لشأنه ـ تدلّ على ما لم يدلّ عليه شيء من الروايات مع كثرتها واستفاضتها; لعدم دلالته على ثبوت ركعتين بعد العشاء قبل نافلتها، مع أنّهما لاتكونان معنونة بعنوان أصلاً، مع أنّه لا وجه لعدم الاحتساب بالإضافة إليها، خصوصاً بعد ثبوت الكيفيّة المخصوصة لهما، واشتمالهما على مائة آية من القرآن، واحتساب نافلة العشاء مع وقوعها في حال الجلوس، فالإنصاف أنّه لا مجال لهذا الجمع.

الجهة الثانية: في سقوط نافلة العشاء في السفر وعدمه، وقد وقع فيه الإشكال والخلاف بعد أنّه لا إشكال ولا خلاف في سقوط نافلة الظهرين في السفر، وعدم سقوط نافلة الصبح والمغرب، كعدم سقوط صلاة الليل(2).

  • (1) الفقيه 1: 290 ح1320، علل الشرائع: 267، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 113، وعنهما وسائل الشيعة 4: 95، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح3.

  • (2) الخلاف 1: 586 ـ 587 مسألة 348، السرائر 1: 194، مسالك الأفهام 1: 138، الروضة البهيّة 1: 171، مجمع الفائدة والبرهان 2: 7 ـ 8 ، مدارك الأحكام 3: 26، كشف اللثام 3: 15، مستند الشيعة 5: 433، جواهر الكلام 7: 78 و 81 .

( صفحه 42 )

والمشهور بين الإماميّة(1) هو الأوّل، بل ادّعى الإجماع عليه في محكيّ السرائر والغنية(2)، وقال الشيخ وجماعة بعدم السقوط(3)، ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في الباب:

أمّا ما يدلّ على السقوط فروايات كثيرة:

منها: رواية حذيفة بن منصور، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنّهما قالا: الصلاة في السفر ركعتان، ليس قبلهما ولا بعدهما شيء(4).

ومنها: رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الصلاة في السفر ركعتان، ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب ثلاث(5).

ومنها: رواية أبي يحيى الحنّاط قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: يا بنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة(6).

  • (1) تذكرة الفقهاء 2: 273 ذ مسألة 9، مختلف الشيعة 2: 332 مسألة 223، ذكرى الشيعة 2: 297، التنقيح الرائع 1: 163، جامع المقاصد 2: 9، الروضة البهيّة 1: 171، رياض المسائل 3: 27 ـ 28، مفتاح الكرامة 5: 33 ـ 34، جواهر الكلام 7: 81 .

  • (2) السرائر 1: 194، غنية النزوع: 106.

  • (3) الأمالي للصدوق: 738 و 743، المقنعة: 91، المبسوط 1: 71، النهاية: 57، الخلاف 1: 586 ـ 587 مسألة 348، ذكرى الشيعة 2: 298، المهذّب البارع 1: 283.

  • (4) تهذيب الأحكام 2: 14 ح34، المحاسن 2: 120 ب32 ح1331، وعنهما وسائل الشيعة 4: 81 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح2 و ج8 : 504، أبواب صلاة المسافر ب16 ح1.

  • (5) تهذيب الأحكام 2: 13 ح31، الاستبصار 1: 220 ح778، وعنهما وسائل الشيعة 4: 82 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح3، و ج8 : 504، أبواب صلاة المسافر ب16 ح2.

  • (6) تهذيب الأحكام 2: 16 ح44، الاستبصار 1: 221 ح780، الفقيه 1: 285 ح1293، وعنها وسائل الشيعة 4: 82 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح4.

( صفحه 43 )

وموردها وإن كان خصوص صلاة النافلة بالنهار، إلاّ أنّ الملازمة التي يدلّ عليها الجواب ـ وهي الملازمة بين جواز النافلة، وتماميّة الفريضة ـ تقتضي سقوط نافلة العشاء أيضاً، كما هو ظاهر.

ومنها: رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب; فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهنّ في سفر ولا حضر، وليس عليك قضاء صلاة النهار، وصلِّ صلاة الليل واقضه(1).

وأمّا ما يدلّ أو استدلّ به على عدم السقوط فروايات أيضاً:

منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الصلاة تطوّعاً في السفر؟ قال: لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً(2).

فإنّ تخصيص النهي في الجواب بخصوص النوافل النهاريّة مع كون السؤال عن مطلق الصلاة تطوّعاً في السفر لا يلائم مع سقوط نافلة العشاء، خصوصاً مع انحصار القصر في الليل بها، كما لايخفى.

ومنها: رواية رجاء بن أبي الضحّاك، عن الرضا (عليه السلام) أنّه كان في السفر يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين إلاّ المغرب; فإنّه كان يصلّيها ثلاثاً، ولا يدع نافلتها، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر،

  • (1) الكافي 3: 439 ح3، تهذيب الأحكام 2: 14 ح36، وعنهما وسائل الشيعة 4: 83 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح7.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 14 ح32، وعنه وسائل الشيعة 4: 81 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح1.

( صفحه 44 )

وكان لا يصلّي من نوافل النهار في السفر شيئاً(1).

ومنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: وإنّما صارت العتمة مقصورة، وليس تترك ركعتيها (ركعتاها خ ل); لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين، وإنّما هي زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتمّ بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع(2).

والرواية من حيث الدلالة تامّة; لأنّها تدلّ على مفروغيّة عدم ترك النافلة، كمفروغيّة قصر الفريضة في العتمة، إلاّ أنّ الإشكال إنّما هو في سندها; لأنّ في طريق الصدوق إلى فضل بن شاذان علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري المعروف بالقتيبي، وعبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطّار النيسابوري، وهما لم تثبت وثاقتهما(3); فإنّ غاية ما ذكر في وثاقة الأوّل ما ذكره في الحدائق في مقام الجواب عن صاحب المدارك(4) ـ القائل بعدم إمكان الاعتماد على روايته لعدم توثيقه ـ من أنّه لا حاجة إلى التوثيق الصريح بعد كونه من المشايخ ومورداً لاعتماد مثل الكشّي(5); لأنّ اعتماد المشايخ

  • (1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 182 ح5، وعنه وسائل الشيعة 4: 83 ، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب21 ح8 .

  • (2) الفقيه 1: 290 ح1320، علل الشرائع: 267، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 113، وعنها وسائل الشيعة 4: 95، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح3.

  • (3) أمّا القتيبي، فراجع رجال النجاشي: 259، الرقم 678، وجامع الرواة 1: 106، ومعجم رجال الحديث 12: 160، الرقم 8461 .

  • وأمّا عبد الواحد، فراجع جامع الرواة 1: 522، ومعجم رجال الحديث 11: 37، الرقم 7357.

  • (4) مدارك الأحكام 3: 27.

  • (5) كما حكاه النجاشي في رجاله: 259، الرقم 678.

( صفحه 45 )

المتقدّمين على النقل، وأخذ الأخبار منهم، والتلمّذ عليهم يزيد على قولهم في كتب الرجال: فلان ثقة.

وقد نقل في الحدائق عن العلاّمة في المختلف أنّه عندما ذكر حديث الإفطار على محرّم، وأنّ الواجب فيه كفّارة واحدة أو ثلاث، لم يذكر التوقّف في صحّة الحديث إلاّ من حيث عبد الواحد بن عبدوس، وقال: إنّه كان ثقة والحديث صحيح(1). وهذا يدلّ على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة. وقد حكى عن العلاّمة أيضاً أنّه صحّح حديثه في ترجمة يونس بن عبد الرحمن(2)،(3).

ولكن شيء من ذلك لا يثبت وثاقته; فإنّ اعتماد الكشّي لا دليل على وثاقته، فقد اعتمد على نصر الغالي(4) أيضاً، لكن قد يقال بأنّه يمكن استفادة وثاقته من قول الكشّي في إبراهيم بن عبدة: حكى بعض الثقات بنيسابور أنّه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمّد (عليه السلام) توقيع...(5) بأن يكون هو مراده من بعض الثقات.

ويدفعه ـ مضافاً إلى أنّه ليس في نسخة الكشّي المطبوعة عندي كلمة بنيسابور ـ أنّه على تقديره لا دليل على كونه هو المراد من بعض الثقات.

وأمّا كونه من المشايخ وأخذ المتقدّمين الروايات عنه، فهو لا دلالة له أيضاً على التوثيق، فقد حكي أنّ من مشايخ الصدوق من هو ناصب زنديق، بحيث

  • (1) مختلف الشيعة 3: 314 مسألة 60.

  • (2) خلاصة الأقوال: 296، الرقم 1103.

  • (3) الحدائق الناضرة 6: 47 ـ 48.

  • (4) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشّي»: 322، الرقم 584.

  • (5) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشّي»: 575 و 578 ـ 579، الرقم 1088.

( صفحه 46 )

لم ير أنصب منه وأبلغ من نصبه; لأنّه كان يقول: اللّهمّ صلِّ على محمّد فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله(1).

وأمّا تصحيح العلاّمة، فقد نوقش فيه من وجهين:

الأوّل: أنّه يظهر من التتبّع في كلماته أنّه (قدس سره) يصحّح رواية كلّ إماميّ لم يرد فيه قدح، ولا يعتمد على رواية غير الشيعي وإن كان موثّقاً، فتصحيحه أعمّ من التوثيق، بل غايته تصديق تشيّعه، وأنّه لم يرد فيه قدح.

الثاني: أنّ توثيقه وتوثيقات مثله من معاصريه أو المتأخّرين عنه حيث لايكون إلاّ شهادة حدسيّة، منشؤها ملاحظة القرائن والأمارات، من دون أن يكون متّصلاً سنداً إلى من يشهد بوثاقته بشهادة حسيّة لا ينبغي الاعتماد عليه; لطول الفصل ومضيّ الأزمنة والقرون، ووضوح عدم اعتبار الشهادة عن غير حسّ(2).

وأمّا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، فقد ذكر المامقاني في رجاله أنّ في الرجل أقوالاً:

أحدها: أنّه ثقة، وهو خيرة التحرير والمسالك وبعض آخر(3).

ثانيها: أنّه حسن، وهو المحكيّ عن المجلسي الثاني في غير الوجيزة(4).

  • (1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 279 ـ 280 ب69 ح3.

  • (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 71 ـ 73، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 52 ـ 54.

  • (3) تحرير الأحكام 4: 372، الرقم 5964، مسالك الأفهام 2: 23 وج10: 16، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127 ذ ح2، حاوي الأقوال في معرفة الرجال 3: 21 ـ 22، الرقم 774.

  • (4) ملاذ الأخيار 6: 546 ذح 12.

( صفحه 47 )

ثالثها: أنّه مجهول، وهو الذي بنى عليه المحقّق، حيث ترك العمل بروايته(1); لأنّه مجهول الحال، ومثله العلاّمة في المختلف(2)،(3).

ومع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على روايته والأخذ بحديثه؟

ومنها: رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) : هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شيء؟ قال: لا، غير أنّي اُصلّي بعدها ركعتين، ولست أحسبهما من صلاة الليل(4).

نظراً إلى أنّ المستفاد منها أنّها نافلة مستقلّة، ولها نحو ارتباط بنافلة الليل، ولذا أجاب الإمام (عليه السلام) بـ «لا»، ومع استقلالها لا يشملها الأخبار الدالّة على سقوط نافلة الصلاة المقصورة.

وأورد على هذا الاستدلال بعض الأعلام بأنّ الظاهر أنّ المراد من الركعتين فيها هما الركعتان اللّتان تؤتى بها عن قيام، وهما مستحبّان مستقلّتان زائدة على النوافل المرتّبة، وذلك بقرينة قوله (عليه السلام) : «ولست أحسبهما من صلاة الليل»; فإنّ ما يمكن أن يتوهّم كونه من صلاة الليل إنّما هو تلك الصلاة التي يؤتى بها قائماً، دون الوتيرة التي تصلّى جالساً; فإنّه لم يتوهّم أحد كونها من صلاة الليل بوجه، خصوصاً مع كون الراوي هو الحلبي الذي

  • (1) المعتبر 2: 668، شرائع الإسلام 1: 191.

  • (2) مختلف الشيعة 3: 314 مسألة 60.

  • (3) تنقيح المقال 2: 233 (ط .ق).

  • (4) الكافي 3: 443 ح6، تهذيب الأحكام 2: 10 ح19، وعنهما وسائل الشيعة 4: 93، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب27 ح1.

( صفحه 48 )

لا يخفى عليه مثل ذلك(1).

ويدفعه ـ مضافاً إلى ما عرفت(2) من عدم معهوديّة صلاة فيما بين العشاء ونافلتها ـ : أنّه بناءً على ما أفاده تكون نافلة العشاء أقرب إلى صلاة الليل من تلك الصلاة التي يؤتى بها قبلها، ومجرّد الاختلاف في القيام والجلوس لا يوجب أقربيّة ما يؤتى به أوّلاً، كما هو ظاهر.

والجواب عن أصل الاستدلال ـ بعد ملاحظة إطلاق محطّ السؤال، وعدم كون النظر إلى حال السفر ـ : أنّ قوله (عليه السلام) : «ولست أحسبهما من صلاة الليل» لا دلالة له على استقلال الركعتين، كما أنّ قوله (عليه السلام) : «لا» لا ينفي طرفي السؤال بحيث يصير قرينة على نفي ارتباط الركعتين بالعشاء، بل الظاهر أنّ المراد من النفي هو النفي بلحاظ كون نافلة العشاء مزيدة في النوافل لتتمّ بهما الواحدة والخمسون.

كما أنّ عدم الاحتساب من صلاة الليل، إنّما هو لدفع توهّم كون وقوعها بعد العشاء قرينة لكونها من صلاة الليل، كنافلة الصبح التي عدّت منها في بعض الروايات المتقدّمة(3).

وعلى أيّ حال فلا دلالة للرواية على عدم السقوط، بل لا ارتباط لها بالمقام لو لم نقل بكون مقتضى إطلاقها بعد التقييد بالروايات الدالّة على السقوط، هو السقوط، فتدبّر.

  • (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 75، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 55.

  • (2) في ص40 ـ 41.

  • (3) مثل رواية زرارة المتقدّمة في ص23 ـ 24.

( صفحه 49 )

ومنها: الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلايبيتنّ إلاّ بوتر(1).

وتقريب الاستدلال بها من وجهين ـ بعد ظهور كون المراد بالوتر فيها هي الوتيرة ونافلة العشاء; لتفسيرها بذلك في رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتنّ إلاّ بوتر. قال: قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم، إنّهما بركعة، فمن صلاّهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر، الحديث(2) ـ :

الأوّل: أنّ التعبير بكون الإتيان بها وعدم تركها من شؤون الإيمان بالله واليوم الآخر، لا يلائم مع الاختصاص بوقت دون وقت، ولا يجتمع مع السقوط في السفر، كما لايخفى.

الثاني: أنّ النسبة بين هذه الروايات الدالّة بإطلاقها على ثبوت الوتيرة في السفر أيضاً، وبين الروايات(3) الواردة في سقوط نافلة الصلاة المقصورة، الشاملة بإطلاقها لصلاة العشاء، هي العموم من وجه، والمرجع في مادّة الاجتماع ـ وهي الوتيرة في السفر ـ هي الروايات(4) الواردة في أصل مشروعيّة الوتيرة وفي تعداد النوافل، وأنّها أربع وثلاثون(5).

  • (1) وسائل الشيعة 4: 95 ـ 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح1، 2، 4 و 8 .

  • (2) تقدّمت بتمامها في ص22 ـ 23.

  • (3) تقدّمت في ص42 ـ 44.

  • (4) تقدّمت في ص19 ـ 24.

  • (5) مصباح الفقيه 9: 62.

( صفحه 50 )

واُورد على الاستدلال بها ـ بعد تضعيف رواية أبي بصير الشارحة لها; لوقوع عدّة مجاهيل في سندها بالمعنى الأعمّ من المهمل ـ بأنّ الأخبار المذكورة إنـّما وردت في الوتر لا في الوتيرة; فإنّ معنى البيتوتة إنهاء الليل إلى طلوع الفجر، ومعنى الروايات أنّ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يطلع عليه الفجر إلاّ بوتر، مع أنّ نافلة العشاء لم تسمّ بالوتيرة في شيء من الروايات، وإنّما الفقهاء سمّوها بالوتيرة، فلا يمكن الاستدلال بها على أصل استحبابها، فضلاً عن عدم سقوطها في السفر(1).

والجواب عن هذا الإيراد: ما أفاده المورد نفسه في مسألة وقت نافلة العشاء ممّا حاصله: أنّ المستفاد من هذه الروايات إنّ آخر وقت الوتيرة صدق البيتوتة، والغالب فيها وقوعها قبل الانتصاف; لأنّ أغلب الناس إنّما يبدؤون بالمنام قبل الانتصاف، وهذه الروايات وإن كانت مطلقة غير مقيّدة بكونها بعده أو قبله، إلاّ انّها لا تقبل الحمل على البيتوتة بعد الانتصاف; لأنّها قليلة نادرة، فتدلّ الروايات المذكورة على أنّ آخر وقت الوتيرة هو انتصاف الليل وغسقه(2).

وأقول: ظاهر الروايات هو وقوع البيتوتة متأخّرة عن الوتر، بحيث كان شروعها بعد الإتيان بها، وهذا لا يلائم مع كون المراد بها غير نافلة العشاء; لأنّ صلاة الوتر التي هي جزء صلاة الليل يكون أفضل أوقاتها السحر،

  • (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 76 ـ 77، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 56.

  • (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 360.

( صفحه 51 )

وأفضل منه القريب إلى الفجر.

وعليه: فمن راعى هذه الجهة وأتى بصلاة الوتر في آخر أجزاء الليل، هل يصدق عليه أنّه بات بوتر أو على وتر؟ الظاهر العدم، وهذه قرينة على أنّ المراد بالوتر في هذه الروايات هي الوتيرة، وإن قلنا بضعف رواية أبي بصير الشارحة لها والمفسِّرة إيّاها، فهذه الروايات بنفسها ظاهرة في نافلة العشاء.

وأمّا ما اُورد(1) على الاستدلال بها ثانياً; من منع المعارضة، وكون الروايات الدالّة على أنّه لا شيء قبل الركعتين ولا بعدهما ـ مؤيّدة بما دلّ على أنّ النافلة لو صلحت في السفر تمّت الفريضة ـ حاكمة على هذه الروايات; لكونها ناظرة إليها، فتتقدّم عليها.

فالجواب عنه: منع ذلك; لعدم تماميّة الحكومة، بل يمكن أن يقال بالعكس، وأنّ هذه الروايات تكون حاكمة عليها ناظرة إليها; لدلالتها على اختصاص تلك الروايات بغير نافلة العشاء، التي لا يبيت بدونها من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فتدبّر.

ومنها: ما استدلّ به بعض الأعلام من صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أباعبد الله (عليه السلام) يقول في حديث... منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر، الحديث(2).

بتقريب أنّ الوتيرة لم تثبت كونها نافلة للعشاء ليقال: إنّ نافلة الصلوات

  • (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 77، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 57.

  • (2) تقدّمت في ص19 ـ 20.

( صفحه 52 )

المقصورة ساقطة في السفر، بل هي صلاة مستحبّة، وإنّما شرّعت للبدليّة عن الوتر على تقدير عدم التوفّق لإتيانها في وقتها، فلا تشملها الأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّه لا شيء قبل الركعتين ولا بعدهما(1).

ويرد عليه: أنّ التعبير الوارد في نافلة العشاء هو بعينه التعبير الوارد في سائر النوافل، فكما أنّ نافلة المغرب قد عبّر عنها في الروايات(2) بأنّها ما يؤتى بها بعدها، كذلك نافلة العشاء(3)، مع أنّ ثبوت الركعتين بعد العشاء من دون أن يكون لهما عنوان أصلاً بعيد جدّاً، خصوصاً مع ثبوت العنوان لغيرها من جميع النوافل والفرائض اليوميّة، مع أنّ الروايات(4) الدالّة على السقوط لم يعلّق الحكم فيها على عنوان النافلة المضافة إلى الفريضة، بل الحكم فيها يرجع إلى عدم ثبوت شيء قبل الركعتين ولا بعدهما، فلا يتوقّف دلالتها على السقوط على ثبوت عنوان نافلة العشاء لها، كما لايخفى.

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّ الأظهر هو ثبوت نافلة العشاء في السفر، ولكنّ الاحتياط بالإتيان بها رجاءً لا ينبغي تركه.

الجهة الثالثة: في وقت نافلة العشاء، فنقول:

أمّا من حيث المبدأ، فلا شبهة في أنّ مبدءها إنّما هو الفراغ عن فريضة

  • (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 78 ـ 79، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 58.

  • (2) وسائل الشيعة 4: 47 و 48، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6 و 9.

  • (3) تقدّمت في ص20 وغيرها.

  • (4) تقدّمت في ص42 ـ 44.

( صفحه 53 )

العشاء على ما تدلّ عليه الروايات المستفيضة(1)، المصرّحة بكونها بعد العشاء، الظاهرة في أنّ مبدءها هو الفراغ منها.

وأمّا من حيث المنتهى، فلا إشكال أيضاً من جهة الفتوى في امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة، وقد تحقّقت عليه الشهرة العظيمة، بل ادّعى المحقّق في المعتبر الإجماع عليه(2)، ويكفي دليلاً على ذلك ذكر المسألة في الكتب الموضوعة لنقل الفتاوى المأثورة عن الأئمـّة الطاهرة (عليهم السلام) بعين الألفاظ الصادرة(3); فإنّه يكشف عن وجود نصّ معتبر مذكور في الجوامع الأوّلية، غاية الأمر أنّه لم يصل إلينا.

نعم، يمكن الاستدلال بالروايات المتقدّمة(4) الدالّة على أنّ المؤمن لا يبيت إلاّ بوتر; نظراً إلى أنّ المراد بالوتر هي الوتيرة; لظهور الروايات في نفسها في ذلك، كما مرّ، ودلالة رواية أبي بصير المتقدّمة(5) عليه أيضاً، وأنّ المراد أنّ آخر وقت الوتيرة صدق البيتوتة، والغالب فيها وقوعها قبل الانتصاف; لأنّ أغلب الناس كانوا يبدؤون بالمنام قبله.

ويدلّ على ذلك أيضاً ما دلَّ من الروايات على أنّ الوتيرة بدل الوتر(6)،

  • (1) وسائل الشيعة 4: 48 ـ 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح7، 9، 16، 23 و25.

  • (2) المعتبر 2: 54، وفي منتهى المطلب 4: 97 «ذهب إليه علماؤنا أجمع».

  • (3) المقنعة: 91، النهاية: 60، المبسوط 1: 76، المهذّب 1: 70، غنية النزوع: 72، إصباح الشيعة: 60، الوسيلة: 83 ، الجامع للشرائع: 62.

  • (4 ، 5) في ص22 و 49.

  • (6) الكافي 1: 266 ح4، وعنه وسائل الشيعة 4: 45 ـ 46، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2.

( صفحه 54 )

بضميمة أنّ وقت صلاة الليل بعد الانتصاف، وعدم مشروعيّتها قبله إلاّ لعذر; فإنّ ملاحظتهما تقضي بأنّه قبل الانتصاف يكون وقت البدل، وبعده الذي يشرع الإتيان بالمبدل لا يكون إلاّ ظرف المبدل، ولا مجال مع التمكّن من الإتيان بالمبدل، له كما لا يخفى.

والذي يسّهل الخطب ما عرفت من وضوح المسألة بلحاظ فتاوى الأصحاب، ولا حاجة إلى إقامة الدليل.

الجهة الرابعة: في أنّه هل يعتبر في نافلة العشاء ـ التي يؤتى بها بعدها ـ البعديّة العرفيّة المتّصلة، كما يظهر من بعض المتأخّرين(1)، حيث اعتبر عدم الفصل المفرط بين فريضة العشاء ونافلتها، فلا يشرع الإتيان بها قريباً من نصف الليل مع الإتيان بالفريضة في أوّله، أو لا يعتبر ذلك؟

ربما يستدلّ(2) للأوّل بأنّ المنساق من الأدلّة(3) الدالّة على البعديّة، هي البعديّة المتّصلة العرفيّة.

وقد اُورد عليه(4) بأنّ الظاهر كون البعديّة في نافلة العشاء في مقابل القبليّة في نافلة الظهرين، فالمراد أنّ نافلة العشاء لابدّ أن يؤتى بها بعد العشاء لا قبل الفريضة، كما في نافلة الظهرين.

والجواب عنه: ـ مضافاً إلى منع الاستظهار ـ الروايات الواردة في نافلة

  • (1) مجمع الفائدة والبرهان 2: 32، جواهر الكلام 7: 309، مصباح الفقيه 9: 251.

  • (2) كما في جواهر الكلام 7: 309.

  • (3) وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2، 3، 6 و 9 وغيرها.

  • (4) نهاية التقرير 1: 195 ـ 196.

( صفحه 55 )

العصر، الدالّة على تفريقها والإتيان ببعضها بعد الظهر، وبالبعض الآخر قبل العصر(1)، وكذا الروايات الدالّة على تفريق نافلة المغرب والإتيان بالركعتين بعد المغرب، وبالركعتين قبل العشاء(2); فإنّها ظاهرة في اتّصال القبليّة والبعديّة، وإلاّ لكان المجموع متّصفاً بوقوعها بعد الظهر أو قبل العصر، وكذا بعد المغرب أو قبل العشاء، كما لايخفى.

نعم، في مقابل هذا الظهور أمران:

أحدهما: استحباب جعل نافلة العشاء خاتمة للنوافل، كما عليه الشهرة المحقّقة(3)، ويمكن الاستدلال له بالنصّ أيضاً(4)، ومن المعلوم أنّه ربما تكون النوافل كثيرة، كما في ليالي شهر رمضان(5)، وكما في ليلة الفطر إذا أتى بالصلاة المعروفة، المشتملة على ألف سورة التوحيد بعد فريضة العشاء(6). وعليه: فلا تصدق البعديّة العرفيّة; لثبوت الفصل الطويل.

ويدفعه أنّه لا مانع من الالتزام بجواز التأخير لمن يأتي بالنوافل، كجواز تقديم نافلة الصبح من انتصاف الليل لمن يأتي بصلاة الليل على ما يأتي.

ثانيهما: ما ذكره بعض الأعلام(7) من أنّ المستفاد ممّا دلّ على أنّ المؤمن

  • (1 ، 2) وسائل الشيعة 4: 47 و 59 ـ 60، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح7، وب14 ح1 ـ 3.

  • (3) الحدائق الناضرة 6: 72 ـ 73، نهاية التقرير 1: 194.

  • (4) وسائل الشيعة 4: 93، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب27 ح1 وص96 ب29 ح7.

  • (5) وسائل الشيعة 8 : 17 ـ 42، كتاب الصلاة، أبواب نافلة شهر رمضان ب1 ـ 8 .

  • (6) تهذيب الأحكام 3: 71 ح328، الإقبال 1: 459 ـ 461، المقنعة: 171، مسارّ الشيعة، سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد 7: 30، وعنها وسائل الشيعة 8 : 85 و 87 ، كتاب الصلاة، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب1 ح1و7.

  • (7) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 361 ـ 362، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 253 ـ 254.

( صفحه 56 )

لا يبيت إلاّ بوتر(1)، عدم اعتبار الوصل، وإنّما الغرض أن لا يبيت المكلّف إلاّ بوتر; بأن يصلّي الوتيرة فينام، ويصدق أنّه نام عن وتر.

والجواب: أنّ هذه الروايات لا دلالة لها على أزيد من أنّ بيتوتة المؤمن تكون متأخّرة عن الوتر. وأمّا أنّ شرائط الوتر ماذا؟ فهي لا دلالة لها عليها، ولابدّ من استفادتها من دليل خارج، ومن الشرائط البعديّة المتّصلة بالعشاء على ما تدلّ عليه الروايات المتقدّمة، فهي متقدّمة على هذه الروايات، فتدبّر.

وقت نافلة الصبح

المسألة الثالثة: في وقت نافلة الصبح، والكلام فيه في مقامين:

الأوّل: وقتها من حيث الابتداء، وقد تحقّقت الشهرة(2) على أنّ أوّل وقتها هو طلوع الفجر الكاذب، وحكي عن بعض(3) جواز إتيانها بعد الفراغ من صلاة الوتر، ونسبه في الحدائق إلى المشهور(4). وقد ورد في هذا الباب روايات كثيرة مختلفة; وهي على طوائف:

الاُولى: ما تدلّ على الإحشاء بها في صلاة الليل ودسّها فيها.

كرواية البزنطي قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن ركعتي الفجر؟ فقال: احشوا بهما صلاة الليل(5).

  • (1) وسائل الشيعة 4: 95 ـ 96، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب29 ح1، 2 و 8 .

  • (2) نهاية التقرير 1: 199 ـ 200، ولم نعثر على من ادّعى الشهرة غيره، بل الظاهر تحقّق الشهرة على خلافه، كما يثبت هذا بالمراجعة إلى مفتاح الكرامة 5: 118 ـ 120.

  • (3) النهاية: 61، جامع المقاصد 2: 22، ذكرى الشيعة 2: 375.

  • (4) الحدائق الناضرة 6: 240.

  • (5) تهذيب الأحكام 2: 132 ح511، الاستبصار 1: 283 ح1029، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح1.

( صفحه 57 )

وهذه الرواية شاهدة على أنّ المراد بركعتي الفجر متى اُطلقت هي النافلة، ولايحتمل الفريضة.

ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: ركعتا الفجر من صلاة الليل هي؟ قال: نعم(1).

ورواية البزنطي أيضاً قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : ركعتي الفجر اُصلّيهما قبل الفجر، أو بعد الفجر؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : احش بهما صلاة الليل، وصلّهما قبل الفجر(2).

ورواية علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) : الركعتان اللّتان قبل صلاة الفجر من صلاة الليل هي، أم من صلاة النهار، وفي أيّ وقت اُصلّيهما؟ فكتب (عليه السلام) بخطّه: احشها في صلاة الليل حشواً(3).

ومقتضى هذه الطائفة جواز الإتيان بهما قبل الفجر الكاذب; لشمول إطلاقها لما إذا اشتغل بصلاة الليل بعد الانتصاف بلا فصل، ثمّ أتى بالركعتين كذلك، بل يشمل إطلاقها ما إذا قدّم صلاة الليل لمرض أو سفر أو نحوهما، فيجوز عليه الإتيان بركعتي الفجر بعدها بلا فصل.

كما يدلّ عليه أيضاً رواية أبي جرير بن إدريس، عن أبي الحسن موسى بن

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 132 ح512، الاستبصار 1: 283 ح1030، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح4.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 133 ح516، الاستبصار 1: 283 ح1034، وعنهما وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح6.

  • (3) الكافي 3: 450 ح35، تهذيب الأحكام 2: 132 ح510، الاستبصار 1: 283 ح1028، وعنها وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح8 .

( صفحه 58 )

جعفر (عليهما السلام) قال: قال: صلِّ صلاة الليل في السفر من أوّل الليل في المحمل والوتر وركعتي الفجر(1).

وبالجملة: لا إشكال في جواز تقديم ركعتي الفجر على الفجر الأوّل، والإحشاء بهما في صلاة الليل وإن وقعت قبله، وقد أفتى بذلك حتّى من ذهب إلى أنّ أوّل وقتهما هو الفجر الأوّل، كالمحقّق(2).

إنّما الإشكال في جواز الإتيان بهما في وقت صلاة الليل قبل طلوع الفجر مع الانفراد وعدم الدسّ; بأن يقتصر على فعلهما منفردتين قبله، ولم يأت بصلاة الليل أصلاً، أو أتى بها مع الفصل بينهما بكثير، وقد صرّح بعض بالجواز(3)، ويظهر من صاحب الوسائل، حيث ذكر في عنوان الباب: «باب استحباب تقديم ركعتي الفجر على طلوعه بعد صلاة الليل بل مطلقاً»(4).

ولكنّ الظاهر عدم الجواز وإن كان يمكن توجيهه بأنّ مقتضى كون ركعتي الفجر مستحبّاً مستقلاًّ، وعنواناً في مقابل صلاة الليل ـ بضميمة ما يدلّ على جواز الإحشاء بهما في صلاة الليل ـ جواز تقديمهما على الفجر الأوّل مطلقاً، كالاقتصار على صلاتي الشفع والوتر، أو على ثمان ركعات صلاة الليل، إلاّ أنّه مع ذلك يكون القدر المتيقّن هي صورة ضمّهما إلى صلاة الليل ودسّهما فيها،

  • (1) الفقيه 1: 302 ح1384، وعنه وسائل الشيعة 4: 251، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح6.

  • (2) المعتبر 2: 56.

  • (3) بل هو ظاهر ابن الجنيد على ما حكى عنه في مختلف الشيعة 2: 57 مسألة 13، كما في مصباح الفقيه 9: 298 ـ 299، ولاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 364، والمستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 255، ولم نعثر على من صرّح بذلك عاجلاً.

  • (4) وسائل الشيعة 4: 263، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، ب50.

( صفحه 59 )

خصوصاً مع أنّ التسمية بنافلة الفجر لا تناسب الإتيان بها قبل الفجر، فلا يستفاد من روايات الإحشاء جواز التقديم في غير صورته.

الثانية: ما تدلّ على أنّ وقتها قبل الفجر:

كرواية زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الركعتان اللّتان قبل الغداة
أين موضعهما؟ فقال: قبل طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة(1).

وروايته الاُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضاً قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قبل الفجر، إنّهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان، أكنت تطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة؟ فابدأ بالفريضة(2).

ورواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أوّل وقت ركعتي الفجر؟ فقال: سدس الليل الباقي(3).

ورواية أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : متى اُصلّي ركعتي الفجر؟ قال: فقال لي: بعد طلوع الفجر. قلت له: إنّ أبا جعفر (عليه السلام) أمرني أن اُصلّيهما قبل طلوع الفجر، فقال: يا أبا محمّد إنّ الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم

  • (1) الكافي 3: 448 ح25، تهذيب الأحكام 2: 132 ح509، وص336 ح1389، الاستبصار 1: 282 ح1027، وعنها وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح7.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 133 ح513، الاستبصار 1: 283 ح1031، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح3.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 133 ح515، الاستبصار 1: 283 ح1033، وعنهما وسائل الشيعة 4: 265، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح5.

( صفحه 60 )

بمرّ الحقّ، وأتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقيّة(1).

الثالثة: ما تدلّ على أنّ وقتها بعد طلوع الفجر:

كصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : صلّهما بعدما يطلع الفجر(2).

وصحيحة يعقوب بن سالم البزّاز قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : صلّهما بعد الفجر، واقرأ فيهما في الاُولى (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)، وفي الثانية (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(3).

ومرسلة إسحاق بن عمّار، عمّن أخبره، عنه (عليه السلام) قال: صلِّ الركعتين ما بينك، وبين أن يكون الضوء حذاء رأسك، فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر(4).

بناءً على أن يكون المراد بكون الضوء حذاء الرأس هو الإسفار، ولكنّه ممنوع; فإنّ المراد من ذلك هو الفجر الكاذب; لأنّه يطلع على شكل عموديّ لا أفقيّ، كما في الفجر الصادق.

الرابعة: ما تدلّ على التخيير في ركعتي الفجر بين الإتيان بهما قبل الفجر، أو عنده، أو بعده; وهي روايات كثيرة جمعها في الوسائل في الباب الثاني

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 135 ح526، الاستبصار 1: 285 ح1043، وعنهما وسائل الشيعة 4: 264، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب50 ح2.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 134 ح523، الاستبصار 1: 284 ح1040، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح5.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 134 ح521، الاستبصار 1: 284 ح1038، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح6.

  • (4) تهذيب الأحكام 2: 134 ح524، الاستبصار 1: 284 ح1041، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح7.

( صفحه 61 )

والخمسين من أبواب المواقيت.

منها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ركعتي الفجر؟ قال: صلّهما قبل الفجر، ومع الفجر، وبعد الفجر(1).

وهذه الطائفة الأخيرة شاهدة للجمع بين الطائفتين اللّتين قبلها بالحمل على التخيير; لكونها نصّاً في ثبوت التخيير، وهما ظاهرتان في تعيّن مفادهما من وجوب التقديم، أو التأخير.

هذا، مضافاً إلى أنّ الأمر في الطائفة الدالّة على التقديم غير ظاهر في الوجوب; لوروده في مقام توهّم الحظر; لأنّ بناء العامّة(2) كان على الإتيان بهما بعد الفجر، وحينئذ ربما يتوهّم من هذا البناء لزوم التأخير عنه، فصارت هذه الطائفة بصدد دفع هذا التوهّم، فلا دلالة لها على هذا التقدير على أزيد من مجرّد الجواز.

مع أنّ رواية أبي بصير تدلّ على أنّ الإفتاء بالإتيان بهما بعد الفجر ـ الظاهر في تعيّنه ـ إنّما كان للتقيّة، فالحكم الواقعي حينئذ عدم التعيّن وجواز الإتيان قبله أيضاً.

وربما يقال(3) في وجه الجمع; بأنّ المراد من الفجر في الطائفة الدالّة على وجوب التقديم هو الفجر الصادق، وفي الطائفة الدالّة على وجوب التأخير هو الفجر الكاذب.

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 134 ح522، الاستبصار 1: 284 ح1039، وعنهما وسائل الشيعة 4: 268، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52 ح3.

  • (2) تذكرة الفقهاء 2: 319 ـ 320، مسألة 40، المجموع 4: 14، المغني لابن قدامة 1: 765.

  • (3) راجع نهاية التقرير 1: 204.

( صفحه 62 )

ولكن يدفعه ـ مضافاً إلى أنّه لا شاهد على هذا الجمع ـ : أنّ المتبادر من الفجر في كلتا الطائفتين هو الفجر الصادق; لأنّ الفجر الكاذب كما سيأتي لا عبرة به حتّى عند علماء العامّة، فهذا الوجه غير تامّ.

وذكر بعض الأعلام أنّ الصحيحتين الدالّتين على التأخير لا تعارضان الطائفة الدالّة على التقديم.

أمّا أوّلاً: فلأنّ مرجع الضمير في قوله (عليه السلام) : «صلّهما» غير مذكور فيهما، ولا هو معلوم بالقرينة، فلا دلالة فيهما ولا في غيرهما على أنّ المراد بهما نافلة الفجر، ومن المحتمل أن يكون المراد نفس الفريضة، وإيرادهما في باب النافلة لا دلالة له إلاّ على فهم من أوردهما فيه، كالشيخ وغيره من أرباب الكتب.

وأمّا ثانياً: فلأنّه على تقدير الرجوع إلى النافلة لا تنافي بينهما، وبين الطائفة الاُخرى أيضاً; لصراحة صحيحة زرارة ـ المشتملة على قوله (عليه السلام) : «إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة» ـ في أنّ الإتيان بركعتي الفجر قبل الفجر أفضل، كما أنّ الأفضل بعد الفجر هو الإتيان بالفريضة.

وعليه: فتحمل الطائفة الاُخرى على الرخصة وجواز الإتيان بهما بعد الفجر; لعدم صراحتها في وجوب ذلك وتعيّنه، غاية الأمر ظهورهما في أنّ الإتيان بالركعتين بعد الفجر هو المحبوب للشارع، ولا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور بصراحة الصحيحة المتقدّمة(1).

ويرد عليه أوّلاً: وضوح رجوع الضمير إلى ركعتي النافلة، كوضوح كون المراد من ركعتي الفجر ـ الذي وقع السؤال عنه في كثير من الروايات من

  • (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 366.

( صفحه 63 )

دون التقييد بالنافلة ـ هو ركعتي النافلة، ويؤيّده تعيين قراءة سورة (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)(1) في الركعة الاُولى، وسورة التوحيد في الثانية، مع دلالة روايات متعدّدة على تعيين مثل ذلك في خصوص النافلة.

كقول الصادق (عليه السلام) في مرسلة الصدوق: صلِّ ركعتي الفجر قبل الفجر، وعنده، وبعده، تقرأ في الاُولى «الحمد» و «قل يا أيّها الكافرون»، وفي الثانية «الحمد» و «قل هو الله أحد»(2). مع وضوح كون وقت الفريضة بعد الفجر وعدم الحاجة إلى بيانه، بخلاف وقت النافلة.

وثانياً: عدم ظهور دعوى الصراحة في إحدى الطائفتين، والظهور في الاُخرى، فكما أنّ الروايات الدالّة على التأخير ليس لهما إلاّ ظهور في التعيّن ووجوب التأخير، كذلك الطائفة الدالّة على التقديم لا صراحة فيها على ذلك، بل لها ظهور في التعيّن ووجوب التقديم، من دون أن يكون لإحداهما مزيّة على الاُخرى أصلاً.

فانقدح أنّه لا مناص عن الجمع بين الطائفتين بالحمل على التخيير; لصراحة مايدلّ عليه في ذلك، وكونه شاهداً للجمع بلا إشكال.

نعم، يقع الإشكال في تحديد القبليّة، وقد عرفت(3) أنّ الشهرة المحقّقة إنّما هي على أنّ أوّل وقتها طلوع الفجر الأوّل، وقد ذكره الأصحاب في كتبهم المعدّة لنقل الفتاوى المأثورة عن العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، وصرّح

  • (1) سورة الكافرون 109: 1.

  • (2) الفقيه 1: 313 ح1422، وعنه وسائل الشيعة 4: 269، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52 ح6.

  • (3) في ص56.

( صفحه 64 )

سيّدنا العلاّمة الاُستاذ البروجردي (قدس سره) بأنّ الذكر في تلك الكتب يكشف عن وجود نصّ معتبر، غاية الأمر أنّه لم يصل إلينا(1).

وكيف كان، فالروايات التي بأيدينا، التي تمكن استفادة التحديد منها ثلاثة:

أحداها: رواية محمد بن مسلم المتقدّمة(2)، الواردة في الجواب عن السؤال عن أوّل وقت ركعتي الفجر، الدالّة على التعيين بسدس الليل الباقي، ودلالتها على مذهب المشهور تبتني على أن يكون المراد من الليل فيها هو مجموع ما بين غروب الشمس وطلوعها.

وعليه: فيكون شروع سدسه قريباً من طلوع الفجر ومنطبقاً على الفجر الأوّل، ولا يبعد دعوى كون المراد ذلك، ولها شواهد كثيرة ليس هنا مجال ذكرها، ولعلّه يأتي التنبيه عليها في الموضع المناسب.

ثانيتها: رواية أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: متى اُصلّي ركعتي الفجر؟ فقال: حين يعترض الفجر، وهو الذي تسمّيه العرب: الصديع(3).

فإنّ تعرّضه (عليه السلام) لتفسير الفجر ـ مع أنّ الفجر الصادق لا يفتقر إلى التفسير; لأجل وضوح المراد منه ـ دليل على أنّ مراده هو الفجر الأوّل، خصوصاً مع أنّ الصديع بحسب أصل اللّغة(4): بمعنى الانشقاق، وهو ينطبق على الفجر

  • (1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر: 19 ـ 21، نهاية التقرير 1: 109 و153 و173 ـ 174.

  • (2) في ص59.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 133 ح517، وعنه وسائل الشيعة 4: 268، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح10.

  • (4) لسان العرب 4: 23، النهاية لابن الأثير 3: 16 ـ 17، الصحاح 2: 96، القاموس المحيط 3: 63 ـ 64.

( صفحه 65 )

الكاذب; لأنّه على شكل عموديّ وخطّ واقع بين الظلمة يوجب انشقاقها.

ثالثتها: رواية إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين اللّتين قبل الفجر؟ قال: قبل الفجر ومعه وبعده. قلت: فمتى أدعها حتّى أقضيها؟ قال: قال: إذا قال المؤذِّن: قد قامت الصلاة(1). بناءً على أن يكون الصادر هي كلمة «قبيل» كما في نقل الرواية في الكتب الفقهيّة(2).

وأمّا بناءً على كون الصادر هي كلمة «قبل» كما في الطبع الجديد من الوسائل(3)، فلا دلالة لها على التحديد، ولعلّ الترجيح مع النقل الأوّل لاشتمال السؤال على قبل الفجر، ولو كان الصادر في مقام الجواب أيضاً كذلك لم يكن هناك حاجة إلى التكرار، فتدبّر.

هذا كلّه، مع ما عرفت من ظهور كلمة «القبل» في روايات التخيير مطلقاً ـ الشاهدة للجمع ـ في القبل القريب، فينطبق على الفجر الأوّل; وإن كان كلمة «البعد» الواقعة فيها أيضاً ليس لها ظهور في البعد القريب بهذا المقدار; لأنّ البعديّة في النافلة أوسع من القبليّة، كما لا يخفى.

المقام الثاني: في وقت نافلة الصبح من حيث الامتداد، والمشهور هو امتداد وقتها إلى أن تطلع الحمرة المشرقيّة(4)، وعن الشهيد (قدس سره) (5) الميل

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 340 ح1408، وعنه وسائل الشيعة 4: 269، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52ح5.

  • (2) جواهر الكلام 7: 388، مصباح الفقيه 9: 306، وكذا في التهذيب.

  • (3) وسائل الشيعة 3: 195، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب52 ح5، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الربّاني، ط مكتبة الإسلاميّة بطهران.

  • (4) جامع المقاصد 2: 22، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 2: 493، مدارك الأحكام 3: 86 ، كشف اللثام 3: 62، الحدائق الناضرة 6: 240، مفتاح الكرامة 5: 120، جواهر الكلام 7: 383 ـ 384.

  • (5) ذكرى الشيعة 2: 379.

( صفحه 66 )

إلى الامتداد إلى آخر وقت الفريضة، والروايات في هذا المقام أربعة:

الاُولى: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلّي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر، أيركعهما أو يؤخّرهما؟ قال: يؤخّرهما(1).

بناءً على ظهورها في أنّ الأمر المتعلّق بركعتي الفجر قد انقطع بظهور الحمرة، وأنّ استمراره إنّما كان إلى هذا الحدّ فحسب، فلا يؤتى بهما بعده.

ويرد عليه: أنّه إن كان مراد المشهور من الامتداد إلى ذلك الوقت، هي صيرورتهما قضاءً بعد طلوع الحمرة، كصيرورة الفريضة كذلك بعد طلوع الشمس، فالصحيحة لا دلالة لها على ذلك; لأنّ عدم جواز مزاحمتهما مع الفريضة بعد طلوع الحمرة، ولزوم تأخيرهما عنها لا دلالة له على صيرورتهما قضاءً وخروج وقتهما بطلوع الحمرة. نعم، لو كان المراد من الامتداد إليه هو مزاحمتهما للفريضة قبله، وعدمها بعده، من دون أن تصيرا قضاءً، فالصحيحة دالّة عليه.

الثانية: رواية حسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : الرجل يقوم وقد نوّر بالغداة، قال: فليصلّ السجدتين اللّتين قبل الغداة، ثمّ ليصلِّ الغداة(2).

والظاهر أنّ التنوّر بالغداة أعمّ من ظهور الحمرة، والرواية تدلّ على

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 340 ح1409، وعنه وسائل الشيعة 4: 266، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح1.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 135 ح525، الاستبصار 1: 285 ح1042، وعنهما وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح4.

( صفحه 67 )

مذهب الشهيد، ولا تنطبق على مرام المشهور إلاّ على تقدير كون المراد بالامتداد هي المزاحمة، بضميمة تقييد إطلاقها بصحيحة علي بن يقطين المتقدّمة، الدالّة على عدم جواز المزاحمة بعد طلوع الحمرة المشرقيّة.

الثالثة: مرسلة إسحاق بن عمّار المتقدّمة(1)، الحاكية لقوله (عليه السلام) : صلِّ الركعتين ما بينك، وبين أن يكون الضوء حذاء رأسك، فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر.

بناءً على أن يكون المراد بكون الضوء حذاء الرأس هو الفجر الكاذب، كما عرفت(2).

ولكنّ الظاهر عدم جواز الالتزام بالرواية; لأنّه ـ مضافاً إلى ظهورها حينئذ في جواز الابتداء بالفريضة بعد طلوع الفجر الكاذب ـ يكون مقتضاها أنّ طلوع الفجر الكاذب آخر وقت الركعتين، فتدبّر.

وعليه: فلابدّ من الحمل على أنّ المراد بذلك هو تنوّر السماء وضوء العالم كلّه وإن كان يبعّده تقييده بكونه حذاء رأسك.

الرابعة: رواية سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعتين قبل الفجر؟ قال: تركعهما حين تنزل (تترك)(3) الغداة، إنّهما قبل الغداة(4).

  • (1 ، 2) في ص60.

  • (3) كذا في وسائل الشيعة 3: 193، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح2، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الربّاني، ط مكتبة الإسلاميّة بطهران.

  • (4) تهذيب الأحكام 2: 133 ح514، وعنه وسائل الشيعة 4: 266، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح2.

( صفحه 68 )

قال في الوسائل بعد نقل الرواية بمثل ما ذكر: وفي رواية اُخرى: حين تنوّر الغداة(1).

فإن كانت الرواية «حين تنوّر» تصير من حيث المفاد موافقة لرواية حسين بن أبي العلاء المتقدّمة، ومقتضى إطلاقها الامتداد إلى بعد طلوع الحمرة أيضاً. وأمّا إذا كانت «حين تترك» يكون مفادها أنّه مع عدم إرادة خصوص الفريضة والإتيان به تأتي بالركعتين، ومقتضى إطلاقها أيضاً ما ذكر.

وأمّا إذا كانت «حين تنزل»، فإن كان المراد بالغداة النازلة هي نفس الغداة التي بمعنى الصبح، فنزول الغداة مرجعه إلى تنوّرها وتجلّلها، وإن كان المراد بها هي فريضة الغداة، كما ربما يؤيّده قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية ـ الذي هو بمنزلة التعليل ـ : «إنّهما قبل الغداة» لا يعلم المراد من نزول الفريضة، ولعلّ المراد منه الإتيان بها، ومرجعه حينئذ إلى الإتيان بالنافلة حين إرادة الإتيان بالفريضة، ومقتضى إطلاقها أيضاً ما ذكرنا.

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّه لو كان مراد المشهور من الامتداد إلى طلوع الحمرة; هو صيرورتها قضاءً بعده، لا يمكن المساعدة عليه من جهة الروايات الواردة في الباب. وأمّا لو كان مرادهم هي المزاحمة مع الفريضة إلى ذلك الوقت، فلامانع من الأخذ به; لصحيحة علي بن يقطين الصريحة في ذلك، بل لا مانع من دعوى امتداد الوقت إلى مقدار ما بقي إلى الطلوع من أداء الفريضة، كما أفاده الماتن دام ظلّه;

  • (1) الاستبصار 1: 283 ح1032، وعنه وسائل الشيعة 4: 267، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب51 ح3.

( صفحه 69 )

لأنّ الغرض هو أن لا يفوت وقت فضيلة الفريضة، وهو يتوقّف على بقاء المقدار المذكور، فتدبّر.

وقت صلاة الليل

المسألة الرابعة: في وقت صلاة الليل، والكلام فيه أيضاً يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في وقتها من حيث المبدأ، ونقول:

قد استقرّت الفتاوى(1) على أنّ أوّل وقتها هو انتصاف الليل، وحكي عن بعض(2) أنّ مبدأ وقتها أوّل الليل، وما يمكن أن يستدلّ، أو استدلّ به على مرام المشهور(3) وجوه:

الأوّل: الإجماع(4) على أنّ أوّل وقتها هو الانتصاف، وأنّه لا يجوز تقديمها عليه إلاّ فيما ورد النصّ على الجواز فيه.

وفيه: أنّ الإجماع في المسائل التي تشتمل على الأدلّة اللفظيّة لا أصالة له أصلاً; لقوّة احتمال أن تكون تلك الأدلّة مستند المجمعين، فلا اعتبار بالإجماع حينئذ.

الثاني: مرسلة الصدوق قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : وقت صلاة الليل ما بين

  • (1) المراسم: 63، النهاية: 60، المهذّب 1: 70، الوسيلة: 83 ، السرائر 1: 195 و202، مختلف الشيعة 2: 336 مسألة 228، وفيه: أنّه المشهور، تحرير الأحكام 1: 179، الرقم 558، جامع المقاصد 2: 21، الروضة البهيّة 1: 184، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 1: 492، مفاتيح الشرائع 1: 93 مفتاح 104، مفتاح الكرامة 5: 115 ـ 116، جواهر الكلام 7: 312.

  • (2) ذخيرة المعاد: 199 ـ 200 سطر 30 ـ 34 وص201 ـ 202، سطر 15 ـ 42، وفي رياض المسائل 3: 52، وجواهر الكلام 7: 315: «كما يتوهّم من الموثّقين».

  • (3) مصباح الفقيه 9: 254 ـ 255، نهاية التقرير 1: 182، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 378.

  • (4) الخلاف 1: 533 مسألة 272، المعتبر 2: 54، تذكرة الفقهاء 2: 318 مسألة 343، منتهى المطلب 4: 97، مدارك الأحكام 3: 76، ويلاحظ الرقم 1.

( صفحه 70 )

نصف الليل إلى آخره(1).

وقد اُورد على الاستدلال بها بالإرسال(2)، ولكنّه مندفع بأنّ الإرسال إن كان بنحو الإسناد إلى الرواية بمثل «روي»، فلا يصلح للاستدلال، وإن كان بنحو الإسناد إلى المعصوم (عليه السلام) ، الذي لا يكاد يجتمع إلاّ مع توثيق الوسائط والاعتماد عليهم والاطمئنان بهم، فيجوز الاستناد إليه إذا كان مرسله مثل الصدوق، الذي لا يقصر توثيقه عن توثيق أرباب الرجال; لأنّه لا يعتبر في التوثيق التصريح به، بل يكفي الاعتماد الكاشف عن الوثاقة عنده، فتدبّر.

الثالث: الأخبار الواردة في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) والوصيّ (عليه السلام) لم يكونا يصلّيان صلاة الليل قبل الانتصاف، وهي كثيرة، مثل:

ما رواه فضيل، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلّي بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة(3).

ورواية عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلّى العشاء آوى إلى فراشه، فلم يصلِّ شيئاً حتّى ينتصف الليل(4).

ورواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) لا يصلّي من الليل شيئاً إذا صلّى العتمة حتّى ينتصف الليل، ولا يصلّي من النهار حتّى

  • (1) الفقيه 1: 302 ح1379، وعنه وسائل الشيعة 4: 248، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب43 ح2.

  • (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 379، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 263.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 117 ح442، الاستبصار 1: 279 ح1012، وعنهما وسائل الشيعة 4: 248، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب43 ح3.

  • (4) الفقيه 1: 302 ح1378، وعنه وسائل الشيعة 4: 248، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب43 ح1.

( صفحه 71 )

تزول الشمس(1).

واُورد على الاستدلال بها بأنّ هذه الروايات ليس فيها غير حكاية فعل المعصوم (عليه السلام) ، ولا دلالة لها على التوقيت; لأنّه من المحتمل أن يكون التزامه بصلاة الليل بعد الانتصاف مستنداً إلى أفضليّتها بعده، لا إلى عدم مشروعيّتها وحرمتها قبله(2).

ويدفعه: تماميّة الإيراد إذا كان الحاكي غير الإمام (عليه السلام) ، وأمّا إذا كان الحاكي هو الإمام، وكان غرضه من الحكاية بيان الأحكام كما هو شأنه; لأنّه في مثل هذه الموارد لا يكون إلاّ بصدد بيان الحكم، لا مجرّد الحكاية ونقل الواقعة، فيجوز الاستدلال بكلامه الصادر في هذا المقام، ومن الظاهر ظهور كلامه في عدم المشروعيّة قبل الانتصاف، كما إذا كان بيان الحكم بصورة الأمر بإيقاع صلاة الليل بعده، أو النهي عن الإتيان بها قبله.

ويؤيّده ذيل رواية زرارة، المشتملة على حكاية أبي جعفر (عليه السلام) عمل عليّ (عليه السلام) ; فإنّ تأخير النافلة إلى وقت الزوال كان بنحو العزيمة; لعدم جواز الإتيان بها قبله، والإنصاف تماميّة دلالة هذه الروايات على مرام المشهور.

الرابع: الروايات الكثيرة الدالّة على جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف لمثل المسافر، أو الشابّ، أو خائف الجنابة، أو البرد، أو نحوها من الأعذار التي جمعها في الوسائل في الباب الرابع والأربعين

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 266 ح1061، الاستبصار 1: 277 ح1005، وعنهما وسائل الشيعة 4: 231، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب36 ح6.

  • (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 379.

( صفحه 72 )

من أبواب المواقيت.

منها: رواية الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن خشيت أن لا تقوم في آخر الليل، أو كانت بك علّة، أو أصابك برد، فصلِّ وأوتر في أوّل الليل في السفر(1).

ومنها: رواية سماعة بن مهران أنّه سأل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن وقت صلاة الليل في السفر؟ فقال: من حين تصلّي العتمة إلى أن ينفجر الصبح(2).

فإنّ صلاة الليل إذا لم تكن موقّتة بما بعد الانتصاف، وكانت جائزة قبله أيضاً، لما كان وجه لتخصيص الجواز بخصوص المعذورين المذكورين، بل كان اللاّزم هو التجويز بالإضافة إلى غير المعذور أيضاً; لمشروعيّتها في وقتها مطلقاً.

واُورد على الاستدلال بها: أنّه من الجائز أن يكون الإتيان بصلاة الليل جائزاً في نفسه، ومرجوحاً عند الاختيار قبل الانتصاف، ولا تكون مرجوحة لدى العذر، فعدم الترخيص مع الاختيار مستند إلى المانع; وهي الحزازة الموجودة فيه(3).

وجوابه واضح; فإنّه ـ مضافاً إلى أنّ هذا الاحتمال لا يعتنى به عند العقلاء في مقابل الظهور ـ نقول: إنّ رواية سماعة تدلّ على مفروغيّة اختلاف وقت

  • (1) الفقيه 1: 289 ح1315، تهذيب الأحكام 3: 227 ح578، وعنهما وسائل الشيعة 4: 250، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح2.

  • (2) الفقيه 1: 289 ح1317، تهذيب الأحكام 3: 227 ح577، وعنهما وسائل الشيعة 4: 251، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح5.

  • (3) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 380.

( صفحه 73 )

صلاة الليل في السفر معه في الحضر، ولذا يكون السؤال فيها مقيّداً بقيد السفر. وعليه: فكيف يجري فيه احتمال عدم اختلاف الوقتين، وثبوت الاختلاف في الحزازة وعدمها؟ كما لايخفى.

الخامس: رواية محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتّى يمضي لذلك العشر والخمس عشرة، فيصلّي أوّل الليل أحبّ إليك، أم يقضي؟

قال: لا، بل يقضي أحبّ إليّ، إنّي أكره أن يتّخذ ذلك خلقاً، وكان زرارة يقول: كيف تقضي صلاة لم يدخل وقتها؟ إنّما وقتها بعد نصف الليل(1).

واُورد عليه بأنّ محلّ الاستشهاد في الرواية إنّما هو قول زرارة دون الإمام (عليه السلام) ، ولم يعلم أنّه ينقله عنه، ولعلّه قد اجتهد في ذلك، ولا اعتداد باجتهاده(2).

ويدفعه ـ مضافاً إلى أنّه يحتمل قويّاً أن يكون الناقل لقول زرارة هو الإمام (عليه السلام) لا محمد بن مسلم راوي الرواية، ويؤيّده سياقها، فتدبّر ـ : أنّ نقل محمد بن مسلم عنه شاهد على عدم كون ذلك اجتهاداً من زرارة; لوضوح عدم حجّية اجتهاده لغيره، خصوصاً إذا كان مثل محمد بن مسلم، فنقله عنه دليل على كونه رواية لا فتوى.

السادس: موثّقة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّما على أحدكم إذا انتصف

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 119 ح448، الاستبصار 1: 280 ح1016، وعنهما وسائل الشيعة 4: 256، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب45 ح7.

  • (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 380.

( صفحه 74 )

الليل أن يقوم فيصلّي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة، ثمّ إن شاء جلس فدعا، وإن شاء نام، وإن شاء ذهب حيث شاء(1).

وقد استدلّ بها بعض الأعلام(2) مدّعياً لظهور دلالتها وخلوّها عن الإيرادات المتقدّمة، مع أنّه يمكن الإيراد عليها بأنّ تقييد الصلاة المأمور بها بانتصاف الليل يجوز أن يكون من جهة تقيّد الفضيلة بها، وإلاّ فأصل الوقت لا يتوقّف على الانتصاف، كما لايخفى.

السابع: الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ قضاء صلاة الليل بعد الفجر أفضل من تقديمها على نصف الليل والإتيان بها قبله، وقد جمعها في الوسائل في الباب الخامس والأربعين من أبواب المواقيت، ودلالتها على مذهب المشهور ظاهرة; فإنّه إذا لم تكن صلاة الليل موقّتة بما بعد النصف، وكان قبله أيضاً وقتاً لها، لم يكن وجه لأفضليّة القضاء عن الإتيان قبل الانتصاف; فإنّه لا وجه لأفضليّة القضاء عن الأداء ولو لم يكن وقت الفضيلة; فإنّها تنافي التوقيت وتشريع الوقت، كما هو واضح.

وقد استدلّ على القول بجواز الإتيان بها اختياراً من أوّل الليل بوجوه أيضاً:

الأوّل: المطلقات(3) الواردة في صلاة الليل، الدالّة على استحبابها وأنّها ثمان ركعات، أو أحد عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة في الليل، بتقريب أنّ كلمة

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 137 ح533، وص339 ح1400، الاستبصار 1: 349 ح1320، وعنهما وسائل الشيعة 6: 495، كتاب الصلاة، أبواب التعقيب ب35 ح2.

  • (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 381.

  • (3) وسائل الشيعة 4: 47 ـ 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6، 7، 9، 16، 21 و23 ـ 25.

( صفحه 75 )

«الليل» الواقعة فيها مطلقة تشمل جميع أجزاء الليل من أوّله ووسطه وآخره.

والجواب: أنّها لا تكون بصدد بيان وقت صلاة الليل حتّى يجوز التمسّك بإطلاقها، بل هي في مقام بيان تعدادها في رديف سائر النوافل اليوميّة أو مجموعها والفريضة، فراجع.

الثاني: رواية حسين بن علي بن بلال قال: كتبت إليه في وقت صلاة الليل، فكتب: عند زوال الليل وهو نصفه أفضل، فإن فات فأوّله وآخره جائز(1).

والجواب: أنّ الرواية ضعيفة السند بالحسين بن علي بن بلال; لعدم توثيقه بوجه، ويمكن المناقشة في دلالتها أيضاً بعد ظهور كون السؤال عن أصل الوقت لا وقت الفريضة، وبعد تعليق الجواز على الفوت عند نصف الليل، الظاهر في عدمه عند غيره. وعليه: فلا يبعد أن يكون المراد بالأفضل هو أصل الوقت، والمراد من الأوّل والآخر هو التقديم والتأخير الراجع إلى القضاء.

الثالث: الأخبار الدالّة(2) على جواز تقديم صلاة الليل على نصفه عند العذر، كخوف الجنابة والسفر، وخوف عدم القيام ونحوها، بتقريب: أنّ التجويز مع تلك الأعذار يلائم مع عدم التوقيت بما بعد الانتصاف; فإنّها

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1392، وعنه وسائل الشيعة 4: 253، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح13.

  • (2) وسائل الشيعة 4: 249 ـ 254، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44.

( صفحه 76 )

لا تنافي الإتيان بها في وقتها، غاية الأمر الانتقال إلى الطهارة الترابيّة، كما في الفريضة، وسقوط شرط الاستقرار الذي هو شرط الكمال في النافلة لا الصحّة، ويظهر ذلك من المحقّق الهمداني في المصباح(1).

والجواب: ظهور هذه الروايات في تعدّد الوقت واختلافه، ولا منافاة; فإنّه حيث يكون صلاة الليل نافلة مخصوصة لها مزايا كثيرة، اُريد بذلك التوسعة بالإضافة إلى الوقت لخصوص المعذور، غاية الأمر التوسّع في العذر وتعميم موارده، فلا يستفاد منها وحدة الوقت أصلاً.

الرابع: موثّقة سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوّله إلى آخره، إلاّ أنّ أفضل ذلك بعد انتصاف الليل(2).

الخامس: صحيحة محمد بن عيسى قال: كتبت إليه أسأله: يا سيّدي روي عن جدّك أنّه قال: لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في أوّل الليل؟ فكتب: في أيّ وقت صلّى فهو جائز إن شاء الله(3).

وهاتان الروايتان تامّتان من حيث السند والدلالة، والجمع بينهما، وبين الروايات المتقدّمة الدالّة على أنّ أوّل وقتها هو انتصاف الليل ـ بعد ثبوت الإطلاق لكلتيهما من جهة ثبوت العذر وعدمه ـ هو حملهما على صورة العذر، وحملها على حال الاختيار، والشاهد للجمع هو الأخبار الدالّة على

  • (1) مصباح الفقيه 9: 263 ـ 270.

  • (2) تهذيب الأحكام 3: 233 ح607، وج2: 337 ح1394، وعنه وسائل الشيعة 4: 252، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح9.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1393، وعنه وسائل الشيعة 4: 253، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب44 ح14.

( صفحه 77 )

جواز التقديم على الانتصاف في موارد العذر، الظاهرة في اختصاص المعذورين بوقت خاصّ، وثبوت تعدّد الوقت واختلافه، فلا تعارض في البين كما لا يخفى.

المقام الثاني: في منتهى وقت صلاة الليل، والمعروف بل المتسالم عليه بينهم هو امتداد وقت صلاة الليل إلى طلوع الفجر الصادق(1)، وفي مقابله احتمالان:

أحدهما: الامتداد إلى طلوع الشمس، ومنشؤه استدامة الليل إليه وإطلاق صلاة الليل عليها.

والآخر: الامتداد إلى طلوع الفجر الكاذب، ونسب ذلك إلى السيّد المرتضى (قدس سره) (2).

أمّا الاحتمال الثاني: فيردّه رواية إسماعيل بن جابر، أو عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : إنّي أقوم آخر الليل وأخاف الصبح، قال: إقرأ الحمد واعجل واعجل(3).

ورواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقوم من آخر الليل وهو يخشى أن يفجأه الصبح، أيبدأ بالوتر، أو يصلّي الصلاة على

  • (1) مسائل الناصريّات: 198 مسألة 176، الخلاف 1: 533 مسألة 272، المعتبر 2: 54، منتهى المطلب 4: 97، جامع المقاصد 2: 21 ـ 22، مجمع الفائدة والبرهان 2: 33.

  • (2) حكى عنه في مختلف الشيعة 2: 56 مسألة 12، وذكرى الشيعة 2: 371. وفي مفتاح الكرامة 5: 116 نسبه إلى جمل العلم والعمل، ولكن لم نعثر عليه في النسخ الموجودة لدينا من الجمل، وكذا في بقيّة كتبه عاجلاً.

  • (3) الكافي 3: 449 ح27، تهذيب الأحكام 2: 124 ح273، الاستبصار 1: 280 ح1019، وعنها وسائل الشيعة 4: 257، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح1.

( صفحه 78 )

وجهها حتّى يكون الوتر آخر ذلك؟! قال: بل يبدأ بالوتر، وقال: أنا كنت فاعلاً ذلك(1).

ورواية معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح ويوتر ويصلّي ركعتي الفجر ويكتب له بصلاة الليل(2).

ولكن دلالة هذه الروايات الثلاثة على خلاف ما نسب إلى السيّد إنّما تتمّ على تقدير أن يكون مراده هو امتداد مجموع إحدى عشرة ركعة إليه، فينقضي وقتها بطلوعه وإن لم يطلع الفجر الصادق بعد; لصراحتها في جواز الوتر وعدم انقضاء وقته قبل الصبح.

نعم، يمكن أن يكون مراده هو امتداد خصوص ثمان ركعات التي عبّر عنها بصلاة الليل في روايات(3) متعدّدة، فيجوز الإتيان بالشفع والوتر بعد الفجر الأوّل، وعلى هذا التقدير يدفعه روايات(4) الامتداد إلى الفجر الثاني، الظاهرة في امتدادها بتمامها إليه، ويمكن أن يستفاد من رواية إسماعيل أو عبد الله المتقدّمة خلافه; نظراً إلى إطلاق: «إقرأ الحمد» الشامل لجميع الركعات، وعدم الاختصاص بالوتر، فتدبّر.

  • (1) الكافي 3: 449 ح28، تهذيب الأحكام 2: 125 ح274، الاستبصار 1: 281 ح1020، وعنها وسائل الشيعة 4: 257، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح2.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 337 ح1391، وص341 ح1411، وعنه وسائل الشيعة 4: 258، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46 ح3.

  • (3) وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح6، 7، 16، 24 و 25.

  • (4) وسائل الشيعة 4: 257، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب46.

( صفحه 79 )

وأمّا الاحتمال الأوّل: فيدفعه صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر إلى طلوع الشمس؟ فقال: نعم، وبعد العصر إلى الليل، فهو من سرّ آل محمّد المخزون(1).

ومرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام) : قضاء صلاة الليل بعد الغداة وبعد العصر من سرّ آل محمّد المخزون(2).

وغيرهما من الروايات(3) الدالّة على تحقّق عنوان القضاء بطلوع الفجر.

بقي الكلام في هذه المسألة في أمرين:

الأوّل: ذكروا(4) أنّ الإتيان بصلاة الليل في السحر أفضل، وأفضل منه آخر الليل، الذي هو القريب من الفجر، ويستفاد من قوله ـ تعالى ـ : (وَبِالاَْسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(5) ثبوت مزيّة لهذه القطعة المسمـّاة بالسحر، وقد اختلف في تفسيره، فالمشهور بين الناس تفسيره بالثلث الباقي من الليل(6)، وربما يفسّر بأضيق من ذلك، وقد فسّر في اللغة بقبل الفجر، أو قبيله، أو سدس الليل ونحوها(7)، ولابدّ من ملاحظة الروايات الواردة ليظهر أصل

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 173 ح689، الاستبصار 1: 290 ح1060، وعنهما وسائل الشيعة 4: 273، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب56 ح1.

  • (2) الفقيه 1: 315 ح1429، وعنه وسائل الشيعة 4: 274، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب56 ح3.

  • (3) وسائل الشيعة 4: 274 ـ 279، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب56 ح2، وب57.

  • (4) راجع ص77.

  • (5) سورة الذاريات 51: 18.

  • (6) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 167، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4: 38 ـ 39، وروح المعاني: 3: 137، والجواهر الحسان في تفسير القرآن (تفسير الثعالبي) 1: 236 ـ 237.

  • (7) لسان العرب 3: 253، معجم تهذيب اللغة 2: 164، القاموس المحيط 2: 108، المصباح المنير 1: 267.

( صفحه 80 )

الحكم، ولعلّه يظهر المراد من السحر أيضاً.

فنقول: الروايات الواردة في هذا الباب مختلفة من حيث العنوان المأخوذ فيها، فبعضها يشتمل على عنوان السحر.

كرواية أبي بصير الواردة فيما يستحبّ أن لا يقصر عنه من التطوّع، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) : ومن (في خ ل) السحر ثمان ركعات، ثمّ يوتر، والوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثمّ ركعتان قبل صلاة الفجر، وأحبّ صلاة الليل إليهم آخر اللّيل(1).

ويستفاد من هذه الرواية ـ بعد حمل السحر على وقت الفضيلة لا أصل الوقت، بقرينة الروايات المتقدّمة(2)، الدالّة على أنّ أوّل وقتها بعد انتصاف الليل، ووضوح عدم كون السحر تمام النصف الباقي من الليل ـ مغايرة عنوان السحر لعنوان آخر الليل، وأنّه أفضل من السحر، كما لا يخفى.

ورواية فضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثمان ركعات في السحر، الحديث(3).

ورواية الأعمش، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) ، المشتملة على قوله (عليه السلام) : وثمان ركعات في السحر; وهي صلاة الليل، الحديث(4).

  • (1) تهذيب الأحكام 2: 6 ح11، الاستبصار 1: 219 ح777، وعنهما وسائل الشيعة 4: 59، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب14 ح2.

  • (2) في ص 70 ـ 71 و 73 ـ 76.

  • (3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123 ح1، تحف العقول: 417، وعنهما وسائل الشيعة 4: 54، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح23.

  • (4) الخصال: 603 ح9، وعنه وسائل الشيعة 4: 57، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح25.

( صفحه 81 )

وبعضها يشتمل على عنوان الثلث، كرواية رجاء بن أبي الضحّاك، الحاكية لفعل الرضا (عليه السلام) ، المشتملة على قوله: فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار فاستاك ثمّ توضّأ، ثمّ قام إلى صلاة الليل، فيصلّي ثماني ركعات ويسلِّم، الحديث(1).

ورواية إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ساعات الوتر؟ قال: أحبّها إليّ الفجر الأوّل. وسألته عن أفضل ساعات الليل؟ قال: الثلث الباقي، الحديث(2).

فإنّ المراد من أفضل ساعات الليل إمّا الأفضليّة بلحاظ خصوص صلاة الليل، وإمّا الأفضليّة بلحاظ جميع العبادات التي منها صلاة الليل قطعاً، بقرينة عدم ثبوت خصوصيّة مخرجة، ومسبوقيّة السؤال من ساعة الوتر، فتدبّر.

وبعضها يدلّ على عنوان آخر الليل، كرواية مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: متى اُصلّي صلاة الليل؟ قال: صلّها في آخر الليل، الحديث(3).

ورواية سليمان بن خالد، المشتملة على قول أبي عبد الله (عليه السلام) : وثمان ركعات من آخر الليل، تقرأ في صلاة الليل بـ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، و(قُلْ يا أَيُّهَا في الركعتين الاُوليين، الحديث(4).

  • (1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 180 ـ 181 ح5، وعنه وسائل الشيعة 4: 56، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 قطعة من ح24.

  • (2) تهذيب الأحكام 2: 339 ح1401، وعنه وسائل الشيعة 4: 272، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب54 ح4.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 335 ح1382، وعنه وسائل الشيعة 4: 272، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب54 ح3.

  • (4) تقدّم تخريجها في ص31.

( صفحه 82 )

والجمع بين هذه الروايات إنّما هو بحمل ما ورد فيه عنوان السحر على أنّ المراد به هو الثلث الباقي بقرينة ما تدلّ عليه، فيكون وقت الفضيلة هو الثلث، وحمل ما دلّ على آخر الليل على أنّه أفضل أجزاء السحر بالإضافة إليها، والشاهد هي رواية أبي بصير الظاهرة في مغايرة عنوان السحر وآخر الليل; بمعنى كون الثاني أضيق من الأوّل.

ويؤيّده أنّ السؤال في رواية مرازم ليس عن وقت صلاة الليل مطلقاً، بل عن الوقت الذي يصلّي الراوي في ذلك الوقت، والجواب أيضاً قد ورد بنحو الخطاب.

وعليه: فيرتفع البعد عن أن يكون المراد أفضل الأوقات، كما أنّ رواية ابن خالد بلحاظ اشتمالها على بيان خصوصيّة السورة في صلاة الليل، تكون ناظرة إلى الوقت الأفضل، وعلى ما ذكرنا فالجمع يصير في كمال الوضوح، ولا حاجة إلى ملاحظة أمر آخر في أصل الحكم أو في تفسير السحر، فتدبّر.

الأمر الثاني: قد ورد في جملة من الروايات أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يفرّق بين ركعات صلاة الليل.

فقد روى الحلبي ـ في الصحيح أو الحسن ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلّى العشاء الآخرة أمر بوضوئه وسواكه، فوضع عند رأسه مخمراً فيرقد ما شاء الله، ثمّ يقوم فيستاك ويتوضّأ ويصلّي أربع ركعات، ثمّ يرقد، ثمّ يقوم فيستاك ويتوضّأ ويصلّي أربع ركعات، ثمّ يرقد حتّى إذا كان في وجه الصبح قام فأوتر، ثمّ صلّى الركعتين، ثمّ قال: لقد كان لكم في رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة.

( صفحه 83 )

قلت: متى كان يقوم؟ قال: بعد ثلث الليل. قال الكليني: وفي حديث آخر: بعد نصف الليل(1).

ومن المعلوم أنّ الرواية بلحاظ اشتمالها على قوله (عليه السلام) : «لقد كان لكم...» تنفي احتمال اختصاص هذه الكيفيّة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ولا مانع من الالتزام بذلك; بمعنى أنّ أفضل الكيفيّات هو التفريق بالنحو المذكور في الرواية، ولا ينافي ذلك ما ذكرنا(2) من أنّ وقت فضيلتها هو السحر، وأفضل منه هو آخر الليل، الذي هو القريب من الفجر; فإنّ ذلك إنّما هو في مورد الجمع بين الركعات; بمعنى أنّه إذا أراد الجمع والإتيان بها دفعة واحدة، فالترتيب في الفضيلة ما ذكر.

وأمّا إذا أراد التفريق، فالترتيب إنّما هو بالنحو المذكور في الرواية، وهو بهذا النحو أفضل من الجمع مع رعاية الفضيلة بمراتبها، كما لايخفى.

  • (1) الكافي 3: 445 ح13، وعنه وسائل الشيعة 4: 270، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب53 ح2و3.

  • (2) في ص79.

( صفحه 84 )

[ صلاة الغفيلة ]

صلاة الغفيلة

مسألة 2: الأقوى ثبوت استحباب صلاة الغفيلة، وليست من الرواتب; وهي ژركعتان بين صلاة المغرب، وسقوط الشفق الغربي على الأقوى، يقرأ في الاُولى بعد الحمد: (وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)(1).

وفي الثانية بعد الحمد: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّة فِي ظُلُماتِ اْلأَرْضِ وَلا رَطْب وَلا يابِس إِلاّ فِي كِتاب مُبِين )(2) فإذا فرغ رفع يديه وقال:

«اللّهمّ إنّي أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلاّ أنت أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تفعل بي كذا وكذا»، فيدعو بما أراد، ثمّ قال: «اللّهمّ أنت وليّ نعمتي، والقادر على طلبتي تعلم حاجتي، فأسألك بحقّ محمّد وآل محمّد عليه وعليهم السلام لمّا قضيتها لي»، وسأل الله حاجته، أعطاه الله عزّ وجلّ ما سأله إن شاء الله1.

1ـ الكلام في صلاة الغفيلة يقع من جهات:

الجهة الاُولى: في أصل ثبوتها ومشروعيّتها بهذه الكيفيّة المعروفة المذكورة في المتن، وعمدة الدليل عليها ما رواه الشيخ في المصباح، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من صلّى بين العشاءين ركعتين يقرأ

  • (1) سورة الأنبياء 21: 87 ـ 88 .

  • (2) سورة الأنعام 6: 59.

( صفحه 85 )

في الاُولى الحمد، وقوله: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً ـ إلى قوله: ـ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)، وفي الثانية الحمد وقوله: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا  يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ)إلى آخر الآية، فإذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال: اللّهمّ إنّي أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلاّ أنت، أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تفعل بي كذا وكذا.

وتقول: اللّهمّ أنت وليّ نعمتي، والقادر على طلبتي، تعلم حاجتي، فأسألك بحقّ محمّد وآله لما قضيتها لي، وسأل الله حاجته، أعطاه الله ما سأل.

ورواه السيّد رضي الدين عليّ بن طاووس في كتاب فلاح السائل عن علي بن محمّد بن يوسف، عن أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان الزراري، عن أبي جعفر الحسني محمد بن الحسين الأشتر، عن عباد بن يعقوب، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) نحوه، وزاد في ذيله: فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: لا تتركوا ركعتي الغفيلة، وهما بين العشاءين(1).

والنقل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) يحتمل أن يكون صادراً من السيّد، ويحتمل أن يكون من كلام الإمام (عليه السلام) ، والأظهر هو الثاني.

وأورد بعض الأعلام على رواية الشيخ (قدس سره) بأنّ طريق الشيخ إلى أصل هشام بن سالم وكتابه وإن كان صحيحاً وقابلاً للاعتماد عليه، إلاّ أنّه لم يعلم أنّ هذه الرواية كانت موجودة في أصل هشام وكتابه، وأنّه رواها

  • (1) مصباح المتهجّد: 106 ـ 107، فلاح السائل: 431 ح295، وعنهما بحار الأنوار 87 : 96 ح15، وفي وسائل الشيعة 8 : 121، كتاب الصلاة، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب20 ح2، وفي مستدرك الوسائل 6: 303، كتاب الصلاة، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب15 ح6875 عن فلاح السائل.

( صفحه 86 )

عن أحدهما حتّى يقال: إنّ طريقه إليه صحيح، بل ولم يظهر أنّه رواها مسندة ولم يصل إلينا سندها، أو رواها مرسلة من الابتداء.

نعم، لو كان نقل الرواية في تهذيبه أو استبصاره لحكمنا بأنّها كانت موجودة فيه; لأنّه (قدس سره) ذكر في المشيخة(1) أنّه يروي فيهما عن أصل المبدوّ به في السند(2).

ويمكن دفعه ـ مضافاً إلى اعتماد المشهور على هذه الرواية واستنادهم إليها، الجابر لضعفهما على تقديره، وإلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن(3) بناءً على إثباتها للاستحباب الشرعي ـ بأنّه مع وجود الطريق الصحيح إلى أصل هشام وكتابه كما في الفهرست(4)، وعدم إشعار في نقل الشيخ بكون الرواية منقولة عن لفظه دون أصله، وعدم إشعار بإرسال الرواية، هل يكون الاحتمال المذكور في كلام هذا البعض مورداً لاعتناء العقلاء وترتيب الأثر عليه؟

خصوصاً مع الاقتصار على الرواية عن أصل المبدوّ به في السند في كتابي التهذيب والاستبصار، المعدّين للاستنباط والوصول إلى الأحكام الإلهيّة، وعدم كون كتاب المصباح معدّاً إلاّ لبيان المستحبّات والآداب، فالإنصاف تماميّة الرواية سنداً كتماميّتها من حيث الدلالة. وعليه: فلا يبقى خدشة

  • (1) تهذيب الأحكام 10، المشيخة: 4.

  • (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 104، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 74.

  • (3) تقدّمت تخريجها في ص26.

  • (4) الفهرست للشيخ الطوسي: 257، الرقم 782.

( صفحه 87 )

في مشروعيّة صلاة الغفيلة بالكيفيّة المعروفة.

الجهة الثانية: روى الصدوق في جملة من كتبه ـ مرسلة في بعضها بالإرسال المعتبر، ومسندة في أكثرها ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: تنفّلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين; فإنّهما تورثان دار الكرامة. قال: وفي خبر آخر: دار السلام وهي الجنّة، وساعة الغفلة ما بين المغرب والعشاء الآخرة(1).

وذيل الحديث في الثواب والمعاني هكذا: قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما ساعة الغفلة؟ قال: ما بين المغرب والعشاء(2).

وعليه: فينتفي احتمال كون الذيل في غيرهما من الصدوق نفسه، كما لايخفى.

وفي كتاب فلاح السائل بعد نقل رواية الصدوق زاد: قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومامعنى خفيفتين؟ قال: تقرأ فيهما الحمد وحدها(3).

والمستفاد من هذه الروايات استحباب عنوان التنفّل في ساعة الغفلة التي هي ما بين المغرب والعشاء الآخرة، ولا يعتبر فيه كيفيّة خاصّة وكم مخصوص، بل يتحقّق بركعتين فاقدتين للسورة أيضاً.

وعليه: يقع الكلام في اتّحادها مع صلاة الغفيلة التي تضمّنتها رواية هشام

  • (1، 2) الفقيه 1: 357 ح1564، علل الشرائع: 343 ب45 ح1، معاني الأخبار: 265 ح1، ثواب الأعمال: 68، باب «ثواب التنفّل في ساعة الغفلة» ح1، أمالي الصدوق: 648 ح882 ، تهذيب الأحكام 2: 243 ح963، وعنها وسائل الشيعة 8 : 120، كتاب الصلاة، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب20 ح1.

  • وفي بحار الأنوار 87 : 95 ـ 96 ح14 عن الأمالي وثواب الأعمال ومعاني الأخبار والعلل.

  • (3) فلاح السائل: 435 ح301، وعنه بحار الأنوار 87 : 100 ح19، ومستدرك الوسائل 6: 303، كتاب الصلاة، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب15 ح2.

( صفحه 88 )

المتقدّمة، وعدمه; بمعنى أنّه هل يكون هنا استحبابان تعلّق أحدهما بعنوان التنفّل في ساعة الغفلة، والآخر بالصلاة بالكيفيّة المعروفة، أو أنّه لا يكون في البين إلاّ تكليف استحبابيّ واحد، غاية الأمر أنّ الإتيان بها بتلك الكيفيّة أفضل؟

والظاهر هو التعدّد وإن جاز التداخل في مقام الامتثال; لأنّ الرواية الدالّة على مطلوبيّة مطلق التنفّل في ساعة الغفلة إنّما تدلّ على أنّ المطلوب هو عدم خلوّ هذا الزمان ـ الذي هو زمان الغفلة ـ من التنفّل الذي يكون حقيقته التوجّه إلى المعبود، والتخضّع والتخشّع لديه، فالمطلوب فيه أمر عامّ ينطبق على القليل والكثير، ولا دلالة لها على كيفيّة مخصوصة.

والرواية الاُخرى تدلّ على استحباب ركعتين بالكيفيّة الخاصّة، وهو عنوان آخر يغاير العنوان المأخوذ في تلك الروايات من حيث المفهوم، ولكن لا يأبى من الاجتماع معه في الخارج ومقام الامتثال، فالعنوانان في عالم تعلّق الحكم متغايران، وفي عالم الامتثال يمكن تصادقهما على أمر واحد، فإذا قصد كليهما يتحقّق امتثالان، وإذا أتى بالركعتين بغير تلك الكيفيّة لا تتحقّق صلاة الغفيلة.

كما أنّه إن أتى بها بدون قصد امتثال الأمر المتعلّق بالتنفّل ساعة الغفلة لا يتحقّق امتثال أمره، وإن كان يمكن أن يقال بأنّ المقصود من الأمر المتعلّق به، هو أن لا يكون ذلك الوقت خالياً من التوجّه إلى الله، من دون أن يكون للمأمور به عنوان خاصّ مستقلّ، فلا حاجة في امتثاله إلى قصد متعلّقه، بل الظاهر هو ذلك. وعليه: فلا يتوقّف على قصد عنوان التنفّل في ساعة الغفلة،

( صفحه 89 )

بل يتحقّق الامتثالان معاً بقصد صلاة الغفيلة.

الجهة الثالثة: في اتّحاد صلاة الغفيلة مع نافلة المغرب وعدمه، ونقول:

ربما يقال(1) بالاتّحاد، وأنّ الرواية المتضمّنة لصلاة الغفيلة ناظرة إلى أدلّة نافلة المغرب، والمقصود من قوله (عليه السلام) في هذه الرواية: «من صلّى بين العشاءين ركعتين...» هو الركعتان من أربع ركعات المعروفة بنافلة المغرب، فكأنّه قال: من صلّى الركعتين من نافلة المغرب بهذه الكيفيّة يترتّب عليها أثر مخصوص; وهو قضاء حاجته، وإعطاء الله إيّاه ما سأل.

ويترتّب على ذلك عدم جواز الاقتصار على الغفيلة، ولزوم الإتيان بركعتين آخرتين قبلها أو بعدها بناءً على ما ذكرنا سابقاً(2) من عدم تعدّد النوافل المركّبة وترتّب الأثر على مجموعها.

كما أنّه يترتّب على ذلك عدم جواز الإتيان بالغفيلة بعد الإتيان بنافلة المغرب بأجمعها.

والذي يقرّب هذا القول أمران:

أحدهما: أنّه ليس في الروايات المتعرّضة لتعداد النوافل(3) اليوميّة من التعرّض لصلاة الغفيلة عين ولا أثر، لاسيّما ما يدلّ(4) على أنّ مجموع عددها بضميمة الفرائض لا يتجاوز عن إحدى وخمسين ركعة، وما ورد(5)منها حكاية لعمل النبيّ أو الوصيّ صلوات الله وسلامه عليهما، حيث لا إشعار فيها بثبوت صلاة الغفيلة والإتيان بها زائدة على نافلة المغرب.

  • (1) راجع نهاية التقرير 1: 63 ـ 64.

  • (2) في ص26 ـ 36.

  • (3 ـ 5) وسائل الشيعة 4: 45، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13.

( صفحه 90 )

ثانيهما: النهي عن التطوّع(1) في وقت الفريضة، حيث إنّه على تقدير استقلال صلاة الغفيلة تكون مصداقاً للتطوّع في وقت فريضة العشاء، وهو منهيّ عنه، فلا محالة تحسب جزءاً من نافلة المغرب لتخرج من هذا العنوان.

ويدفع الأوّل: أنّ عدم التعرّض في تلك الروايات لصلاة الغفيلة إنّما هو لأجل عدم كونها من الرواتب اليوميّة المضافة إلى الفرائض، أو إلى اليوم والليل، بل هي عبادة مستقلّة يترتّب عليها أثر مخصوص، غاية الأمر أنّ وقتها بين العشاءين، فلاتكون جزءاً للرواتب.

ويدفع الثاني ـ مضافاً إلى لزوم ملاحظة أنّ النهي هل هو تحريميّ أو تنزيهيّ؟ وأنّ المراد بالتطوّع هل هو مطلق التطوّع أو خصوص النوافل الابتدائيّة التي لايكون لها عنوان خاصّ؟ وأنّ الوقت هل هو الوقت الاختصاصي، أو الأعمّ منه ومن وقت الفضيلة، بل الإجزاء؟: ـ أنّ الدليل على خروجها عن ذلك العنوان هو الدليل الدالّ على مشروعيّتها وثبوتها في الشرع، فلا فرق بينها، وبين أصل نافلة المغرب من هذه الجهة أصلاً.

فانقدح أنّ اتّحاد صلاة الغفيلة مع نافلة المغرب ممّا لا سبيل إليه، ويبعّده أيضاً أنّ ظاهر دليل الغفيلة(2) تشريع الصلاة بالكيفيّة المخصوصة، لا بيان الخصوصيّة في الصلاة المشروعة، فافهم.

وربما يقال(3) بتغايرهما بحيث لا يمكن تصادقهما حتّى في مقام الامتثال

  • (1) وسائل الشيعة 4: 226 ـ 229، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت ب35، ويأتي البحث عنه مفصّلاً في ص305 ـ 327، مسألة13.

  • (2) تقدّم في ص84 ـ 87 .

  • (3) راجع نهاية التقرير 1: 63.

( صفحه 91 )

والتحقّق في الخارج; نظراً إلى أنّه حيث استقرّت سيرة المسلمين على الإتيان بنافلة المغرب بعد فريضته، صار في ارتكازهم أنّ نافلة المغرب من توابعها المتّصلة بها، فالمراد من قول الإمام (عليه السلام) في رواية هشام: من صلّى بين العشاءين ركعتين(1)، الإتيان بالركعتين بين المغرب ونافلته، وبين العشاء، فكأنّه قال: من صلّى بين العشاءين ركعتين غير نافلة المغرب.

ويترتّب على ذلك عدم إمكان التصادق ولزوم مغايرة الغفيلة مع النافلة خارجاً، فلو أتى بنافلة المغرب بصورة الغفيلة لا يسقط الأمر الاستحبابي المتعلّق بصلاة الغفيلة، كما أنّه لا يتحقّق امتثال الأمر المتعلّق بنافلة المغرب إذا ضمّ إلى صلاة الغفيلة ركعتين آخرتين فقط.

ويدفعه: أنّ استقرار السيرة على الإتيان بالنافلة بعد الفريضة لا يوجب التضيّق في مداليل الألفاظ وتقيّد الإطلاق في الرواية; فإنّ المراد من العشاءين هو نفس الفريضتين. وعليه: فالركعتان في الرواية مطلقة، ولا تكون موصوفة بكونهما غير نافلة المغرب، فكما أنّ الاتّحاد لا يساعده ظاهر الدليل، فكذلك المغايرة بهذه الكيفيّة المانعة عن التصادق في مقام الامتثال.

والظاهر أنّه كما أنّ أدلّة نافلة المغرب(2) مطلقة من جهة الكيفيّة، ولا تكون مشروطة بصورة خاصّة، كذلك دليل صلاة الغفيلة مطلق من جهة الوقت بالإضافة إلى نافلة المغرب، ومن جهة وقوعها في ضمنها وعدمه.

  • (1) تقدّمت في ص84 ـ 85 .

  • (2) راجع وسائل الشيعة 4: 45 ـ 62، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض ب13 و14.

( صفحه 92 )

وعليه: فيمكن اجتماعهما في صلاة الغفيلة، غاية الأمر أنّه حيث تكون نافلة المغرب من العناوين القصديّة التي لا تكاد تتحقّق بدون القصد، فلابدّ من قصدها، كما أنّ عنوان صلاة الغفيلة وإن لم يكن مذكوراً في الرواية، إلاّ أنّ إرادة الإتيان بالصلاة بالكيفيّة الخاصّة ـ المترتّب عليها أثر مخصوص ـ لا محيص عنها، فيمكن الاجتماع ويمكن الانفكاك.

وعلى ما ذكرنا لا يبقى فرق بين صورة الإتيان بالغفيلة قبلها أو بعدها; للزوم نيّة النافلة وعدم التحقّق بدونها، فالفرق كما أفاده بعض(1) الأعلام لا وجه له، فتدبّر.

الجهة الرابعة: في وقت صلاة الغفيلة، وفيه احتمالان:

الأوّل: أنّ وقتها بعد المغرب وقبل العشاء في أيّ وقت صلاّهما في وقتهما، فلو أخّر العشاء إلى نصف الليل يجوز الإتيان بالغفيلة قبلها.

الثاني: أنّ وقتها إلى زوال سقوط الشفق الغربي الذي هو وقت فضيلة العشاء; وهو الذي قوّاه في المتن.

ومنشأ الاحتمالين: أنّ المراد من قوله (عليه السلام) في رواية هشام المتقدّمة(2): «من صلّى بين العشاءين» هل هي الصلاة بين الفريضتين، فيكون مقتضى إطلاقه جواز الإتيان بها في أيّ وقت صلّى الفريضتين، أو أنّ المراد منه هي الصلاة بين الوقتين، ولا محالة يكون المراد وقتي الفضيلة لا وقت الإجزاء; لعدم

  • (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1: 107، المستند في شرح العروة الوثقى، موسوعة الإمام الخوئي 11: 75 ـ 76.

  • (2) في ص84 ـ 85 .

( صفحه 93 )

التعدّد فيه، بخلاف وقت الفضيلة؟

فعلى الأوّل: يستمرّ وقتها إلى الوقت المختصّ بفريضة العشاء، لكنّه يبعّده أنّه لو كان المراد بالعشاءين هي الفريضتين لكان الأنسب هو التعبير به بعد المغرب، كما في نافلة المغرب، مع أنّ لازمه حينئذ توقّف مشروعيّة الغفيلة على الإتيان بالعشاء بعدها أيضاً ليتحقّق عنوان «البين» الواقع في الرواية; وإن كان يمكن أن يقال بناءً على هذا المعنى أيضاً: أنّه حيث كان التفريق بين العشاءين وتأخير العشاء الآخرة إلى ذهاب الشفق، ممّا استقرّت عليه سيرة المسلمين في الصدر الأوّل، فلذا يكون المتبادر من الرواية هو بين الفريضتين الواقعتين في وقت فضيلتهما، كما هو المتداول بينهم.

وعلى الثاني: يستمرّ وقتها إلى ذهاب الشفق، ولا يرد عليه: أنّه ـ بناءً على هذا ـ لا يظهر من الرواية لزوم الإتيان بفريضة المغرب قبلها; لأنّ ظاهرها بلحاظ جعل أوّل الوقت بعد وقت فضيلة المغرب هو فرض تحقّق المغرب في وقتها، كما لا يخفى.

وكيف كان، فالظاهر هو هذا القول.

( صفحه 94 )

[ جواز إتيان النوافل جالساً ]

جواز إتيان النوافل جالساً

مسألة 3: يجوز إتيان النوافل الرواتب وغيرها جالساً حتى في حال الاختيار، لكنّ الأولى حينئذ عدّ كلّ ركعتين بركعة حتى في الوتر، فيأتي بها مرّتين كلّ مرّة ركعة 1 .

1ـ أمّا جواز الإتيان بالنوافل مطلقاً جالساً في حال الاختيار، فهو المشهور(1) شهرة عظيمة، بل عن جمع من الكتب دعوى الإجماع عليه(2)، وخالف في ذلك الحلّي صاحب السرائر(3)، فمنع من ذلك إلاّ في الوتيرة وعلى الراحلة، مدّعياً خروجهما بالإجماع، للأصل، مع شذوذ الرواية المجوّزة، لكن عن الذكرى(4): دعوى الشذوذ هنا مع الاشتهار بيننا عجيبة.

وكيف كان، فيدلّ على المشهور روايات كثيرة:

منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن سهل بن اليسع أنّه سأل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يصلّي النافلة قاعداً وليست به علّة في سفر أو حضر؟ فقال: لا بأس به(5).

ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام)

  • (1) الحدائق الناضرة 6: 62، جواهر الكلام 12: 375.

  • (2) المعتبر 2: 23، منتهى المطلب 4: 32، تذكرة الفقهاء 2: 295 مسألة 21 وج3: 99 مسألة 198، نهاية الإحكام في معرفة الأحكام 1: 433، إيضاح الفوائد 1: 100، ذكرى الشيعة 2: 306، البيان: 152، مدارك الأحكام 3: 25، مفاتيح الشرائع 1: 123 مفتاح 142، مصابيح الظلام 7: 109، مفتاح الكرامة 6: 602 ـ 603.

  • (3) السرائر 1: 309.

  • (4) ذكرى الشيعة 2: 307 ـ 308.

  • (5) الفقيه 1: 238 ح1047، تهذيب الأحكام 3: 232 ح601، وعنهما وسائل الشيعة 5: 491، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب4 ح2.

( صفحه 95 )

في حديث قال: إنّ الصلاة قائماً أفضل من الصلاة قاعداً(1).

ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عن حمّاد بن عثمان أنّه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : قد اشتدّ عليّ القيام في الصلاة، فقال: إذا أردت أن تدرك صلاة القائم فاقرأ وأنت جالس، فإذا بقي من السورة آيتان فقم وأتمّ ما بقي واركع واسجد، فذاك صلاة القائم(2).

ومنها: رواية اُخرى لحمّاد بن عثمان، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي وهو جالس؟ فقال: إذا أردت أن تصلّي وأنت جالس ويكتب لك بصلاة القائم فاقرأ وأنت جالس، فإذا كنت في آخر السورة فقم فأتمّها واركع، فتلك تحسب لك بصلاة القائم(3).

وأمّا ما يدلّ على عدّ كلّ ركعتين بركعة، فرواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يكسل أو يضعف فيصلّي التطوّع جالساً؟ قال: يضعف ركعتين بركعة(4).

ورواية علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه قال: سألته عن المريض إذا كان لا يستطيع القيام كيف يصلّي؟ قال: يصلّي النافلة وهو جالس، ويحسب كلّ

  • (1) الفقيه 1: 342 ح1513، علل الشرائع: 269 ب182 قطعة من ح9، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 15 قطعة من ح1، وعنها وسائل الشيعة 5: 492، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب4 ح3، وج7: 496، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الكسوف ب7 قطعة من ح11.

  • (2) الفقيه 1: 238 ح1046، تهذيب الأحكام 2: 295 ح1188، وعنهما وسائل الشيعة 5: 498، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب9 ح2.

  • (3) تهذيب الأحكام 2: 170 ح676، وعنه وسائل الشيعة 5: 498، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب9 ح3.

  • (4) تهذيب الأحكام 2: 166 ح655، الاستبصار 1: 293 ح1080، وعنهما وسائل الشيعة 5: 493، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب5 ح3.

( صفحه 96 )

ركعتين بركعة. وأمّا الفريضة، فيحتسب كلّ ركعة بركعة وهو جالس إذا كان لا يستطيع القيام(1).

وبعض الروايات الاُخر(2).

  • (1) مسائل علي بن جعفر: 171 ح294، وعنه وسائل الشيعة 5: 493، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب5 ح5.

  • (2) وسائل الشيعة 5: 492 ـ 494، كتاب الصلاة، أبواب القيام ب5 ح2 و 4 و6.

( صفحه 97 )

[ وقت نافلة الظهرين ]

وقت نافلة الظهرين

مسألة 4: وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع; أي سبعي الشاخص،
والعصر إلى الذراعين; أي أربعة أسباعه، فإذا وصل إلى هذا الحدّ يقدّم
الفريضة 1 .

1ـ في وقت نافلة الظهرين ثلاثة أقوال:

الأوّل: ما هو الأشهر بل المشهور(1)، وهو امتداد وقت نافلة الظهر إلى الذراع والعصر إلى الذراعين، ويظهر ذلك من المتن.

الثاني: ما عن جماعة من الأساطين، كالشيخ في الخلاف(2)، والفاضلين في المعتبر والتبصرة(3)، والمحقّق والشهيد الثانيين في جامع المقاصد والروضة، من الامتداد إلى المثل والمثلين(4).

الثالث: ما قوّاه صاحب العروة من الامتداد إلى آخر وقت إجزاء الفريضتين، وأنّ الأولى بعد الذراع تقديم الظهر، وبعد الذراعين تقديم العصر والإتيان بالنافلتين بعد الفريضتين، فالحدّان الأوّلان ـ الذراع والذراعان ـ للأفضليّة(5)، وقد قوّاه في المستند حاكياً له عن والده، بل عن الحلبي وظاهر

  • (1) شرائع الإسلام 1: 62، حاشية إرشاد الأذهان، المطبوع ضمن حياة المحقّق الكركي وآثاره 9: 60 ـ 61، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 2: 488، الروضة البهيّة 1: 181، كفاية الفقه، المشتهر بـ «كفاية الأحكام» 1: 77، مفتاح الكرامة 5: 106، رياض المسائل 3: 45 ـ 46، جواهر الكلام 7: 277 ـ 279.

  • (2) الخلاف 1: 257 ـ 261 مسألة 4 و 5.

  • (3) المعتبر 2: 48، تبصرة المتعلّمين: 38.

  • (4) جامع المقاصد 2: 20، الروضة البهيّة 1: 181.

  • (5) العروة الوثقى 1: 372 مسألة 1191.

دسته بندی کتاب‌ها
آخرین کتاب ها

مباني فقهي تقيه مدارتى

نام کتاب: مباني فقهي تقيه مداراتي
مؤلف: سيد محمد يعقوب موسوي{سنگلاخي}
ناشر: مرکز فقهي ائمه اطهار(ع)

مرگ مغزي، پردازش فقهي ـ حقوقي

مرگ مغزي، پردازش فقهي ـ حقوقي
تأليف: حميد ستوده
ناشر: مرکز فقهي ائمه اطهار(عليهم السلام)
معاونت پژوهش

بحوث في قاعدة الفراغ والتجاوز

المؤلف: آية الله الشيخ محمدجواد الفاضل اللنکراني
إشراف: الاستاذ الشيخ محمدجعفر الطبسي
المترجم: الشيخ محمدجواد السعيدي
الطبعة: الاولی سنة 1433
حقوق الطبع محفوظة لحوزة فقه الأئمّة الأطهار(ع) في سوريا

كتاب الصلاة (ج2)

تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة: كتاب الصلاة
تأليف: … سماحة آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني (قدس سره)
تحقيق و نشر، والإخراج الفنّي: … مركز فقه الأئـمّة الأطهار (عليهم السلام)

كتاب الصلاة (ج1)

تأليف: … سماحة آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني (قدس سره)
تحقيق و نشر، والإخراج الفنّي: … مركز فقه الأئـمّة الأطهار (عليهم السلام)